بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – 11 يوليو 2018

رؤيتنا

“ايه آخرتها مع الظباط؟”
كان سيد حجاب أحد أهم شعراء العامية في مصر وقد اشتهر كمؤلف كلمات أغاني المسلسلات التلفزيونية الأشهر (أرابيسك، وليالي الحلمية، وبوابة الحلواني، إلخ). واشتهر أيضًا في أعوامه الأخيرة قبل وفاته في يناير ٢٠١٧ باعتباره أحد أهم المثقفين المؤيدين لانقلاب عبد الفتاح السيسي في ٢٠١٣ وعضو هام في لجنة دستور الانقلاب، بل وكاتب ديباجة الدستور الجديد. ولكنه لم يكن دائمًا من مؤيدي العسكر، ففي نهاية الستينيات ألَّفَ كلمات أغنية للشيخ إمام بعنوان “حطة يا بطة” فيها انتقادٌ لاذع لحكم العسكر في ذلك الزمان بها جمل مثل: “حاكم بابا شغلته ظابط، ظابط هابط، شابط لابط، راقع خابط، نازل شافط، طالع لاهط، عمره ما فكَّر فكرة وصابت”. وينهيها بتساؤل: “ايه آخرتها مع الضباط؟ بيروقراط على تكنوقراط؟”.

خمسون عامًا بعد تلك القصيدة ونحن نسأل من جديد: ايه آخرتها مع الضباط؟ ففي أيامنا هذه لا يمر أسبوعٌ دون أخبار عن قانونٍ جديد لصالح الضباط أو مجال اقتصادي أو اجتماعي جديد يُؤمَّم لصالح الجيش والأجهزة الأمنية. بل أذهلنا البرلمان المصري الأسبوع الماضي بقانونٍ جديد يجعل من كبار الضباط (الذين يرضى عنهم رئيس الجمهورية) أرستوقراطيةً جديدة لا يمسَّها القضاء وتتمتَّع بكافة مزايا السفراء والوزراء مدى الحياة! هذا قانونٌ يوافق عليه أعضاء برلمان يُفتَرَض نظريًا أنه منتخب ديمقراطيًا. ولكننا نعرف بالطبع أن البرلمان المصري لا ينتخبه الشعب بل تُعيِّنه نفس تلك الأرستوقراطية العسكرية الأمنية.

في أيام مبارك كان هناك “حزبٌ” حاكم فاسد ومتداخل مع الأجهزة الحكومية والأمنية و “حزب” معارض/مهادن متمثل في الإخوان المسلمين وبعض الأحزاب والحركات الهامشية. أما في أيامنا هذه، فقد عدنا لنموذج الاتحاد الاشتراكي في عصر عبد الناصر (بدون شعار الاشتراكية بالطبع). هذا النموذج لا أحزاب فيه، لا حاكمة ولا معارضة، ولا تجري ترقية أو تعيين أو ترشيح لبرلمان أو نقابة أو مجلس إدارة دون قرار وموافقة من الأجهزة الأمنية التابعة للأرستوقراطية العسكرية والمُختارة بدورها من قِبَلِ “الزعيم المُلهِم” رئيس الجمهورية.

هذا الواقع المأساوي أخذ منحى كوميدي أيضًا خلال الأسبوع الماضي حين تصوَّرَ مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلان، أنه أحد “رجال الرئيس” وليس مجرد خادم عابر وتجاوز حدوده بحظر النشر في فضيحة تبرعات مستشفى. فعلى الفور حُوِّلَ لنيابة أمن الدولة وأُلغِيَ حظر النشر المُزوَّر، وصدر حظر نشر جديد في قضية التحقيق مع مكرم محمد أحمد!

نعيش اليوم في ظلِّ منظومةٍ تتضمَّن أسوأ ما في التجربة الناصرية وأسوأ ما في التجربة المباركية. فالاستبداد وتأميم السياسة وسيطرة الأجهزة الأمنية والإعلام المُوجَّه ودولة الخوف والمخبرين، منقولة من النموذج الناصري. أما التقشُّف وإلغاء الدعم والخصخصة والإفقار والتشريد فهي كلها استمرار وتكثيف لنموذج مبارك وعصابته.

ما يؤكِّده التاريخ هو أن مثل هذه التوليفة من الرأسمالية التقشُّفية والديكتاتورية العسكرية شبه المُطلَقة غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل. ولكن ما يؤكِّده التاريخ أيضًا هو أن مثل هذه الأنظمة لا تسقط من تلقاء نفسها. فالتخلص منها يستدعي نضالًا طويلًا وشاقًا من أجل إعادة كسب المساحات الديمقراطية من جديد ومن أجل مناهضة الليبرالية الجديدة والدفاع عن معيشة وحياة الغالبية من المصريين وحقهم في السكن والعلاج والتعليم والعمل والأجور التي تُمكِّنهم من عيش حياة كريمة.

لنبدأ معًا في شقِّ هذا الطريق الطويل لتجاوز محنة حكم الرأسمالية والجنرالات.

حكومات العالم والإنسانية الانتقائية.. من أطفال تايلاند إلى أطفال المهاجرين
أخيرًا تمكَّنَت فرق الإنقاذ في تايلاند من إخراج فريق الكرة الأطفال ومُدرِّبهم من داخل الكهوف حيث كانوا قد فُقِدوا منذ أسبوعين. على المستوى الإنساني شاهدنا ما يشبه المعجزة: مجموعة ضخمة من الغواصين المحترفين وخبراء الكهوف من مختلف أنحاء العالم يتعاونون أولًا لاكتشاف مكان الأطفال وسط عشرات الأميال من الكهوف والتي امتلأ أغلبها بمياه الأمطار الغزيرة، وثانيًا لإخراج الأطفال سالمين رغم الصعوبات التقنية والعملية لذلك.

