بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

رؤيتنا (تقرير سياسي دوري تصدره حركة الاشتراكيين الثوريين) – 1 أغسطس 2018

رؤيتنا

السيسي وجولة جديدة من الأكاذيب
في العامين التاليين لانقلاب 2013 كانت جامعة القاهرة ساحةً لقتل وضرب واعتقال الطلاب المعارضين بأمر عبد الفتاح السيسي وحكومته “الانتقالية”. أما الأسبوع الماضي فقد تحوَّلَت نفس هذه الجامعة إلى ساحةٍ للحوار بين الرئيس و”شبابه” حول إنجازاته في فترته الأولى وحول خططه المستقبلية.

ولعل أول ملاحظة حول هذه الحوار من طرف واحد هو أن الرجل ليس لديه أي نية للاكتفاء بفترته الثانية، فكل مشاريعه الكبرى وعلى رأسها عاصمته الجديدة، لن تُنجَز المراحل الأولى منها إلا مع انتهاء فترته الثانية. لن يترك السيسي الرئاسة إلا مخلوعاً، فهو يتحدث وكأنه باني مصر الحديثة الذي سيحقق في عصره ما فشل فيه كل الرؤساء من قبله منذ الخمسينيات. وجنون العظمة هذا لا يتماشى مع فترتي رئاسة والتحول إلى رئيس سابق. السيسي يخطط لرئاسة لعقود إن لم يكن مدى الحياة. وهذا ما يفسر غضبه من هاشتاج “ارحل يا سيسي”. فهو لن يفهم أبداً كراهية غالبية الشعب له ولنظامه وسينظر دائماً لمظاهر تلك الكراهية كنتيجة لمؤامرات خارجية من “قوى الشر”. فالسيسي أقرب من حيث العقلية للعقيد القذافي منه لمبارك ولا شك أن آخر كلماته في لحظة خلعه ستكون “من أنتم؟”.

ولأن السيسي قائد انقلاب عسكري فهو دائم القلق على شرعية حكمه. فنجده يؤكد مرة أخرى أن الشعب هو الذي استدعاه للإطاحة بالإخوان وأن البديل كان سيكون الفوضى والحرب الأهلية و”النفق المظلم”. ولكنه أكَّدَ أيضاً أن الأزمة بدأت بثورة يناير 2011 وأنه (بحكم بصيرته وعبقريته) بدأ على الفور في العمل على إنقاذ الدولة (وقد أشار إلى أحد رجاله في القاعة – ضياء رشوان الذي يبدو أنه شارك معه مخاوفه وخططه في فبراير 2011).

وقد أكَّدَ أيضاً على امتنانه وولائه لدول الخليج التي موَّلَت انقلابه وأمدَّته بكمياتٍ هائلة من البترول والغاز والأموال بعد الانقلاب. فشيوخ الخليج بالفعل عنصر رئيسي من عناصر قوى الثورة المضادة في منطقتنا وليس فقط في مصر. وسيمولون ويدعمون كل هذه الديكتاتوريات العسكرية وسيقفون دائماً عقبة ليس فقط في طريق الثورة بل في طريق أي تطور ديمقراطي في المنطقة.

والملاحظة الثالثة حول حوار السيسي هو تأكيده على استمرار سياساته الاقتصادية الليبرالية الجديدة وأن المستقبل القريب سيشهد المزيد من زيادة الأسعار ورفع الدعم ومزيد من التقشف. وأن الشعب عليه التحمُّل والتضحية وحتى الجوع من أجل الوطن. من أجل مصر. وكأن مصر هذه كائنٌ منفصلٌ عن الشعب، وكأن تجويع وإفقار المواطن يصب في مصلحة الوطن الذي يعيش فيه!

