بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التعديلات الدستورية: مزيد من الاستبداد.. مزيد من النهب والإفقار

يمكننا تقسيم التعديلات الدستورية التي تحدث عنها مبارك في خطابه أمام مجلسي الشعب والشورى إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول يتعلق بالسياسات الاقتصادية والهدف منها إلغاء كافة المواد التي تتعارض مع سياسات الليبرالية الجديدة التي يتبناها النظام. خاصة وأنه يقدم على أخطر مراحل الليبرالية الجديدة وهي الخصخصة الكاملة للخدمات الجماهيرية من صحة وتعليم ومواصلات ومعاشات وتأمينات. لم يتعرض مبارك في خطابه لتفاصيل التعديلات المقترحة ولكنه اكتفى بالهدف العام وهو أن التعديل “من أجل حرية اختيار التوجه الاقتصادي للدولة”.

فالدستور القديم (1971) يتضمن مواداً تتعارض في جوهرها مع سياسات النظام الاقتصادية مثل المادة الرابعة والتي تحدد الأساس الاقتصادي بأنه “النظام الاشتراكي الديمقراطي القائم على الكفاية والعدل بما يحول دون الاستغلال، ويؤدي إلى تقريب الفوارق بين الدخول ويكفل عدالة توزيع الأعباء”، والمادة 13 التي تؤكد على حق العمل ودور الدولة في توفيره والمادة 17 التي تحدد دور الدولة في ضمان التأمين الصحي ومعاشات العجز عن العمل والبطالة والشيخوخة للمواطنين جميعا والمادة 20 التي تحمي مجانية التعليم في كافة مراحله والمادة 30 التي تؤكد أن الملكية العامة هي ملكية الشعب وأن القطاع العام ركيزة الاقتصاد والمادة 37 والتي تتحدث عن ضرورة تحديد الحد الأقصى للملكية الزراعية بما يضمن حماية الفلاح والعامل الزراعي من الاستغلال.

كل هذه المواد وغيرها يريد النظام التخلص منها ليس لا سمح الله لأنها أعاقت بأي شكل من الأشكال مسيرة الخصخصة والإفقار والتجويع والتشريد. فالدستور في نهاية الأمر نصوص على ورق والسلطة القضائية والتشريعية التي من المفترض أن تحميها هي في نهاية الأمر انعكاس لتوازن القوة في المجتمع وهو بدون شك لصالح البرجوازية ودولتها الليبرالية الجديدة. ولكن النظام يريد تنظيف الدستور من تلك المواد رغم عقمها وعدم فعاليتها كمزيد من التأكيد على ولائه طويل المدى للبرجوازية المحلية والعالمية. لقد أصبح هناك اليوم سوق تنافسي للتعديلات الدستورية بين دول العالم الثالث والتي تتسابق فيما بينها لخلق المناخ الجاذب للاستثمار ليس فقط على مستوى القوانين والضرائب والأمن والعمالة الرخيصة بل أيضاً على مستوى الدساتير.

أما المحور الثاني لتعديلات مبارك القادمة فتتعلق بتغييرات تؤكد على استبعاد الإخوان المسلمين من المشاركة الفعالة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية والمحلية. فعلى مستوى الانتخابات البرلمانية يريد النظام إلغاء المادة التي تؤكد على ضرورة الإشراف القضائي الجزئي في حده الأدنى على كافة مراحل العملية الإنتخابية. وعلى مستوى الانتخابات الرئاسية يريد النظام تعديلاً جديداً للمادة 76 بحيث تبدو أكثر ديمقراطية أي إعطاء فرصة للأحزاب الشرعية لتقديم مرشحين رئاسيين مع استبعاد للمستقلين أي الإخوان ومعهم أي معارض جاد للنظام. الهدف هو تحسين صورة الانتخابات الرئاسية دون المساس باحتكار الحزب الحاكم لمنصب الرئاسة في الانتخابات القادمة سواء كان جمال مبارك أو غيره من رجال النظام. أما على مستوى المحليات فهناك تداخل بين هدفين. الأول يتعلق بالليبرالية الجديدة حيث أصبح تفعيل الحكم المحلي ودرجة أكبر من اللامركزية أحد الإصلاحات الجوهرية التي يحتاجها النظام على المستوى الاقتصادي. فالنظام كغيره من الأنظمة الليبرالية الجديدة في العالم الثالث يريد أن يكون للمحليات دور له درجة من الاستقلالية في جذب الاستثمارات وتشجيع الصادرات وتمويل الخدمات كجزء من تقليص دور الدولة المركزية خاصة فيما يتعلق بالخدمات. والفكرة هي أن تتنافس المدن والقرى والأقاليم فيما بينها لجذب الاستثمار ويكون مستوى الخدمات انعكاساً لنجاحها في ذلك التنافس. ولكن تفعيل المحليات وانتخاباتها يصطدم على الفور مع قوة الإخوان المسلمين في الأقاليم ولذا فالنظام يريد تعديلات تحافظ على سيطرة الحزب الحاكم على المحليات ولكن مع إعطائها درجة أكبر من الاستقلالية في الاستغلال والنهب والإفقار.

