بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف نحدد موقفنا في الانتخابات الرئاسية؟

خطوات متسارعة وضربات متتالية يقوم بها النظام لإغلاق المجال السياسي تمامًا على غرار “مش عايز اسمع كلام في الموضوع ده تاني”. السيسي يضرب في كل اتجاه لإخراج الجماهير من معادلة السياسة في البلد، حتى يثبِّت أركان حكمه ويمرِّر كل السياسات والقوانين والقرارات التي تحقِّق مصالح الطبقة الحاكمة من كبار الضباط ورجال الأعمال والقضاة وكبار الموظفين والإعلاميين، حتى يُسكِت أي صوتٍ معارض ويقضي على أي نوعٍ من المقاومة. أصدروا قانون التظاهر، وسحقوا المظاهرات، وأضحى التظاهر أمرًا صعبًا ومُكلِّفًا للغاية، لا أحد آمن من الاعتقال؛ عمال وطلاب ونشطاء وفقراء المواطنيين؛ كلهم تحت النار.

ترسانة من القوانيين الخطيرة على الحريات وعلى حياة ومستوى معيشة الناس صدرت دون مقاومة تُذكَر. مرَّروا قوانينن الخدمة المدنية والكيانات الإرهابية والسلطة القضائية، وحتى الرياضية.

أعادوا العمل بقانون الطوارئ، الذي طالما اعتبرنا إسقاطه واحدًا من نجاحات الثورة، أعادوه للحياة في هدوءٍ وثبات المُتأكِّد من موتِ الثورة.

خطوةٌ بعد خطوة تثبِّت دعائم الاستبداد والإفقار، ودون مقاومة تُذكَر من جماهير الثورة المهزومة، والعجيب أن يرى بعض الثوار في ظل هذه الأوضاع أن نترك النظام يُضيِّق الخناق أكثر فأكثر، حتى يحدث الانفجار العظيم بانطلاق الغضب الجماهيري!

هل ننتظر الثورة أم نبني لها من الآن؟
ليست الثورة مجرَّد هبَّة شعبية أو “هوجة” عشوائية؛ الثورة عملية مُعقَّدة ومُركَّبة لا تولد فجأة ولا تنتصر بالضربة القاضية ولا تحقق أهدافها في وثبةٍ واحدة. الثورة تسبقها صراعات ومواجهات بين الجماهير والنظام؛ مواجهات بأشكال مختلفة، صراعات انتخابية واحتجاجات شعبية وسياسية تتبلور فيها المطالب وتُطرَح فيها بدائل وبرامج، تُبنى فيها التحالفات والجبهات بين القوى السياسية المختلفة ونستطيع خلالها قياس توازنات القوى بين المعارضة من جانب، والدولة من جانب آخر، وبين أحزاب المعارضة وبعضها البعض، ويتحدَّد على أساس توازنات القوى هذه التكتيكات المناسبة لكل معركة.

هل ننتظر لما بعد الثورة لنصيغ برنامجنا ورؤيتنا وبدائلنا السياسية والاقتصادية ثم نعرضها على جماهير الثورة لأولِ مرة، أم نطرح برامجنا هذه على الجماهير في كل معركةٍ وخاصةً في معركة الدعاية السياسية الأكبر وهي الانتخابات؟ كيف نجعل مبادئ ومطالب برنامجنا في أذهان ووعي ووجدان القوى الاجتماعية في عقول وقلوب الناس أصحاب المصلحة في تحقيق التغيير المنشود؟ ألا يرغب الثوريون في خوض هذه المعارك كتدريبٍ سياسيٍ عملي يكتسبون به الخبرة قبل الثورة كي لا يتركوا الساحة خاويةً أمام النظام وحلفائه، والإصلاحيين والانتهازيين، في كل انتخابات بعدما تفجِّر الجماهير ثورتها؟

في مناخٍ غير ديمقراطي، في مناخٍ تضيق فيه مساحات العمل والحركة كل يوم، يسوء الوضع يومًا بعد يوم، لا أعتقد أن شعار “لا مشاركة في انتخاباتٍ تجري في أوضاع استبدادية” صحيحًا، فالمناخ الديمقراطي لا يأتي من السماء ولا يمكن أن يكون هبةً من حاكمٍ ولكنه يُنتَزَع انتزاعًا. يُنتَزَع عبر نضالاتٍ عديدة منها الاحتجاجي المباشر ومنها الانتخابي.

في ست دوراتٍ رئاسية لمبارك كانت أشبه بالاستفتاء، كانت انتخابات ٢٠٠٥ التي ترشح فيها أيمن نور كمعارضٍ في مواجهة مبارك أهم انتخابات جرت. طُرِحَت لأول مرة أمام الناس فكرة أن الانتخابات ليست حكرًا على مبارك والحزب الوطني، وأن مناطحته ممكنة، وبالطبع لم يكن مبارك سعيدًا بهذه المشاركة من جانب نور، وكلنا نعرف القمع الذي تعرَّض له لأنه تجرَّأ ورشح نفسه. مبارك كان يُفضِّل انتخاباتٍ بلا مرشحين أو بـ”كومبارسات” لا قيمة لهم، ولم يكن يزعجه أبدًا موقف الداخل والخارج من “شرعية الانتخابات”، بينما كان لمشاركة أيمن نور هذه العديد من المكاسب، أهمها تحدي انفراد مبارك بالانتخابات، وقد فتحت مجالًا للعمل والدعاية السياسية في الشارع، وكان لهذه المعركة والمعارك الاخرى في هذا الوقت دور كبير في تحريك الشارع ضد سلطة مبارك منذ ذلك الوقت فلاحقًا.

