بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الضبطية القضائية بيد المخابرات والشرطة العسكرية: عودة دولة صلاح نصر

في عددها الصادر أمس الأربعاء 13 يونيو، نشرت “جريدة الوقائع المصرية” قراراً لوزير العدل يخوّل لضباط وضباط صف المخابرات الحربية والشرطة العسكرية صفة مأموري الضبط القضائي في الجرائم التي تقع من غير العسكريين، ذلك القرار المعروف حالياً بقرار “الضبطية القضائية” والذي من المفترض أن يتم العمل به بدءاً من اليوم.

أما تلك الجرائم من “غير العسكريين” والتي يعاقب عليها القرار، فتتنوع بين “مقاومة الحكام وعدم الامتثال لأوامرهم والتعدي عليهم بالسب”، و”تعطيل المواصلات”، و”التوقف عن العمل بالمصالح ذات المنفعة العامة والاعتداء على حرية العمل”، إلخ.

تحديات كبرى

يوضح القرار أن المجلس العسكري، والذي من المفترض أن يسلم السلطة للرئيس القادم بحلول 30 يونيو، يرغب في تمرير عملية هذه العملية بشكل سلس وآمن يحفظ له صلاحياته وامتيازاته، بل أيضاً يحفظ له دوره كخط الدفاع الأصلب عن النظام ككل. حيث يهدف القانون إلى خنق أشكال الاحتجاج المختلفة من إضرابات واعتصامات ومظاهرات، إلخ.

ومن زاوية أخرى، أصبح أيضاً من الواضح خلال عام ونصف منذ إسقاط مبارك، أن إلحاق الهزائم الجزئية بالثورة لن يوقف انطلاقها. فبرغم القمع العنيف الذي تعرضت له الثورة، حيث القتل والتعذيب والتنكيل بالثوار وفض الإضرابات والاعتصامات العمالية بالقوة في كثير من الأحيان، إلا أن كل ذلك لم يثن الثوار – شباباً وعمالاً وطلاباً – عن استكمال ثورتهم وبذل التضحيات في سبيل ذلك.

وبالطبع يدرك المجلس العسكري أن هزيمة الثورة في هذه الموقعة أو تلك لن يجدي نفعاً في القضاء التام على الثورة وتمهيد الأرض لإنتاج أوضاعاً مستقرة تماماً بالنسبة للطبقة الحاكمة. وتلك الأوضاع “المستقرة” لا يمكن تهيئتها بمجرد انتقال شكلي للسلطة في 30 يونيو، بل تتطلب سحقاً شاملاً لتحركات الميادين والمصانع والجامعات. وهكذا يرى المجلس العسكري أن الانتقال من مرحلة إلحاق الهزائم الجزئية إلى إلحاق هزيمة شاملة للثورة، أصبح أمراً ضرورياً.

لكن هل حقاً يبدو قرار وزير العدل مدهشاً أو مفاجئاً. على العكس تماماً؛ فهكذا تعودنا من جنرالات القتل والدم تلامذة المخلوع الأوفياء، الذين وقفوا بالمرصاد للحركة الاجتماعية فأصدروا أول قانون لهم بعد إسقاط سيدهم مبارك بتجريم الإضرابات والاعتصامات العمالية، والذين عندما تعهدوا بعدم المساس بالمتظاهرين السلميين أمطروهم بالغاز والرصاص ونكلوا بهم في السجون الحربية، والذين أعلنوا إلغاء حالة الطوارئ فلم يستطيعوا في السلطة صبراً أسابيع قليلة دون “غطاء تشريعي” – بحسب تصريح عادل المرسي رئيس هيئة القضاء العسكري – ليصدروا قراراً يفوق الطوارئ استبداداً وطغياناً.

إذن فهكذا يأتي القرار ضمن سلسلة من الإجراءات المعادية للثورة على مدار شهور سابقة، حيث الإفراج عن الضباط قتلة المتظاهرين، والحكم الهزلي على مبارك والعادلي وبراءة معاوني العادلي الستة، والظهور والانتشار الأخطبوطي والمتبجح لرموز الحزب الوطني وفلوله خلال الدعاية الانتخابية لمرشح الثورة المضادة أحمد شفيق. كل ذلك يدل على نجاح الطبقة الحاكمة في ترميم التصدعات والتشققات التي أصابت جدرانها إثر زلازل الأسابيع الأولى من الثورة المصرية، وإثر توابع تلك الزلازل في الشهور اللاحقة.

