بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هل يمكن أن تتكرر التجربة الناصرية؟

عبد الناصر

تدور الآن آلة الإعلام الحكومي بعد الموجة الشعبية في يوم 30 يونيو، في تضخيم الدور الذي قام به الفريق السيسي والجيش في التخلص من حكم الإخوان، وتصويره على أنه انتصار لإرادة المؤسسة العسكرية ضد الإملاءات الأمريكية التي ساندت سلطة الإخوان. وتستمد المؤسسة العسكرية في ذلك نفس خطاب القوى القومية الناصرية، التي تحاول تصدير صورة السيسي باعتباره ناصرا جديدا، يقدم توازنات جديدة للواقع السياسي الإستراتيجي، في ظل توهم أن هناك قوى عالمية صاعدة تقوض الهيمنة الأمريكية والأوروبية، ممثلة في روسيا والصين، والتي تعتبر جميعها وجها واحدا للإمبريالية التي تعيد تقسيم العالم وتوزيعه طبقا للتغيرات الجديدة في التوازنات  الدولية.

وتغازل هذه الرؤية  أحلام الجماهير، التي تبحث عن بطل منقذ، وتحاول التغطية على الجوهر الاستغلالي والقمعي الذي تمارسه سلطة العسكر وقواعد نظام مبارك المستمرة في احتكار مفاصل الدولة، وقيام الجيش بالانقلاب على موجة 30 يونيو الشعبية الهائلة في يوم 3 يوليو، وإعلان خارطة الطريق التي تعتبر ثورة مضادة، وتشكيله لحكومة حازم الببلاوي المتبنية لسياسات الليبرالية الجديدة التي ستزيد إفقار الشعب.

ونحاول هنا رصد الملامح الرئيسية لتاريخ التجربة الناصرية، وقراءة  تحليلية لما قدمته، ثم انهيار نموذج رأسمالية الدولة الناصري أمام التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

كيف ظهر عبد الناصر والضباط الأحرار؟
نشأ تنظيم الضباط الأحرار تقريبا منذ بداية الأربعينات من أوساط الطبقة البرجوازية الصغيرة. وجاءت نشأة التنظيم لتعكس طبيعة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتفجر في البلاد، والتي زادت سوءا بعد الحرب العالمية الأولى وازدادت حدة بعد الحرب العالمية الثانية.

أولا: المستوى السياسي، حيث تقع السلطة الفعلية في يد الاحتلال الإنجليزي؛ ولم يكن الملك يمثل سوى رمانة الميزان التي تضبط التوازن بين تطور القوى المعارضة للسلطة الملكية،  وبين سيطرة الحكم الإنجليزي. وحيث استمد الملك سلطاته عبر دستور 1923 الذي مثل شرعية النظام الليبرالي، ولكنه يكرس للاستبداد السياسي ويحمى فساد الطبقة الحاكمة، ويمنح الملك حق حل البرلمانات المنتخبة. وبالتالي كانت اللعبة الديمقراطية تدور في هذا الإطار بين أحزاب تعمل وفق الرؤية  الليبرالية، وأهمها حزب الوفد، وتتبنى سياسات منحازة كليا لمصالح كبار الملاك الإقطاعيين والرأسماليين والشركات الأجنبية التابعة للاحتلال.

ثانيا: على المستوى الاقتصادي، نشأت الرأسمالية المصرية وتطورت عبر أصول زراعية وليست تجارية وصناعية. وانعكس هذا على طبيعة الأوضاع الطبقية للمجتمع فيما قبل العهد الناصري، حيث كانت الطبقة الإقطاعية تمتلك أدوات الإنتاج الرئيسية وهي الأرض، واستثمرت جزءا محدودا من فوائضها في المجال الصناعي. وكانت البرجوازية المصرية آنذاك تقع في منافسة صعبة مع طبقة رأسمالية محلية مكونة من الجاليات الأجنبية المتمصرة التي كانت تابعة بشكل مباشر لمصالح الرأسمالية العالمية ولسلطة الاحتلال الإنجليزي.

