بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

غير مصنف

نزيف الأجور بين التقشف وعصا الدولة الأمنية

مجددًا تضرب سياسات الإفقار القطاعات الأوسع من المصريين مع بدء تطبيق الموازنة العامة للعام المالي 2017-2018، ورغم أن قرارات رفع أسعار الوقود والكهرباء والغاز والاتصالات كانت متوقعة بل ومنتظرة، لكنها لم تعد بالفعل مُحتَمَلة. فالأمر لا يتوقف عند ارتفاع الأسعار في موجاتِ تضخمٍ غير مسبوقة منذ ما يزيد عن ثلاثون عامًا، ولكن أيضًا يصاحب هذا التضخم الاستثنائي تجميد للأجور يجعل أثر الغلاء مضاعفًا، ولا يكفي ذلك فتسعى السلطة أيضًا لزيادة إيرادات الدولة عبر سياسة ضريبية أقرب للجباية والإتاوة منها لنظام ضريبي.

فقد تعرَّضت أجور العمالة خلال الأشهر الماضية لاستنزافٍ عنيف في قيمتها الحقيقية تحت وطأة التضخم الذي أنتجته سياسات الدولة الاقتصادية، فبينما لم تتجاوز الزيادة في موازنة أجور العاملين في الحكومة عن 4.5% في موازنة العام المالي 2016/ 2017، تجاوزت معدلات التضخم في بعض شهور نفس العام المالي 30% خاصة بعد قرارات الثالث من نوفمبر 2016 بتحرير سعر الصرف ورفع أسعار الوقود، مع توقعات بتجاوز نسبة التضخم السنوية 25% بما يعني أن الأجور الحقيقية انخفضت بالفعل قبل قبل بدء العام المالي 207/ 2018 بما قد يزيد على ربع قيمتها، ويجب هنا الإشارة أن أجور العاملين بالحكومة، والذين يتجاوز عددهم ستة ملايين هي الأكثر انتظاما وتقنينا بين قطاعات العاملين بأجر في مصر، أي أن الوضع قد يكون أسوأ في القطاع الخاص، والقطاع غير الرسمي.

ويأتي هذا التدهور في قيمة الأجور الحقيقية في الوقت الذي تعمل فيه الدولة على سد كل السبل أمام الممارسات الاحتجاجية للعمال، مستخدمةً حزمة من التشريعات الاستثنائية مثل قانون التظاهر وقانون الإرهاب لقمع الممارسات السلمية، بما يحول دون الضغط لزيادة الأجور بالتوازي مع الارتفاع الحالي في الأسعار.

وتأتي موازنة العام الجديد، 2017-2018، بالمزيد من القرارات المُستنزِفة للأجور الحقيقية، في الوقت الذي تقدم فيه الدولة القليل لتعويض العمالة عن موجة الغلاء الحالية.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن النسبة الغالبة من دخول المصريين تأتي من خلال الأجور (67.1%)، وهو ما يعني أن أكثر مداخيل الأسر المصرية لم يكن أمامها فرصة للزيادة في موجة الغلاء خلال الأشهر الماضية.

إذ أن الفئات التي تتقاضى دخلها من الاستثمار، على سبيل المثال، كانت لديها الفرصة لزيادة أسعار منتجاتها، وهوامش ربحيتها بالتبعية، لتحميل المستهلك بزيادة تكاليف الإنتاج التي نتجت عن عوامل مختلفة على رأسها ارتفاع سعر صرف الدولار.

أما العاملون بأجر، باستثناء من يتقاضون أجرهم بالدولار وهي فئة ضئيلة بطبيعة الحال لا يمكن اعتبارها نسبة بين قطاعات العمال، فلم يكن أمامهم سوى انتظار قرارات الزيادة في الأجور التي تحددها مجالس إدارة الشركات وهي تستقوي بترسانة التشريعات التي تقيِّد بها أصوات الاحتجاج بين العمال.

وعلى مستوى العاملين بالدولة، فقد عمل قانون الخدمة المدنية منذ إصداره الأول في 2015 على تقويض فرص نمو ميزانية الأجور، وحدد نسبة العلاوة السنوية (الدورية) للعاملين الخاضعين له عند 7% من الأجر الوظيفي.