هل نترك الساحة خاوية؟
أصدر النظام سلسلة من القوانيين وأتبعها بعددٍ من القرارات التي تحظر النشاط السياسي، بل وتحظر الحركات والقوى السياسية مثل قانون الكيانات الإرهابية؛ فهذه جماعة إرهابية وتلك حركة أو رابطة محظورة.

ويهدف النظام من وراء كل هذه القوانين والإجراءات أن يصوِّر الأمر على أنه معركةٌ بين الدولة والإرهاب أو بين الدولة ومجموعات مُخرِّبة حتى يتمكَّن من العصف بالمعارضة وكل أشكال التنظيم الجماهيري والسياسي. إنه يريد تفريغ الحياة السياسية تمامًا.

لا يريد النظام أن تظهر في الشارع مجموعات الشباب باعتبارها مجموعات سياسية تعرض برامج وترفع مطالب وتُقدِّم حلولًا وبدائلَ سياسية واقتصادية، يريدها محصورة ومحظورة وإرهابية، لا يريد أن تسمع الناس منا، يريد أن تسمع الناس عنا، وبالطبع لن تسمع منه عنا إلا كل تشويهٍ وتخوين، ورأينا جميعًا كيف كان لدعاية النظام تأثيرها على ثقة الناس في “شباب الثورة” والمعارضة بشكل عام، لا يجب أن نترك الساحة السياسية والدعائية لخطابات الدولة العسكرية ورجالها.

هل المقاطعة حلًا؟
يقول البعض إن الشعب سيقاطع هذه الانتخابات من نفسه، ودورنا هو دعوة كل الناس للمقاطعة. هذا خلطٌ واضحٌ؛ العزوف عن الانتخابات يختلف عن مقاطعتها. عزوفُ الناسِ عن المشاركة السياسية خطوةٌ للخلف تعبِّر عن يأسِ الناس من عملية التغيير. هذا العزوف في حقيقته تعبيرٌ عن الهزيمة والإحباط اللذين أصابا الجماهير، وهو فعل سلبي يعكس أيضًا خروج الناس من المعادلة السياسية وتسليمهم بأن أوراق اللعبة كاملةً في يدِ النظام الحاكم، وأنه لا فائدة من المشاكسة أو المقاومة، فهل ندفع نحن في تعزيز هذه الحالة؟!

أما عن المقاطعة، فهي تكتيكٌ قد تلجأ إليه القوى السياسية والاجتماعية، وهو تكتيك عادةً ما يُستَخدَم يكون الذهاب الى الانتخابات خطوةً إلى الخلف تهدف إلى قطع الطريق على حربٍ ثورية مشتعلة تقترب فيها الجماهير من إنزال هزيمة ثقيلة بالطبقة الحاكمة. وهذا لا يعني أن المشاركة في الانتخابات أثناء الشهور الثورية مرفوض بشكل قاطع، فطالما هدأت الجماهير وعادت من حرب المتاريس الى حياتها اليومية وتستعد للنزول للتصويت، فمن الأفضل أن تذهب أصواتها للثوريين، ليس من المنطق أن يترك الثوريون أصوات الجماهير تذهب إلى الإصلاحيين والانتهازيين والنظام القديم.

“الانتخابات تمنح شرعية دولية للرئيس أو للانقلاب”. يا للعجب أن تتكرَّر مثل هذه الحجة بعد مرور كل هذا الوقت وبعد أن اتضحت الصورة هكذا تمام الوضوح، لا الدول الرأسمالية الغربية مهتمة بتحقيق الديمقراطية في منطقتنا، ولا هي منزعجة من الأنظمة الديكتاتورية، كل ما يهم أوروبا الرأسمالية هو مصالحها في المنطقة. صفقة الرافال والميسترال حسمت الرضا الفرنسي، وفتح السوق لشركة سيمنز أنعش العلاقة بألمانيا، والحفاظ على أمن إسرائيل كفيلٌ بالحفاظ على استمرار الدعم الأمريكي (العسكري والسياسي والاقتصادي) للنظام، فأي نظام دولي تعوِّلون على أن يرفض الاعتراف بنظام ديكتاتوري؟

إذا كان ولابد أن نذكر النظام الدولي، فعلينا أن نستفيد من التناقضات التي قد تظهر بين أطرافه لمصلحتنا. ولكن ونحن نضع نصب أعيننا أننا نناضل ضد كل هذا النظام الدولي. أنظمة الحكم الرأسمالية الأوروبية لا تريد نظام ديمقراطي في مصر يسمح للعمال بتشكيل نقابات مناضلة تنتزع الحقوق من الشركات الأوروبية العاملة في مصر. أمريكا لا تريد نظامًا ديمقراطيًا مصريًا منتخبًا يعيد الاعتبار للقضية الوطنية ويلغي كامب ديفيد ويدعم نضال الشعب الفلسطيني، إنها تريد نظام يحافظ على أمن إسرائيل حتى لو كان نظامًا عسكريًا ديكتاتوريًا.

النظام الدولي يحدِّد موقفه من أنظمة الحكم في بلادنا حسب مصالحه، فإذا كان استمرار رأس النظام يحقق مصلحته، فإنه يدعمه، أما إذا شعر بأن استمرار رأس النظام قد يؤدي إلى ثورةٍ شعبيةٍ جذرية تهدِّد مصالح القوى الكبرى، فيتخلى عن هذا الرأس لاحتواء الموقف في حدودٍ تضمن استمرار مصالحه.

   

التعليقات