وينطبق على النظام الاقتصادي والاجتماعي المصري في تلك الحقبة مفهوم الثوري الروسي ليون تروتسكي “التطور المركب واللامتكافئ”. فعلى جانب حدث توسع نسبي في الإنتاج الصناعي إلى حوالي 15% من الإنتاج الاقتصادي. وتوسعت البرجوازية الصغيرة – من “موظفي الجهاز البيروقراطي المصري، والمدرسين والأطباء والمحامين، إضافة  للبرجوازية الصغيرة صاحبة المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة، وأصحاب الملكيات الزراعية الصغيرة، والتجار، وغيرهم من فئات الطبقة الوسطى” –  منذ عصر محمد علي حتى قيام ثورة يوليو من 10% إلى 20% عبر توسع النظام البيروقراطي للدولة. مع وجود طبقة عاملة ساحقة من العمال الزراعيين والفلاحين المعدمين، وأيضا تبلورت طبقة عاملة صناعية احتلت نسبتها 10% من مجمل الطبقة العاملة المصرية.

وعلى الجانب الآخر امتلكت الطبقة الرأسمالية الاحتكارية – ونسبتها حوالي 1% فقط من السكان – معظم وسائل الإنتاج الاقتصادي. ومن هنا يبرز عمق الأزمة الاجتماعية الحادة والتفاوت الطبقي الرهيب نتيجة سيطرة السياسات الرأسمالية الاحتكارية.

ثالثا: تأزم الأوضاع الاجتماعية مع فشل كل سياسات الأحزاب الليبرالية – وبالأساس الوفد ذو الأصول الإقطاعية في تحسين أوضاع الجماهير الفقيرة. فرغم أن الوفد اكتسب شعبيته عبر مقاومته للاحتلال الإنجليزي ولكنه فشل – بسبب انحيازاته الطبقية – في القيام بالتغيير الجذري لكي يمتص الأزمة الاجتماعية مثل الإصلاح الزراعي ولو كان محدودا ومنع احتكارات الاقتصاد، وتلبية حقوق الطبقة العاملة الصناعية، وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي يضمن مشاركة فعالة للجماهير المصرية.

كما فشل تنظيم الإخوان المسلمين – أهم قوى المعارضة آنذاك والذي تشكلت قواعده بالأساس من فئات الطبقة الوسطى من المدرسين والأطباء والموظفين والضباط – في بناء بديل لخيانات الوفد. فلقد أدت سياسته الانتهازية، ولعبه على حبل التفاوضات والتوازنات مع النظام السياسي للملك والأحزاب الحاكمة، وانحيازاته مثل الوفد لمصالح النظام الرأسمالي والإقطاعي، إلى فشله في القيام بثورة تطيح بحكم الملكية وتجبر الإنجليز على الجلاء عن مصر.

لماذا استقبل المصريون عبد الناصر كمخلص؟
أول الأسباب كان  الدور الحاسم الذي قام به تنظيم الضباط الأحرار في القيام بثورة يوليو  1952عبر الإطاحة  بالملك، وعبر المبادئ الست الشهيرة وهي: القضاء على الاستعمار وأعوانه، والقضاء على الإقطاع، والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال، وإقامة عدالة اجتماعية، وإقامة جيش وطني قوى، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة.

وقد بدأت سياسة عبد الناصر بحل الأحزاب والقضاء على الحياة الحزبية باعتبارها من ألعاب النظام الملكي البائد وتكريسها للفساد والاستبداد. وكان السبب الرئيسي لذلك هو رغبة عبد الناصر في القضاء على كبار الإقطاعيين ونفوذ حزب الوفد، تمهيدا لتنفيذ مشروع الإصلاح الزراعي والذي كان مقدمة لتوسع شعبيته وتقبله لدى أوساط الفلاحين والطبقة الوسطى المصرية. ثم عقب ذلك بتأميمه لقناة السويس وإدارته السياسية الفذة ضد الغرب المعتدي في حرب 56 وهو ما ساهم في تعزيز شعبيته وزعامته.

وقد أدى تطور النظام الاقتصادي علي نهاية الخمسينات في اتجاه “رأسمالية الدولة” – حيث تحتكر الدولة أدوات الإنتاج وتقوم هي بإدارة عملية الإنتاج الاقتصادي عبر استغلال مكثف للطبقة العاملة واستغلال فائض الزراعة في تمويل المشروعات الصناعية لدفع عملية التراكم الرأسمالي – إلى توسع نظام التعليم، وبناء قطاع عام عبر تأميم الشركات والمصانع الكبرى والبنوك وشركات التأمين وغيرها.