ربما كان الأكثر استفزازاً في ما قاله السيسي وكرَّرَه كثيراً هو أن البلاد فقيرة وأنه لا يمكن زيادة الأجور حتى نخرج من عنق الزجاجة. ولكن عنق الزجاجة لم تمنع أن يكون هشام طلعت مصطفى حاضراً للمؤتمر وفي الصفوف الأولى بين رجال الدولة والجيش. وطلعت مصطفى هو ملياردير فاسد وقاتل، حتى بحكم القضاء الذي يتغنَّى السيسي بـ”شموخه” دائمًا، علاوة على كونه عضوًا قديمًا في الحزب الوطني ولجنة سياسات جمال مبارك قبل ثورة يناير. وقد جاء به السيسي من السجن ليعود كأحد أكبر رجال الأعمال في مصر وأحد شركاء السيسي في مشاريع العاصمة الجديدة. وهذا مجرد مثال واحد من الكثير، فنفس الذين كانوا ينهبون ثروات الشعب المصري في زمن مبارك قد أعيدوا إلى مواقعهم لاستكمال النهب وإن كان هذه المرة في شراكة مع المؤسسة العسكرية. نفس مصر الفقيرة هذه يمكنها إهدار المليارات لمضاعفة أرباح الطبقة الحاكمة ولكنها غير قادرة على زيادة أجور ودخول الفقراء!

وبينما كان مؤتمر السيسي منعقد في جامعة القاهرة، كان قضاؤه يصدر حكمًا بالموت بحق 75 من جماعة الإخوان المسلمين في قضية “فض رابعة”، المذبحة التي قُتِلَ فيها المئات على أقل تقدير، لازالت مستمرة لتعصف بحياة عشرات، واللافت أن قرار إحالة أوراق 75 للمفتي جاء قبل أسابيع قليلة من ذكرى المذبحة، التي ستبقى وصمة عار على جبين السيسي وانقلابه. لقد كانت مذبحة رابعة إرهابًا مُنظَّمًا لكل من يحاول معارضة نظام السيسي، واليوم يصدر الحكم بالإعدام استمرارًا لإرهاب كل من يحاول تعطيل مسيرة الديكتاتور وتعديله للدستور للبقاء في الحكم للأبد. ومثلما افتتحت مذبحة رابعة عصر مواجهة الاحتجاجات بالقمع والرصاص، سواء كان المحتجون معارضين أو عمالًا أو طلابًا، وحتى لو حملوا الورود، فإن أحكام الإعدام التي تصدر ليست سوى كشفٍ لما سيواجه من سيعارض السيسي في المستقبل القريب.

محاولة السيسي التحلي بروح دعابة سمجة عندما علَّق على رقصة “تحدي الكيكي” كشفت مدى لامبالاته بما يعانيه الفقراء، بتندُّره على رفع أسعار الوقود، ولكنه أيضًا كشف صراحةً أن أي استخدام للمجال العام خارج السيطرة المطلقة لسلطته لن يتسامح معها، حتى وإن لم تحمل أي ملمح معارض؛ الرقص مسموح به فقط أمام صناديق انتخابه من قبل المواطنين والمواطنات الشرفاء وعلى أناشيد تسلم الأيادي وبشرة خير، وفي حراسة الأمن.

هذه هي مصر السيسي إذن: الاستبداد والقمع للجميع بحجة الحرب على الإرهاب والإفقار للأغلبية بحجة الإصلاح والتنمية. هذا هو السيسي الذي يستعد لتغيير الدستور للبقاء في الحكم مدى الحياة! هذا هو التحدي الذي يواجه كل القوى الديمقراطية المعارضة. هل سنظل في حالة الشلل الحالية؟ أم نبدأ في تحويل هاشتاج “ارحل يا سيسي” من مجرد معارضة رمزية وفردية إلى حملة منظمة تجمع كل قوى المعارضة لتخليص “مصر” من هذا الكابوس؟

الرأسمالية وكارثة التغير المناخي
شهد الشهر الماضي عددًا من الظواهر المناخية التي أدت إلى كوارث على المستوى البشري. ففي لاوس، شرقي آسيا رأينا فيضانات غير مسبوقة بسبب غزارة الأمطار التي أدت إلى انهيار السدود وغرق العشرات وتشريد الآلاف. وفي اليابان وأوروبا الغربية تجاوزت درجة الحرارة ٤٠ درجة مئوية لأول مرة منذ عقود مسببة أيضاً وفاة عشرات من المسنين. ولكن الحدث الأكثر مأساوية كان الحرائق الضخمة في اليونان والتي راح ضحيتها ما يقارب المئة شخص، بعضهم حرقًا وبعضهم غرقًا بعد أن حاولوا النجاة بالنزول إلى البحر.

وللوهلة الأولى تبدو هذه الأحداث نتيجة لتطورات طبيعية، أو قضاء وقدر أو غضب من الله بالنسبة للمتدينين. ولكنه ليس كذلك على الإطلاق، لا في التغيرات المناخية المسببة لمثل هذه الكوارث ولا في القدرة البشرية على مواجهتها.

