بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

الرأسمالية والوباء:

من فيروس الخنازير إلى فيروس الفتنة الطائفية

أثار ظهور أنفلونزا الخنازير، وانتقالها للبشر، وانتشارها السريع، حالة من الذعر في مختلف أنحاء العالم. فقد تعاملت معظم وسائل الإعلام العالمية مع الفيروس الجديد وكأنه كارثة طبيعية، مثل الزلازل، والفيضانات، والأوبئة القديمة، التي كانت تجتاح العالم في العصور الوسطي. لكن هذا المرض الجديد، وما سبقه من أنفلونزا الطيور، والسارس، وجنون البقر، ليس نتاجاً لغضب الطبيعة، ولكنه نتاج لجشع وفوضى الإنتاج الرأسمالي، ولتحويل تربية الماشية والطيور إلى صناعة ضخمة شديدة التنافس، تستهدف الربح وكسب الأسواق بأي ثمن.

الفيروس والشركات الكبرى

فقد كان أول الضحايا البشرية للفيروس في قرية في المكسيك يقع بجوارها أكبر مزرعة للخنازير في البلاد، يملك نصفها شركة أمريكية عملاقة، تنتج ما يقارب مليون خنزير سنوياً. هذه الشركة تقوم بتكديس الحيوانات بحيث لا تستطيع التحرك، ويتم ضخها بكميات هائلة من المضادات الحيوية والهرمونات، ويتم تغذيتها كما في حالة البقر ببقايا حيوانية وصناعية رخيصة. وهذا كله يجعلها بيئة مثالية لتطور وانتشار الفيروسات والميكروبات بكافة أنواعها.

إذا ما تحول هذا الفيروس إلى وباء واسع الانتشار، سواء في هذه الموجة الأولى، أو كما يتوقع الكثيرون من الخبراء، مع بدايات الخريف والشتاء القادمين، أو مع تحور جديد للفيروس، فالضرر الأكبر بالطبع سيقع على فقراء العالم، فسبل مواجهة المرض، من التطعيم، والمستشفيات المجهزة، والأقنعة الواقية، وتجنب التكدس، كلها بعيدة المنال لغالبية فقراء العالم، وليس من المصادفة أن غالبية الوفيات بسبب الفيروس حدثت بين فقراء المكسيك، رغم الانتشار السريع للفيروس إلى أمريكا وكندا وأوروبا.

المستفيد الأول من هذه الكارثة هو بالطبع شركات الدواء العملاقة المنتجة للأمصال، وقد ارتفعت أسهم هذه الشركات بشكل جنوني في الأسابيع الأولى لظهور وانتشار المرض.

مصر والفيروس

إذا كانت مزارع الخنازير الكبرى هي البيئة، التي تطور فيها هذا الفيروس القاتل، فقد حدث تحوراً جديداً، بعد أن أصبحت العدوى تنتقل بين البشر بشكل مباشر، أي إن الخطر الآن ليس في الخنازير، ولكن في البشر أنفسهم. ومع سرعة انتقال البشر إلى مختلف بلدان العالم أصبح التحدي هو كيفية الحماية من هذا الفيروس الذي يحمله البشر. أي أن الخنازير في حد ذاتها خرجت من المعادلة تماماً. وأصبح الاستعداد لمواجهة هذا الخطر الداهم يتركز في سرعة التوعية بالنظافة، وإنتاج وتوزيع الكمامات، والاستعداد، والتجهيز الطبي، والمراقبة الصحية للمطارات والمواني. ولكن رد الفعل في مصر سواء على المستوى الرسمي أو الإعلامي أو السياسي قد أخذ أبعاداً لا تمت بصلة للفيروس ومخاطره.

فقد استغلت الدولة حالة الهلع والجهل بالمرض لنشر أكذوبة أن الخطر الحقيقي يكمن في زرائب الخنازير في المدن المصرية، وأن الوسيلة الأهم للوقاية من المرض هي إعدام أو ذبح كافة الخنازير في مصر، ويبلغ تعدادها بين ٣٥٠ و٥٠٠ ألف خنزير. وهو إجراء لم تتخذه أي دولة في العالم بل عارضته كافة الهيئات الصحية العالمية.