واستوعب القطاع العام الجديد قدرا كبيرا من العمالة وانخفضت نسب البطالة، واتسع نمو الطبقة الوسطى وتم دمجها في النظام البيروقراطي للدولة. ونتج عن سياسات ناصر في التنمية الصناعية وإقامة المشاريع الوطنية كالسد العالي، ووقوفه ضد الإمبريالية الأمريكية والأوروبية و دعمه لحركات التحرر الوطني في أفريقيا والدول العربية. وكل هذه الخطوات كانت سببا في تعميق نزعة المشروع القومي العربي نشوء الشخصية الكاريزمية لعبد الناصر كبطل قومي في مصر والعالم العربي والعالم الثالث بشكل عام.

وكانت الإصلاحات الإجتماعية والإقتصادية التي قام بها ناصر سببا رئيسيا في تماسك نظامه السياسي القمعي، وتغاضي معظم الشعب المصري عن اعتقال وتعذيب الإخوان والشيوعيين وسحق المعارضة السياسية للنظام، وقضاء ناصر على أي استقلالية للحركات النقابية العمالية والمهنية وتأميمه لها ودمجها في سياسات النظام الاقتصادي للدولة، وقمعه للإضرابات، وتوغل سيطرة النظام على مجمل الحياة السياسية.

رأسمالية الدولة في النموذج الناصري وحدود تجربة عبد الناصر
قد تشكلت الدولة الناصرية في ظل حالة عالمية من انتشار نمط رأسمالية الدولة في دول أوروبا الشرقية ودول العالم الثالث الحديثة الاستقلال وذلك لعدة أسباب رئيسية:

1- اعتمد النظام الرأسمالي العالمي في عملية التراكم الرأسمالي الصناعي منذ 1800 وحتى 1945 على استنزاف ثروات وموارد الدول الفقيرة والمتخلفة. وأدى التطور المركب و اللامتكافئ إلى خلق بؤر ومراكز إنتاج رأسمالي في الدول المتخلفة، مما أدى لتكون طبقات برجوازية محلية تابعة تماما لسياسات الغرب، ونظما حاكمة تحمى مصالحها.

وأدت الازمة الرأسمالية الكبرى في الثلاثينات وحتى الحرب العالمية الثانية إلى سقوط نظام الرأسمالية القائم على التحرر الكامل للأسواق، وبرز محله النموذج الكينزي *Keynesianism المعتمد على استخدام حجم الفائض الرهيب المستنزف من الطبقات العاملة المحلية والمستعمرات في بناء دولة الرفاه في الغرب، وزيادة حجم وقوة الشركات المتعددة الجنسيات التي باشرت نفوذها في السوق العالمي عبر سياسات النظام المالي العالمي الجديد، ممثلا في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

2- كانت الطبقة البرجوازية  في مصر ذات جذور اقطاعية، وبالتالي كان معظم استثمارها مركزا في الجانب الزراعي وليس الصناعي الإنتاجي، مما أضعف نمو البرجوازية الصناعية المصرية، وأدى لفشل عملية التراكم الرأسمالي.

وكما يشرح محمود متولي في “الأصول التاريخية للرأسمالية المصرية وتطورها”:

“كانت البرجوازية المصرية ما قبل ثورة 1952 فاشلة في الدفع بعملية التراكم الرأسمالي، حيث سيطرة القطاع الخاص والشركات الاحتكارية وهيمنة الإقطاع على مجمل وسائل الإنتاج، وحيث كانت الصناعة تعتمد بنسبة 94% على المصانع الصغيرة جدا التي لا يتجاوز عدد عمالها 10 أشخاص، مما أضعف كثيرا من نمو السوق الداخلي وعدم القدرة على تحقيق مستوى مرتفع من الإدخارات؛ مع سيطرة الصناعات الاستهلاكية والعقارات والإستثمار الزراعي على انتاج معظم الطبقة الرأسمالية مما أضعف كثيرا من نمو الانتاج الصناعي، بالإضافة إلى سيطرة الشركات الاحتكارية الأجنبية والمحلية على التجارة الخارجية وتجارة الجملة في سلع الخضار والفواكه داخليا”.

“وخلق هذا الوضع تفاوتا طبقيا كبيرا وكان كارثة بالنسبة للبرجوازية الصغيرة الذي يهدد تطورها وطموحاتها في النمو الاقتصادي وغياب دورها في المشاركة في السلطة”.