إلا أن ما يبرز خطورة “الضبطية القضائية” بشكل خاص هو أنه يدل على انتقال المجلس العسكري – في القلب من الطبقة الحاكمة – من مرحلة إعادة التوازن وترميم الشروخ إلى مرحلة أكثر تحدياً حيث الإعداد المباشر للانتقام من الثورة، الأمر الذي يظهر بوضوح في تصريحات شفيق الذي لا يترك فرصة إلا ويتوعد فيها وبكل تبجح وعنجهية للثورة والثوار.

إسقاط القانون الفاشي

لا شك أن الإرهاب الذي يهدف إليه القرار الجديد يبعث على حالة من الإحباط في صفوف الثوار والنشطاء هي الأوسع والأكثر تأثيراً منذ فشل الدعوة للإضراب العام في 11 فبراير الماضي. أضف إلى ذلك حالة الإحباط العامة التي يسببها المأزق الراهن للثورة في الانتخابات الرئاسية، حيث فشل أي من مرشحي الثورة في الصعود إلى جولة الإعادة وانحصار الإعادة بين مرشح الثورة المضادة ومرشح جماعة الإخوان المسلمين التي اختارت، ومنذ وقت مبكر من الثورة، عقد الصفقات مع المجلس العسكري.

لكن فيما يخص “الضبطية القضائية”، وبالرغم من أنه يشير بوضوح إلى استعداد الطبقة الحاكمة للانتقام من الثورة، لكنه لا يعني أن الطبقة الحاكمة بإمكانها سحق الثورة بين ليلة وضحاها، أو أن الثورة قد استنفذت طاقتها ووسائلها وعجزت عن تحجيم الثورة المضادة والتصدي لها. لكن تعني أن الثورة اليوم تقف أمام تحديات كبرى.. صحيح أنها التحديات الأصعب منذ الانتصار الأول للثورة بإسقاط رأس النظام في 11 فبراير 2011، لكنها لا تعني نهاية الثورة.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن أن ننسى أن حقوقاً سياسية، كالحق في التظاهر والإضراب مثلاً، لا تُلغى أو تصادر بقرار أو بجرة قلم تسطر قانوناً جائراً. وما يمكنه ترجمة القرارات والقوانين على أ رض الواقع حيث يتم تنفيذها عملياً، ليس مقدار الحبر الذي سطر خبراء التشريع قوانينهم وقراراتهم على الورق، بل إن ما يحدد ذلك هو التوازن بين حركة جماهير الثورة من ناحية، وقدرة الطبقة الحاكمة على كبح جماح الجماهير وإنزال هزيمة شاملة بثورتها من ناحية أخرى.

والجماهير من جانبها قادرة في كثير من الأحيان على إحداث المفاجئات، وهذا ما شهدناه عندما اقتحم مئات الآلاف والملايين المشهد مرة أخرى وملئوا ميادين الثورة مدفوعين بقدر هائل من الاستفزاز إثر الأحكام الهزلية في قضية قتل المتظاهرين والإفراج عن جلادي الداخلية معاوني العادلي. بل وأضافوا إلى مطلب إعادة المحاكمة عدة مطالب أخرى من أبرزها: المطالبة بتطبيق قانون العزل السياسي لتنحية شفيق عن جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية.

لكن الأسابيع القليلة الماضية كشفت بجلاء عن افتقار حركة الميادين للصلة بالظهير الأكثر حسماً وتأثيراً في الميادين والأحياء الشعبية. وهذه هي إحدى نقاط الضعف الرئيسية في معسكر الثورة؛ حيث الانفصال بين المطالب الديمقراطية التي تعبر عنها الحشود الغفيرة حينما تملأ الميادين، والمطالب الاقتصادية والاجتماعية المباشرة التي خاض ملايين العمال آلاف الإضرابات والاعتصامات من أجلها.

ولقد استطاعت الحركة العمالية بنضالاتها العفوية المتصاعدة، على مدار شهور عديدة، أن تحول قانون خطير مثل قانون تجريم الإضرابات والاعتصامات إلى مسودة تافهة طي النسيان. لكن المعركة اليوم لا يمكن أن تعتمد فقط على انتظار مفاجئات الجماهير أو عفوية نضالاتها، بل أنها تحتاج أيضاً، من أجل هزيمة قرار “الضبطية” الفاشي، درجة أعلى بما لا يُقاس من تنظيم صفوف الثورة في الميادين كما في المصانع والجامعات والأحياء الفقيرة والقرى. فأعداء الثورة وعلى رأسهم المجلس العسكري أصبحوا اليوم أكثر قوة وثباتاً وتنظيماً، وإسقاط قوانينهم وإحباط مخططاتهم الفاشية لن تُكلل بالنصر إلا حينما يصير شعار “الميدان والمصنع إيد واحدة” واقعاً عملياً ملموساً.

التعليقات