وقد أضافت الحكومة في موازنة العام المالي المقبل، الذي يبدأ في يوليو 2017، زيادةً استثنائية تحت اسم علاوة الغلاء بنسبة 7% أيضًا، بحد أقصى 130 جنيها، لكن بجمع العلاوتين، فإن زيادة الأجر 14% تقل عن معدل التضخم السنوي من يناير إلى أبريل 2017 بنسبة 30.2% وعن متوسط التضخم السنوي منذ التعويم حتى أبريل بنسبة 28.8%.

وجاءت الموجة التضخمية السابقة مدفوعةً بحزمةٍ من القرارات الاقتصادية التي طبقتها الدولة بطريقة صادمة بدفع من صندوق النقد الدولي، والتي شملت تطبيق ضريبة القيمة المضافة ورفع أسعار الوقود علاوة على التحرير الكامل لسعر الصرف.

ويأتي العام المالي الجديد حاملًا معه موجة تضخمية جديدة مع اتجاه الحكومة بتطبيق زيادة جديدة في أسعار الوقود، وصلت نسبتها 55% لبعض أنواع الوقود، وبلغت 100% بالنسبة لاسطوانات الغاز، بالإضافة لرفع قيمة استهلاك الكهرباء والتي يبدأ حسابها في الأول من يوليو ولكن فواتيرها ستسدد في أول أغسطس فضلا عن تطبيق الشريحة الجديدة من ضريبة القيمة المضافة التي نص عليها القانون.

ويخبرنا البيان المالي للموازنة بأن الحكومة تنوي “إعادة النظر في بعض رسوم التنمية”، بمعنى رفع تلك الرسوم لزيادة إيرادات الدولة.

وتزعم الحكومة إن تلك العملية لن تمس محدودي الدخل، لكنها تشير إلى أن زيادات الرسوم الجديدة ستشمل خدمات مثل المحمول، فهل خدمات المحمول تعد قاصرة على الطبقات الميسورة؟ جهاز التعبئة العامة والإحصاء يقدر أن نحو 88% من الأسر المصرية تستخدم هذه الوسيلة في الاتصال.

وتنطوي الموازنة الجديدة على زيادةٍ أيضًا في أسعار السجائر، وهي من السلع شائعة الاستخدام، بهدف تحقيق حصيلة إضافية للخزانة العامة.

تأتي تلك الإجراءات في سياق سياسات تتبعها الدولة للسيطرة على أزمةٍ ماليةٍ جارية تتجلى في ارتفاع معدلات الاستدانة الحكومية المحلية والدولية، لكن من يدفع ثمن هذه الأزمة؟

إذا قارنَّا نصيب دائني مصر من نفقات مشروع الموازنة الجديدة بنصيب العاملين بأجر لدى الدولة من تلك الموازنة، نجد أن الدائنين يحصلون على نحو 31% من تلك الموازنة، تتمثل في الإنفاق على الفوائد، بينما يحصل العاملون على نحو 20%، ويمثل هذا الفارق دلالةً مهمة على من هو الرابح والخاسر من تلك الأزمة.
إذ تلجأ الدولة لزيادة الفائدة على ديونها السيادية لجلب المستثمرين الأجانب لسوق أذون الخزانة، وهي الطريقة الأسهل أمامها لجلب التدفقات الدولارية وتخفيف أزمة العملة الصعبة.

وتُغطَى تلك النفقات بسياسات تكبح من فرص الأجور في النمو أو تستقطع من القيمة الحقيقية لتلك الأجورعبر التوسع في الرسوم وضرائب الاستهلاك، وذلك في الوقت الذي تظل فيه منظومة ضرائب الدخل والثروة صديقة للأثرياء والشركات الكبرى.

وبالنظر إلى الإيرادات الضريبية المتوقعة، فإن ضريبة المرتبات تحقق للخزانة العامة في العام المالي المقبل نحو 32.4 مليار جنيه، بالرغم من أن الدولة ستطبق هذا العام سياسة للخصم الضريبي يفترض أن يقلص من قيمة تلك الإيرادات الضريبية.