3- بروز الإحتلال الإنجليزي كعامل حاسم في منع تكون برجوازية محلية متسعة ومستقلة، وبالتالى كان لا بد من إزاحته تمهيدا لتكوين دولة جديدة تدفع في اتجاه استثمار فائض الإنتاج الزراعى لدعم النشاط الصناعي، عبر احتكار وسائل الإنتاج والقيام بمهام المشاريع الكبرى والبنية التحتية.

في البداية حاولت الدولة الناصرية الشابة تشجيع القطاع الخاص ودعوة الإستثمارات الأجنبية لتحقيق النمو الصناعي. ففي 1953  صدر قانون جديد للتعدين والمناجم يراجع القانون السابق لعام 1947 ويسمح لرأس المال الأجنبي للدخول في التنقيب عن البترول؛ وفي عام 1954 صدر قانون 26 لتسهيل شروط الاستثمار الأجنبي، وسمح القانون بحرية خروج الأرباح إلى الخارج وسمح بأن يكون نصيب رأس المال الأجنبي من رأس مال الشركات 51% بدلا من 49% المسموح بها في القانون السابق. كما أصدر النظام قانون 430 لسنة 1953 وقانون 25 لسنة 1954، اللذان مدّا الإجازة الضريبية إلى 7 سنوات للمشاريع الصناعية الجديدة، وإلى 5 سنوات للمشاريع القائمة التي تحقق توسعا في رأس المال.

وكان الإصلاح الزراعي لا يهدف إلى القضاء تماما على الطبقة الإقطاعية، ولكن يهدف فقط الى إعادة توزيع الأرض على الفلاحين الصغار بهدف:

–  توسيع حجم الطبقة الوسطى كقاعدة شعبية للنظام

–  استغلال الفائض من الزراعة – عبر احتكار الدولة لشراء المحاصيل الرئيسية مثل القطن وسيطرتها على أنظمة الري وتوزيع المدخلات الزراعية من البذور والأسمدة وغيرها وبناء التعاونيات الزراعية – للتحكم في فائض الأرباح، وإجبار طبقة كبار الملاك إلى التحول للإستثمار في الإنتاج الرأسمالي الصناعي.

ولكن، مع فشل القطاع الخاص في القيام بهذا الدور اضطرت الدولة الى اجراءات التأميم وضم ممتلكات الطبقات البرجوازية والبنوك والمصارف وغير ذلك، مما ادى لتضخم القطاع العام وسيطرة الدولة على مجمل الإنتاج الصناعي الثقيل.

وبدأ النظام في تنفيذ الخطط الخمسية بداية من 1961 لدعم سياسة إحلال الواردات وتنمية صناعية مستقلة. ولكن في النهاية فشلت التجربة بسبب عدم قدرة النظام على تحقيق مستوى عالي من المدخرات المحلية الممولة للنشاط الصناعي والإستثماري للدولة، وبالتالي عدم القدرة على انشاء سوق محلي كبير يستوعب الإنتاج وتنمية سوق عالمية للتصدير.

وأدى انهيار التجربة الاقتصادية الى عجز كبير في الميزان التجاري، وإجراءات تقشف ضد أغلبية الطبقات الفقيرة والوسطى، والإستدانة من صندوق النقد الدولي بقرض قيمته 200 مليون دولار، وأخيرا جاء السقوط المريع للتجربة الناصرية بعد هزيمة يونيو 1967.

معاناة الطبقة العاملة تحت قمع النظام الناصري
جاء إعدام قيادي الإضراب العمالي خميس والبقري في كفر الدوار ثم فض اضراب عمال نسيج إمبابة بالدبابات مباشرة بعد يوليو 1952 كمقدمة لضرب النظام الناصري للطبقة العاملة وتكثيف استغلالها من أجل تنفيذ مشروعه التنموي. وتظهر معاناة الطبقة العاملة وتدمير دورها الحقيقي في المجتمع أو أي مشاركة في إدارة وسائل الانتاج لصالح  الجماهير من خلال:

1- تأميم الحياة النقابية العمالية وسيطرة جهاز الدولة على كل منظمات الطبقة العاملة منذ 1957 وتولى أعضاء الطبقة الحاكمة – من أهل الثقة – لكل المناصب القيادية في هذه المنظمات. وبالتالي فقدت النقابات العمالية دورها الحقيقي في تحقيق مطالب العمال وحقوقهم ودورهم في تشكيل سياسات الدولة بما يحقق إعادة توزيع الثروة وبناء مجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية.