هناك سمتان أساسيتان لتربية الخنازير في مصر: أولهما هو أن هذه العملية تتم في مناطق الزبالين، كجزء أساسي وتاريخي لجمع وفرز وإعادة تدوير مخلفات المدن، هذه الزرائب بالطبع تقع في المناطق العشوائية الفقيرة، التي كانت تاريخياً في أطراف المدن، ولكن مع التوسع السكاني والعمراني أصبحت في قلب المدينة. وهي مناطق تخطط الدولة، منذ عقود، لإزالتها وطرد سكانها الفقراء، في حرب ضروس لتغيير التركيبة الطبقية للمدينة، ولفتح المجال للمشاريع السياحية والتجارية والسكنية الفاخرة.

السمة الثانية لتربية الخنازير في مصر هي أن الغالبية العظمى ممن يعملون في هذا المجال، وفي مجال جمع القمامة، بشكل عام، من الأقباط، وقد استغلت الدولة، وأجهزتها الإعلامية، والسياسية، حالة الاحتقان الطائفي، للربط أولاً بين الخنازير المحرمة إسلامياً، والمكروهة في أوساط الجماهير من المسلمين، وخطر انتشار المرض، كذلك لربط بين الخنازير والأقباط، الذين يربون تلك الحيوانات “القذرة”، بل يأكلون لحمها أيضاً. وقد امتزج الاحتقار الطبقي لجامعي القمامة بالاحتقار الطائفي لفقراء المسيحيين.

شارك في هذه الحملة المسمومة، القائمة على الأكاذيب، وبحماس منقطع النظير، جماعة الإخوان المسلمين. سواء في وسائل إعلامهم أو في تصريحات كتلة الإخوان في مجلس الشعب. فنجد على موقع الإخوان علي الإنترنت تقارير عن تهريب الخنازير إلى مخابئ، بالقرب من الكنائس، مع توضيح تفصيلي لتلك المواقع، في تحريض واضح للهجوم عليها سواء من قبل الأمن، أو من قبل قطاعات من الجماهير، يتم تضليلها بتلك الدعاية الطائفية المسمومة. وفي مجلس الشعب تحالف نواب الإخوان مع نواب الحزب الوطني، في نغمة واحدة، تدعو لضرورة إعدام الخنازير، ومحاصرة مناطق الزرائب، مع كل ما تضمنه ذلك من إيحاءات طائفية قذرة، تستهدف إثارة مزيد من الكراهية والتوتر بين فقراء المسيحيين والمسلمين، وهو أمر سيؤدي في نهاية المطاف إلى إمكانية اندلاع مواجهات دامية، ومزيد من الانقسام، وانحراف الغضب في أوساط الفقراء تجاه بعضهم البعض، بدلاً من توجيه ذلك الغضب تجاه النظام الديكتاتوري، ورجال أعماله، مصاصي الدماء الشعب بمسلميهم وأقباطهم.

كعادتها رضخت الكنيسة المصرية لمخططات الدولة، وأعلن البابا أن الأقباط لا يأكلون لحم الخنزير، من يأكلها إذاً؟ ( البهائيون!)، أنه يؤيد كعادته إجراءات الحكومة أياً كانت.

إن أنفلونزا الخنازير خطر حقيقي، ولا يمكن مواجهته إلا بالضغط الجماهيري، لمزيد من إنفاق الدولة على شراء الأمصال، والاستعداد الطبي، والتوعية الصحية. لكن فيروس الفتنة الطائفية، الذي يتم تصنيعه على يد النظام، وبمساندة محمومة من الإخوان المسلمين، هو الخطر الأكبر على الغالبية العظمى من أهالي مصر، مسلمين ومسيحيين.

      

التعليقات