بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من المسئول عن اضطهاد الأقباط؟

n2r

المسيحيون في مصر لا يعانون من أي اضطهاد، هذا مايراه الكثيرون بالفعل في هذا البلد ويروج له، بل قد يزيد على هذا بأنهم يحصلون على أكثر من حقوقهم! آخرون قد يتظاهرون بالتعقل وينسفون القضية من أساسها بالتأكيد على أن الجميع في بلدنا “مضطهدون” مسلوبة حقوقهم، وبالتالي فلا معنى لأي حديث عن اضطهاد أي أقليات في مصر!

المسيحي في مصر بالطبع يعاني من اضطهاد، بدءًا من خروجه في حصة الدين من الفصل تلاحقه نظرات الدهشة من زملائه كما لو كان مخلوقًا فضائيًا، مرورًا باضطراره للعمل والدراسة في أيام الأعياد لأنها لا تُعتَبر عطلاتٍ رسمية، ومهما كانت كفاءته فلن يستطيع الوصول لمناصب معينة كمنصب رئيس الجمهورية مثلًا أو قائد الجيش، بل حتى في كليات الطب لن تستطيع التخصص في قسم النساء والتوليد إذا كنت مسيحيًا.

الدولة هي المضطهِد الأول والأكبر للمسيحيين في مصر، الدولة هي الراعية للطائفية والرجعية، عبر إعلامها ومؤسساتها الدينية الرسمية كالأزهر، وعبر شيوخها التابعين لوزارة الأوقاف بخطب الجمعة المحرِّضة ضد المسيحيين، والتي تدعو بالهلاك على “اليهود والنصارى”، وكل ذلك يجري تحت إشراف الدولة ورعايتها، وهي التي تحرم المسيحيين من المناصب العليا ولا تعتبر أعيادهم إجازات رسمية، والتي تُرسِل لهم برقيات في الأعياد كأنهم أجانب، والتي يذهب رئيسها لعزاء البابا بعد كل حادث إرهابي، وكأن الذين قُتلوا رعايا الكنيسة وليسوا مواطنين مصريين.

عندما يحدث تهجير أقباط من قرية ما، يقف الأمن مشاهدًا، بل وراعيًا لجلسات الصلح، وكأنه لا يوجد قانون لردع وعقاب المعتدي، أو وكأن الأمر هو نزاع بين طرفين متكافئي القوة جنحا بعدها للصلح بملء إرادتهما.

الدولة التي تتعنت في إصدار التصاريح لبناء الكنائس، وتفرض استخراجها من “أمن الدولة” حتى لغرضٍ كتجهيز دورة مياه في كنيسة، كما لو كانت دورة المياه تلك تمثل تهديدًا للأمن القومي، هي ذاتها الدولة العسكرية القمعية التي تخلق مناخًا للإرهاب يصبح الأقباط أول ضحاياه.

بعد الدولة تأتي جماعات الإسلام السياسي والفكر الوهابي الذي زاد انتشاره منذ السبعينات بسبب أموال النفط، والذي يحتقر الأقباط ويعتبرهم “ذميين” ليس لهم نفس الحقوق، وهذه الأفكار كان تأثيرها يشتد مع اشتداد عود الإسلام السياسي كما حدث بعد الموجات الأولى من ثورة يناير، أو في فترات محنة الإسلام السياسي مثل الخطاب الرجعي الطائفي على منصة رابعة، أو الاعتداء على الكنائس بعد مذبحة رابعة.

الكنيسة كذلك تلعب دورًا رئيسيًا في اضطهاد الأقباط، فتحرص على انسلاخ المسيحيين من المجتمع وانحسارهم داخل جدرانها. فمنذ بداية السبعينات، وتولي شنودة منصب البطريرك، بدأ انعزال الأقباط عن المجتمع، وأصبحت الكنيسة مجتمع داخل المجتمع، وحرصت على إنشاء المستشفيات والمدارس والأسر الطلابية داخل كل الجامعات، وأتى هذا بالتوازي مع الانفتاح الاقتصادي وتراجع الدولة عن القيام بدورها في الصحة والتعليم، فظهرت تلك الأنشطة، وظهرت مثيلاتها لدى الجماعات الإسلامية.

ومن جهة أخرى دأبت الكنيسة على عقد الصفقات السياسية مع الأنظمة الحاكمة المختلفة، كما وقفت بوضوح في خندق الثورة المضادة، شأنها في ذلك شأن المؤسسات الدينية الأخرى التابعة للدولة، فالكنيسة مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالنظام والرأسمالية المصرية، يكفي أن تعرف أن رجل الأعمال القبطي ثروت باسيلي، هذا الملياردير صاحب العديد من شركات الأدوية، هو ذاته وكيل المجلس الملي للأقباط الأرثوذكس وصاحب قناة CTV لسان الكنيسة والتي تؤيد النظام بشدة.

هذا الارتباط الوثيق يجعل الكنيسة تخشى من أي تغيير اجتماعي يهدد مصالحها، ناهيكم عن تهديد سلطتها الدينية وزعزعة سلطة الكهنوت.

الكنيسة أيضًا تنشر أفكارها الرجعية والطائفية، بجانب الأفكار الانهزامية المتخاذلة التي تطالب الأقباط بعدم الدفاع عن حقوقهم، بكلمات مثل “الرب يحارب عنكم وأنتم تصمتون”، وأن على المسيحي أن يتقبل الاضطهاد ويقاومه فقط بالصلاة والصوم. الكنيسة بكل وضوح تستفيد من استمرار اضطهاد الأقباط لأن هذا يؤدي لمزيدٍ من انعزالهم عن المجتمع والمزيد من تبعيتهم للكنيسة وتعلقهم بها وسلطتها عليهم.

بالطبع ليس كل المسيحيين مضطهدين بنفس القدر، فالمسيحيين منهم البرجوازيين وأعالي الطبقة الوسطى، وهؤلاء مصالحهم مرتبطة ببقاء النظام الحالي، على خلاف فقراء المسيحيين الذين يعانون من غلاء الأسعار ولا يرتدون الصلبان الذهبية.

فكما الفقير المسيحي مضطهد أكثر من الغني المسيحي، فالمرأة المسيحية بطبيعة الحال تعاني من اضطهاد أشد من الرجل المسيحي، أما المرأة الفقيرة المسيحية فهي تعاني من اضطهاد مُركَّب، ديني وجنسي وطبقي، وهي بكل تأكيد من أكثر فئات المجتمع وقوعًا تحت وطأة الاضطهاد.

إن كان المسيحي يريد أن يحصل علي حقوقه، فعليه مواجهة الدولة، عليه أن يخرج من أسوار الكنيسة وينضم لجموع المضطهدين ويربط تحرره من اضطهاده بتحرر المجتمع ككل، وهنا يأتي دور الديمقراطيين والاشتراكيين في المطالبة بالمساواة الكاملة بين المواطنين لتصبح قضية اضطهاد الأقباط هي قضية كل المضطهَدين والمستغَلين، مثلها مثل قضايا تحرر المرأة والأقليات والطبقة العاملة.

غير هذا لن نجني سوى المزيد من الاضطهاد، والمزيد من الدماء.

التعليقات