ولعل التعديل الجوهري والذي يمكن النظام من تحقيق كل ذلك هو فيما يتعلق بالحريات الأساسية. فالنظام يريد تقليص الحريات المنصوص عليها دستورياً بحيث يصبح قانون الطوارئ عملياً جزء لا يتجزء من الدستور ويبدو النظام وكأنه يلغي العمل بقانون الطوارئ في حين أنه يحوله من قانون استثنائي إلى نصوص دائمة في الدستور.

هناك محور ثالث يمكن تسميته بمحور التعديلات التجميلية. أي تلك التعديلات التي سيستخدمها النظام خلال العام القادم للتأكيد على الطبيعة الديمقراطية للتحولات التي يريد إحداثها مثل توسيع دور البرلمان وتقليص صلاحيات الرئاسة وتعزيز دور مجلس الوزراء وتوازن أكبر بين السلطات وهي كلها تعديلات لا معنى لها في ظل استمرار احتكار الحزب الحاكم للسلطة وهو الهدف الحقيقي وراء التعديلات.

إذا كانت تلك هي محاور التعديلات الدستورية القادمة، أي تعميق سياسات الليبرالية الجديدة ومنع الإخوان من المنافسة على الحكم مع بعض التعديلات التجميلية الفارغة من المضمون فالسؤال الذي يطرح نفسه كيف سنواجه تلك التعديلات؟

هناك من يطرح أن المعركة حول التعديلات الدستورية هي معركة مصيرية لكونها المقدمة لتنفيذ مخطط التوريث, وهناك على الجانب الآخر من يرى أن تلك المعركة لا أهمية لها فالدستور مجرد حبر على ورق والحكم لم يلتزم بالدستور القديم ولن يلتزم بالجديد وبالتالي فمن الخطأ الدخول في تلك المعركة معه.

الطرحان يجانبهما الصواب فصحيح أن التوريث أحد أسباب التعديلات ولكنه كما أوضحنا سابقاً ليس الهدف الوحيد أو المركزي. وصحيح أن المعركة حول التعديلات يجب خوضها ولكن علينا أن نتذكر دائماً أن الدستور مجرد انعكاس لتوازن القوى في المجتمع وأن المعركة الحقيقية هي معركة تغيير ذلك التوازن في الواقع. ولكن ذلك لا يعني أن نتجاهل معركة التعديلات الدستورية فهناك فرصة لفضح مخططات النظام سواء الاستبدادية أو الرأسمالية وهناك فرصة غير مسبوقة بسبب تراث حركة التغيير خلال العامين الماضيين وبسبب فقدان النظام لكافة أشكال الشرعية لأن تكون معركة التعديلات الدستورية مدخلاً لإعادة إحياء الحركة وتجاوز ركودها. هناك بالطبع متغيرات ستحدد شكل المعركة. ماذا سيفعل الإخوان المسلمون؟ هل سيقومون بتعبئة واسعة خلال هذه المعركة أم سيكتفون بمعارضة برلمانية صاخبة ولكنها غير مؤثرة؟ أم سيسمحون للنظام بحرفهم عن المعركة تماماً من خلال افتعال معارك ذات طابع ديني أو أخلاقي مثل زوبعة فاروق حسني الأخيرة؟ وماذا سيفعل اليسار؟ هل سيظل مشلولاً عن الحركة بسبب ذعره غير المبرر من الإخوان المسلمين أم سيفهم أخيراً أن معركة الديمقراطية بدون مشاركة الإخوان لا تعني سوى مزيد من التهميش والانعزال لليسار المصري ولا تخدم سوى النظام؟

      

التعليقات