2- أفقد اعتقال كل كوادر الحركة الشيوعية المصرية في 1959، ومعهم قيادات وكوادر الحركات العمالية المنظمة، الحركة العمالية جزءا مهما من قواعدها النضالية على الأرض.

ونجح النظام في استئناس القيادات اليسارية والشيوعية بسبب اعتقادها الواهم ان النظام يحقق بالفعل أهداف ومطالب الحركة الاشتراكية وأنه يمثل مرحلة ضرورية في اتجاه بناء سلطة شعبية للعمال،

وهمش ذلك من دور العمال في مقاومة استغلال وقمع النظام الناصري.

3- القضاء على فرص التمثيل الحقيقي للعمال في مجالس إدارات شركات القطاع العام حيث لم تتحقق أغلبية للعمال في مجالس الإدارة وحيث تم تزييف الفرق بين العامل الذي يعمل بأجر وبين موظف الدولة في التعريف القانوني للعامل؛ وبالتالي أحكمت بيروقراطية النظام الحاكم السيطرة على إدارات القطاع العام، ونهبت فائض الأرباح تاركة الفتات للعمال.

4-  سيطرة الدولة على رسم وتحديد كل سياسات التشغيل وكيفية إدارة وسائل الإنتاج وتحديد أجور العمال ونسبهم من الأرباح، وقضائها على التنظيمات السياسية للعمال وحقهم في الإضراب، ويظهر هنا العمق الحقيقي للأسلوب الرأسمالي في إدارة الطبقة الحاكمة لاقتصاد الدولة حيث لم تمتلك هذه الطبقة أي رؤية تسعى لتلبية الإحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للجماهير والعمل على تنمية حقيقية للمجتمع وتحقيق المساواة، بل كانت كل سياسات النظام الناصري تتفق تماما مع سياسات كل الأنظمة الرأسمالية التي تسعى لتحقيق مصالح الطبقة الحاكمة وإدارة موارد الدولة لصالحها.

وبالتأكيد كان من الأسباب الحقيقية لسقوط نموذج رأسمالية الدولة، إضافة لما سبق، هو اعتماد سلطة العسكر على إجراء التغييرات التي فرضت من أعلى، وليس من خلال تعبئة الجماهير أو تشجيع حراك اجتماعي طبيعي للصراع الطبقي في مصر. أدت سياسات العسكر الى القضاء على الديمقراطية الاجتماعية والسياسية، ومضاعفة الإستبداد السياسي، وفرض القمع ضد الحركات والتنظيمات العمالية.

هل المؤسسة العسكرية الآن بقيادة السيسي هي نفسها جيش عبد الناصر؟
اعتمد المشروع الناصري في بقائه على حالة التوازن الدولي خلال الحرب الباردة في الخمسينات والستينات – وجود قوى كبرى متصارعة بين النموذج الرأسمالي الغربي بقيادة أمريكا وبين النموذج الشيوعي الستاليني “رأسمالية الدولة ” في الاتحاد السوفييتي. وكانت مؤسسة ناصر العسكرية تعتمد في تسليحها وتمويل قروضها على الإمبريالية السوفييتية، التي كانت مساندة أحيانا حسب مصالحها لتحرر دول العالم الثالث من الاستعمار الغربي.

وبالرغم من أن القوتين العظميين  آنذاك كانتا  تسيران بنفس آليات التراكم الرأسمالي، وهي نفس السياسات المستغلة للطبقات العاملة والكادحة وتحويلهم الى ماكينات للانتاج فقط ،إلا أن مؤسسة ناصر العسكرية كانت معادية للاستعمار (الغربي) فقط “في إطار التنافس بين البرجوازيات القومية” من أجل خلق تنمية صناعية واقتصادية مستقلة نسبيا.

وتبنى ناصر “القومية العربية” باعتبارها أداة حماية لمشروعه في إحداث تنمية مستقلة، وحائط صد ضد محاولات اختراق الامبريالية الغربية والأنظمة العربية التابعة لها لنظام دولته ومشروعه “القومي” للعب دور سيادي في المنطقة العربية.