يتفق أغلب العلماء أن الكوكب يشهد تغيرًا مناخيًا وزيادةً طويلة المدى لدرجات الحرارة بسبب النشاط الصناعي والاستهلاكي للبشر. فقد دخلنا ما يسميه العلماء عصر الأنثروبوسين؛ أي عصر يتغيَّر فيه المناخ والبيئة على كوكب الأرض نتيجةً للفعل الإنساني.

والمشكلة ليست في الصناعة والاستهلاك في حد ذاتهما، بل في نمط الانتاج الرأسمالي الذي يحدد طبيعة واتجاه وسرعة تغيُّر تلك العوامل.

فالرأسمالية قائمة على التنافس بين الشركات والدول بحثًا عن الأرباح، وليس على التعاون الصناعي والزراعي لإنتاج الاحتياجات البشرية. هذا النظام التنافسي يعتمد على معدلات نمو دائمة ومتصاعدة. فأي توقف أو انكماش للنمو يعني الكساد والانهيار. هذا النمو التنافسي يعني كل عام المزيد من المصانع ومشاريع البنية التحتية والسلع بتنوُّعها من السلاح إلى السيارات ومن الألعاب إلى وسائل الاتصال. كل ذلك يعني بالضرورة زيادات متسارعة لإنتاج واستهلاك الطاقة (البترول ومشتقاته خلال القرنين الماضيين) واستخراج المعادن وبناء السدود الضخمة على الأنهار. يؤدي كل ذلك إلى ارتفاع درجات الحرارة ومختلف عناصر التغير المناخي الأخرى.

إن ما نشهده اليوم من حرائق في الغابات وفيضانات في الأنهار هو مجرد مؤشر بسيط لما سنشهده في الأعوام المقبلة إذا ما استمر النظام العالمي الرأسمالي كما هو. فمجرد ارتفاع درجتين في متوسط حرارة الأرض سيعني ذوبان ثلوج القطبين الشمالي والجنوبي وغرق أغلب المدن والمناطق الساحلية (بما فيها الإسكندرية والدلتا في مصر). ولا يبدو أن كبرى حكومات وشركات العالم تهتم بمثل تلك الأشياء. فحتى الاتفاقات المحدودة بين الحكومات للعمل على مواجهة التغيُّرات المناخية تُخرَق بسبب التنافس، بل أن الحكومة الأمريكية انسحبت من آخر تلك الاتفاقيات (اتفاقية باريس) العام الماضي.

وهناك جانبٌ آخر من الكوارث المناخية الحالية لا يقل إجرامًا عن الاستمرار في سياساتٍ تتسبَّب في التغير المناخي. فعلى سبيل المثال، تُطبِّق حكومة اليونان برنامجًا اقتصاديًا نيوليبرالي بإشرافٍ من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي. يقوم هذا البرنامج على مزيج من التقشُّف والخصخصة وتخفيض النفقات الحكومية. وقد شملت تلك التخفيضات تقليص عدد رجال ونساء الإطفاء وتقليص عدد سيارات الإطفاء وطائرات الطوارئ والإسعاف. وقد لعبت تلك السياسات دوراً مباشراً في ارتفاع عدد الضحايا والمصابين. ولا تبدو مصر بعيدة عن تلك السياسات مع تزايد معدل الحرائق على نحو ملحوظ، وسط إهمال إجراءات الأمن والوقاية والحماية من الحرائق والحوادث.

رأينا فقراء اليونان يخسرون وظائفهم وأجورهم ومساكنهم بفعل سياسات التقشُّف الرأسمالية، ثم يموتون في الحرائق لأن نفس تلك السياسات قد “وفرت” في ميزانيات الإطفاء والإسعاف.

إذن فالرأسمالية لا تتسبَّب فقط في التغيُّر المناخي والكوارث الناجمة عنه، بل تحرمنا أيضًا من الوسائل الضرورية لمواجهة تلك الكوارث والنجاة منها.

قضية التغيُّر المناخي قضية حياة أو موت بالنسبة لمستقبل البشرية. ولا توجد وسيلة لوقف هذه العملية في ظل النظام الرأسمالي العالمي. لعل هذه من أكثر الحقائق المحفزة للعمل على تجاوز الرأسمالية وبناء بديل اشتراكي يحافظ على الحياة على كوكب الأرض.

   

التعليقات