إعلام العالم، خاصة الغربي، غطى هذه القصة الإنسانية تغطيةً مستمرة كالخبر الرئيسي في الأخبار. وبالطبع يبدو ذلك الاهتمام بديهيًا، فمَن مِنَّا لم يهتم بهؤلاء الأطفال وتمنَّى أن تنتهي معاناتهم تحت الأرض نهايةً سعيدة؟ ومَن مِنَّا لم يتنفس الصعداء حين تم إنقاذهم؟

ولكن ما يثير الحزن حقًا هو ذلك التناقض الصارخ بين التغطية الاستثنائية لإنقاذ أطفال الكهف في تايلاند وذلك الاهتمام الكبير بحياة وصحة كل طفل منهم من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم الاكتراث وتجاهل وفاة المئات من الأطفال الأفارقة والعرب في البحر المتوسط.

لم نر حكومات وأجهزة إعلام العالم تتكاتف لإنقاذ هؤلاء الأطفال. لم نر مئات الغواصين والسباحين المحترفين من مختلف أنحاء العالم يتسابقون لإنقاذ المهاجرين الذين يغرقون كل يومٍ برجالهم ونسائهم وأطفالهم في البحر وهم يحاولون الهروب من جحيم الحروب والفقر في بلدانهم. لم نر تلك المناقشات بين الخبراء في الإعلام حول كيفية استخدام التكنولوجيا والأدوات الحديثة لإنقاذ هؤلاء من الغرق، أو لإنقاذ سفنهم قبل أن تبدأ في الامتلاء بالماء.

رأينا في تايلاند عالمًا يتكاتف بحكوماته وإعلامه ويتعاون لإنقاذ أطفال من الخطر، ورأينا ونرى كلَّ يوم حكومات وإعلام أغنى دول العالم يتجاهلون موت موجات متتالية من البشر، بل يساهمون في قتل هؤلاء بسياساتهم ومواقفهم العنصرية المعادية للمهاجرين.

بريطانيا والخروج من الاتحاد الأوروبي.. دفعة جديدة لليسار؟
حكومة المحافظين في بريطانيا في أزمةٍ غير مسبوقة. هناك انقسامٌ داخل حزب المحافظين بين المؤيدين للخروج الكامل من الاتحاد الأوروبي وبين المؤيدين للبقاء بدرجةٍ أو بأخرى على الأقل في السوق الأوروبية المشتركة. هذا الانقسام قد صعد إلى السطح مُجدَّدًا مع استقالة وزير الخارجية ووزير مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي.

منذ الاستفتاء حول البقاء أو الخروج من الاتحاد في ٢٠١٦، والتي صوَّتَت فيه الأغلبية للخروج، وهناك أزمةٌ متفاقمة في الساحة السياسية في بريطانيا. اليمين الوسط (القيادة التقليدية للمحافظين) واليسار الوسط (القيادة التقليدية لحزب العمال منذ توني بلير) يشهدون انهيارًا في الشعبية والنفوذ، في حين يشهد أقصى يمين المحافظين وأقصى يسار حزب العمال صعودًا كبيرًا في التأثير والجماهيرية.

وبالنسبة لقضية الاتحاد الأوروبي، فالمسألة بها الكثير من التعقيدات. فمشروع الاتحاد الأوروبي قائمٌ على الليبرالية الجديدة والسياسات التقشُّفية شبه الدائمة. هناك قطاعٌ كبيرٌ من الطبقة العاملة البريطانية صوَّتَ ضد البقاء في الاتحاد لهذا السبب. ولكن هناك قطاعٌ صوَّتَ ضد البقاء تحت تأثير الدعاية الشعبوية اليمينية المناهضة للمهاجرين وخاصة المسلمين. أما المؤيدون للبقاء، فكثيرٌ من هؤلاء من الطبقة الوسطى والمهنيين الأكثر استفادة بحرية التنقُّل والعمل بين مختلف الدول الأوروبية.

الأزمة الحالية في السياسة البريطانية تفتح المجال لوصول حزب العمال بقيادة جريمي كوربن إلى السلطة. وبرنامج جريمي كوربن إنما هو برنامج يساري معادٍ لليبرالية الجديدة، ويدعو لإعادة تأميم كثير من المؤسسات والخدمات، وعلى رأسها السكك الحديدية وشركات الطاقة، وعودة التعليم المجاني، ومضاعفة ميزانية الصحة.

وصول كوربن إلى السلطة سيُشكِّل أول هجوم مُنظَّم ضد الليبرالية الجديدة في الدول الرأسمالية المُتقدِّمة. ونجاح مثل ذلك البرنامج سيعطي دفعة قوية لليسار المناهض لليبرالية الجديدة عالميًا. ولكن التحديات ليست سهلة. فاليمين سيستخدم كافة أسلحته من عنصرية، وإسلاموفوبيا، وبثٍّ للذعر في صفوف الطبقة الوسطى، ودفع الاستثمارات الرأسمالية للخروج من بريطانيا لإفشال كوربن وبرنامجه اليساري. فقط من خلال تعبئة جماهيرية واسعة النطاق للنقابات العمالية ولملايين الشباب المؤيدين لكوربن، فقط من خلال ذلك يمكن تحقيق النصر في مواجهة اليمين المُهيمِن منذ عقود.

التعليقات