قدمت الناصرية قبل هزيمة 1967 اصلاحات اجتماعية هامة لجزء كبير من المجتمع، وطبقت سياسات الدعم وعممت مظلة واسعة من التأمين الاجتماعي. وهذا ما عمق من شعبية ناصر، وجعل الشعب يتغاضى عن استبداد الدولة، وانعدام الحياة الديمقراطية

ولكن يختلف الآن وضع المؤسسة العسكرية بقيادة السيسي تماما عن جيش عبد الناصر. بدأ التحول الجذري في وضع الجيش بعد حرب أكتوبر 73 نتيجة للنمو الاحتكاري لطبقة الحكم العسكرية وذلك من خلال سماح السادات لقيادات الجيش بإنشاء جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع سنة 1979.

منح هذا المشروع قيادات الجيش سلطات واسعة سمحت لهم بالتدخل مباشرة في الاقتصاد كلاعب ومنافس قوى يحتكر جزءا كبيرا من أدوات الإنتاج والمشروعات العامة للقطاع العام للدولة، وجاء نمو الدور الاستثماري للجيش في إطار دمج المؤسسة العسكرية في المشروع السياسي والاقتصادي للسادات: سياسات انفتاح وتبعية كاملة للغرب لجلب الإستثمارات الأجنبية وتدفق المعونات والقروض لإنقاذ النظام الرأسمالي في مصر من الإنهيار،  خضوع تام للمؤسسات المالية الدولية، وتنفيذ بنود إتفاقية كامب ديفيد من أجل حماية العدو الاسرائيلي.

هكذا تحولت المؤسسة العسكرية من مؤسسة عادت وحاربت اسرائيل أكثر من ثلاثة عقود إلى أكبر شريك في الدفاع عن النظام السياسي لدولة مبارك والانحياز لمصالح الإمبريالية الأمريكية والاسرائيلية.

والآن تتحكم المؤسسة العسكرية بنسبة  تتراوح من 15 إلى 30% من الإقتصاد، فيما يجعلها أكبر مؤسسة رأسمالية في مصر – مؤسسة  تسعى للحفاظ على امتيازاتها الخاصة ومصالح الدولة الرأسمالية ككل.

وتحتفظ المؤسسة العسكرية بموقعها هذا نتيجة تحالفها الكامل وتوافقها التام مع النظام الرأسمالي العالمي، وتبعيتها لكل السياسات المالية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المؤسسة على برامج المنظومة المالية العالمية من البنك الدولي وصندوق النقد والأمم المتحدة والمنظمة العالمية للتجارة، والحفاظ على كل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، خاصة كامب ديفيد واتفاقيات الكويز، وتتلقى الجنرالات مقابل خدماتهم مساعدات عسكرية بقيمة 1.3 مليار دولار من الولايات المتحدة.

يشرح كل ما سبق الدور المحوري لقيادات الجيش الآن باعتباره رأس الثورة المضادة في مصر، وتناقض مصالحهم كليا مع أهداف ومطالب الثورة الإجتماعية المصرية القائمة على أساس إعادة توزيع الثروة، والقضاء على الفساد، وإقامة ديمقراطية اجتماعية حقيقية.

السيسي ليس عبد الناصر
ومن خلال قراءتنا السابقة للتحولات الجذرية في سياسات المؤسسة العسكرية، نجد أن السيسي يمثل الآن محورا مركزيا في  حفظ مصالح النظام السياسي الرأسمالي، وذلك في وضع مشابه لمركزية دور مبارك في النظام القديم وحفظ توازناته. نجد، خاصة الآن في ظل اشتداد حدة الإستقطاب الإجتماعي العام الماضي، وتعمق أدوات الثورة وتطور وسائلها الاحتجاجية قبل سقوط مرسي، نجد الحاجة الشديدة عند رجال الأعمال للتكتل، وهرع الأحزاب السياسية البرجوازية، وكل مؤسسات الدولة، للإلتفاف حول رمز سياسى للسلطة، يكون هو محور الارتكاز الشديد، ويتم تصويره كبطل منقذ ومخلص للشعب من أزمته السياسية، والترويج المكثف لضرورة توحيد القوى الاجتماعية وتقوية الدور المركزي للدولة القومية في مواجهة “إرهاب الإخوان”.