لكن حجم ما تقطعه الدولة من رواتب العاملين في صورة ضرائب يفوق ضرائب النشاط التجاري والصناعي، المدرج تحت ضرائب الأشخاص الطبيعية، بقيمة 23.6 مليار جنيه، وضرائب النشاط المهني، 1.7 مليار جنيه، ويكاد يقارب نصف حجم ما تقتطعه من أرباح الشركات، المدرجة تحت ضرائب الشخصيات الاعتبارية في الموازنة، والتي تصل قيمتها إلى حوالي 65 مليار جنيه.

ومن المعروف أن المساهمة الكبيرة لضريبة المرتبات في الموازنة تعود إلى أنها سهلة التحصيل من مصلحة الضرائب لأنها تخصم من المنبع بينهما يتحايل المستثمرون الصغار للتهرب من الضرائب، وتستطيع الكيانات الاستثمارية العملاقة أن تخفف عن نفسها عبء الضرائب بشكل قانوني من خلال استغلال الثغرات التشريعية فيما يعرف بالتجنب الضريبي، أو بالضغط على الحكومة لإلغاء السياسات الضريبية المناصرة للعدالة الاجتماعية.

ومن آخر السياسات الضريبية المنحازة للفئات الأعلى دخلًا، كانت التعديلات التشريعية التي أقرها رئيس الجمهورية في أغسطس 2015، والتي ألغت الضريبة المؤقتة على الأثرياء، بحيث تصبح الضريبة موحدة عند نسبة 22.5% لكل من تتجاوز دخولهم السنوية مبلغ 200 ألف جنيه.

هكذا لا تكفي مقولات الأزمة وحدها لتفسير الإجراءات العنيفة التي تطبقها الدولة لتدفع بها قطاعات واسعة من الطبقة العاملة وحتى الطبقة الوسطى تحت خط الفقر، فالانحياز يلعب الدور الأكبر في فهم تلك الإجراءات. وما تردده أبواق السلطة من ضرورة تلك الإجراءات لمواجهة الأزمة، لا يعدو كونه خداع وتدليس، ففي ظل نفس الأزمة تراجعت الدولة عن تحصيل ضريبة الثروة والبورصة، وخفضت الحد الأقصى للضريبة على الدخل من 25% إلى 22.5%، ومنحت امتيازات غير محدودة للمستثمرين في القرارات التي أصدرها المجلس الأعلى للاستثمار برئاسة السيسي في نوفمبر 2016 شملت منح أراضي بالمجان للمستثمرين، وإعفاءات ضريبية لفترات غير محدودة.

الأزمة التي تحدثت عنها الدولة تعاملت معها بطريقتين، واحدة موجهة للفقراء والكادحين والذين اعتبرتهم الدولة مصدرا للإيرادات فحملتهم ضرائب الاستهلاك لتملئ منها الخزانة العامة، وفي الوقت نفسه اعتبرتهم عبئ على المالية العامة للدولة فسمحت بالحد من فرص نمو الإنفاق الحقيقي على الأجور والصحة والتعليم والدعم، لتصبح الطبقات الفقيرة والوسطى تحت حصار الفقر الشامل. والجانب الآخر من مواجهة الأزمة الذي اعتمدته الدولة هو تقديم كافة المزايا والتسهيلات للمستثمرين وتخفف عن رأس المال أي مسؤولية اجتماعية، لتصبح مصر جنة للمستثمرين وجحيمًا للأجراء.

إن فهم انحيازات الدولة هو الخطوة الأولى لمواجهة عواصف الإفقار التي تطلقها السلطة كل يوم على القطاعات الأوسع من السكان. فما يحاوله خبراء السلطة والمعارضة الانتهازية من وضع مسائل حسابية عن عجز الموازنة وحجم الإنفاق والإيرادات ليست سوى محاولة فاشلة للفت الانتباه عن الأزمة الأكبر وهي انحياز الدولة الطبقي وعداءها للفقراء. فهم هذه الأزمة بالذات هو ما يفتح الطريق للبحث الجاد عن حلول لمواجهة الأزمة ليس في المسائل الحسابية ولكن في التحالفات الاجتماعية والنفابية والسياسية التي تجمع الكادحين والفقراء في خندق واحد في مواجهة سياسات الإفقار.

التعليقات