ويتم تضخيم الدور البطولي للسيسي عبر صناعة محترفة تقوم بها ترسانة إعلامية ضخمة تابعة للنظام، تهدف مباشرة للتغطية على الجوهر الحقيقي للأزمة، وهو وجود حالة من الصراع الطبقي الشديد بين الطبقة الحاكمة المسيطرة والمحتكرة لكل مصادر الثروات ووسائل الإنتاج، في مقابل الأغلبية العظمى من الطبقة العاملة وملايين الفقراء.

وبالتالي فبينما مثل ناصر في الذهنية المصرية والعربية نموذجا للبطل القومي الذي قدم اصلاحات اجتماعية واقتصادية، وساهم في إقامة بنية صناعية حديثة، ونمو شعور جمعي بالكرامة الوطنية والتحرر الوطني، يأتي السيسي باعتباره نموذجا مضادا يقود نظاما سياسيا قمعيا، يسعى جاهدا لتصفية ثورة 25 يناير ومطالبها الأساسية من تحقيق العيش والعدالة الإجتماعية والحريات السياسية والكرامة الإنسانية.

انهيار نموذج رأسمالية الدولة وسقوط القومية
تعمل الليبرالية الجديدة في مصر والعالم الآن وفق مبادئ أساسية، هي التبني الكامل لسياسات السوق الحر؛ وإلغاء الدور الحمائي للدولة من فرض الضرائب والتعرفة الجمركية على السلع الواردة، وسيطرة القطاع الخاص على وسائل الإنتاج؛ وإلغاء دور الدولة في القيام بتلبية الاحتياجات الأساسية للشعب من دعم الصحة  والتعليم والإسكان والخدمات والمرافق العامة، وتحرير سعر الصرف للجنيه، والسجود للاستثمار الأجنبي غير المقيد.

وقد أدت هذه السياسات إلى انهيار نموذج الدول القومية “المستقلة” خاصة في العالم الثالث، وسقوط دولة الرفاه في الغرب، نتيجة اشتداد حدة الصراع الطبقي عبر سلسلة من الأزمات الرأسمالية الكبرى منذ السبعينات.

وتعود الأزمات الرأسمالية – التي تؤججها السياسات الليبرالية الجديدة – لتجتاح في الأعوام الخمسة الماضية دول أمريكا وأوروبا، وتواجه دول كاليونان والبرتغال وأسبانيا وغيرها انهيارا اقتصاديا، وتوسيعا للتفاوت الطبقي الحاد.

تعتمد الليبرالية الجديدة الآن تماما على سقوط الحدود السياسية والاقتصادية للدولة، وبالتالي هي تقضي تماما على أي محاولة لوجود مشروع قومي. وتعد إعادة تجربة رأسمالية الدولة، وإحياء الأفكار الناصرية القومية، وهما كبيرا في ظل تلاشى دور الدولة في الاقتصاد. وهذا لا يعنى بالضرورة أن النظام الرأسمالي العالمي يريد التخلص نهائيا من الدولة، ولكنه يريد فقط “دولة” تمتلك كل أدوات القمع السياسي والأمني في مواجهة أي حركات ثورية اجتماعية، وتعمل كقنوات لتمرير مشاريع الشركات المتعددة الجنسيات وتسهيل إجراءاتها الإدارية ودعمها من خلال الإعفاءات الضريبية ودعم الطاقة وتسخير العمالة المحلية الرخيصة.

وهذا هو بالضبط الدور الذي تقوم به مؤسسة الجيش في مصر، التي تدعم قواعد نظام مبارك السياسي والإقتصادي، وتمنعه من السقوط عبر استخدام كل آليات القمع الأمني  ضد القوى الثورية وحركات الاحتجاج العمالي والشعبي.

الدولة المصرية الآن هي بامتياز هيئة سيادية للسيطرة الطبقية لصالح نخب رجال الأعمال والشركات الاحتكارية، بحماية مؤسسة الجيش، والتى سيأتي فشلها حتميا، نتيجة معارضتها التامة لإجراء أية إصلاحات اجتماعية جذرية لرفع مستوى معيشة الفقراء، وبالتالي سينكشف الوجه الحقيقي لطبيعة الدولة، وقيادات الجيش على رأسها، وانحيازهم الكامل لمصالح الطبقة الحاكمة المستغلة من رجال الأعمال ضد الأغلبية العظمى من الجماهير الفقيرة والكادحة.

نحو تعميق الثورة الاجتماعية وبناء مجتمع بديل
من خلال القراءة السابقة لطبيعة الأزمات الإقتصادية، وانهيار نموذج “رأسمالية الدولة القومية” تماما، تشتد الآن حدة الصراع الاجتماعي بين الملايين من الطبقة العاملة المصرية، وبين الطبقة الحاكمة.

مازالت الطبقة الحاكمة تكثف من هجومها الشديد على الثورة ومكتسباتها، وتحاول حكومة حازم الببلاوي المنحازة لسياسات الليبرالية الجديدة – والتي لا تعدو أن تكون واجهة سياسية لحكم المؤسسة العسكرية –  إصدار قوانين تجرم الاحتجاجات الاجتماعية، وتفرض حالة الطوارئ، وتحاول تطبيق قانون مشوه للحد الأدنى للأجور مفرغ تماما من مضمونه الاجتماعي ولا يلبى الإحتياجات الأساسية للجماهير العاملة بأجر.

تسير الحكومة بخطى حثيثة في إتجاه تطبيق سياسات تقشفية، ورفع الدعم عن السلع الغذائية والوقود، والتحرير الكامل للأسواق، وسيادة قانون العرض والطلب، والسيطرة الكاملة للقطاع الخاص ورجال الأعمال على مجمل عملية الانتاج الاقتصادي، وتسعى بالإضافة لكل ذلك إلى “تعديل” دستور الإخوان للحفاظ على الأعمدة الرئيسية للدولة القمعية، والمحاكمات العسكرية للمدنيين، والحفاظ على كل امتيازات الجيش وامبراطوريته الاقتصادية، وجعله دولة فوق الدولة.

ومن المفارقة أننا نجد وزير القوى العاملة كمال أبو عيطة – وهو المناضل السابق والمنتمى للتيار الناصري – في حالة توائم تامة مع توجهات حكومة الببلاوي ويقف بعنف ضد حقوق العمال ويطرد العمال المفصولين الذين يريدون العودة لوظائفهم من أمام مكتبه ويتجاهل الأحكام القضائية بعودة الشركات المخصخصة للدولة مثل طنطا للكتان، وأيضا يعجز عن دعم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في الدستور الجديد.

ونجد أيضا القيادي الناصري حمدين صباحي وهو يتكلم عن انتهاء عصر التأميم، وأن المجال الآن متروك للقطاع الخاص باعتباره القاطرة الحقيقية لدعم النمو الإقتصادي. نجد صباحي يدعو “الرأسمالية الوطنية” بأن تتسلم هي عملية تحقيق التنمية الإجتماعية، ورفع مستوى المعيشة وتحقيق المطالب الإقتصادية للفقراء، وهنا يناقض صباحي بالطبع أبسط سياسات قائده السابق ناصر في الاصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي يدعى حمدين صباحي – في أماكن أخرى – أنها تجربة لا تزال صالحة للتكرار.

وهكذا نجد صباحي يدعم وبالكامل عبد الفتاح السيسي كناصر جديد، ويدافع عن ممارساته القمعية، ويبرر وجود الإمبراطورية الاقتصادية للجنرالات التي تسخر مئات الآلاف من الجنود في المصانع والمزارع الحربية.

ومن هنا فإننا لا نجد بديلا عن تعميق المسار الاجتماعي للثورة، وبناء الحزب الثوري العمالي، وتجذير المقاومة الشعبية الواسعة لكل الفقراء والمضطهدين ضد دولة الفساد والاستغلال، والدفع في طريق الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية  ضد النظام العسكري وفضح ممارساته وسياساته المستبدة.

هوامش:
*نسبة إلى (جون مينارد كينز) مؤسس النظرية الكينزية من خلال كتابه “النظرية العامة في التشغيل و الفائدة والنقود”، (1936). وعارض النظرية الليبرالية الكلاسيكية التي كانت من المسلمات في ذلك الوقت. من أهم ما تقوم عليه نظريته أن الدولة تستطيع من خلال سياسة الضرائب والسياسة المالية والنقدية أن تتحكم بما يسمى الدورات الاقتصادية

مصادر:
“الأصول التاريخية للرأسمالية المصرية وتطورها”، محمود متولي؛ الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة (2011)

   

التعليقات