بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

افتتاحية مجلة أوراق اشتراكية – العدد 24

الثورة المصرية.. المصاعب والتحديات

2013_10_26_lshr_ln

مرحلة جديدة صعبة تمر بها الثورة المصرية اليوم. في كافة المراحل الحرجة السابقة، ظل سؤال “هل انتهت الثورة المصرية؟” يتردد بين الثوار، الذين يجيبون عليه بشك وريبة وقدر من الإحباط، وفي الإعلام الفلولي حيث يؤكد رجال الثورة المضادة وقادتها في كل مرة وبغرور شديد على انقضاء الثورة إلى غير رجعة وأنه قد حان الوقت لتحقيق “الاستقرار” وبناء “ما بعثرته الثورة” – دولتهم ونظامهم هم.

وبالرغم من كل المراحل الصعبة السابقة، طيلة العام 2011 تحت القمع العنيف للمجلس العسكري، وبعد ذلك أثناء مأزق الانتخابات الرئاسية، وخلال عام من حكم مرسي، إلا أن الثورة كانت، في كل مرة أيضاً، تستعيد حيويتها – برغم التناقضات والصعوبات – بموجات جماهيرية هادرة كان آخرها في 30 يونيو الماضي.

كانت هذه الموجة الثورية مفعمة بالطاقة والثقة والأمل في انتصار الثورة بإسقاط محمد مرسي. لكن نتائجها أتت بغير ما يتطلع إليه الثوار والجماهير. فبدلاً من الحرية والديمقراطية، شهدنا أضخم وأبشع المجازر في فض اعتصامات الإخوان، ويعود استبداد دولة مبارك على نحو أكثر شراسة في تكميم الأفواه بالقوانين والقرارات القمعية التي كان آخرها قانون منع التظاهر والاعتصام، وتُهاجم الإضرابات العمالية والمظاهرات الطلابية بالقوة، ويتصدر الفلول المشهد السياسي برمته. وبدلاً من العدالة الاجتماعية، تتزايد حالات الفصل التعسفي للعمال وترتفع الأسعار، بالتوازي مع خداع حكومة الببلاوي النيوليبرالية ومتاجرتها بأحلام الفقراء والعمال بقرارات ملتوية للحد الأدنى والتسعيرة الجبرية وغيرها.

لقد خلت الساحة في موجة 30 يونيو من بديل ثوري قادر على قيادة الجماهير إلى النصر، بالأخص مع خيانة قيادات محسوبة على الثورة بتحالفهم مع الفلول منذ تشكيل جبهة الإنقاذ. وبالتالي جاءت الفرصة سانحة أمام المؤسسة العسكرية لخطف الموجة وتوجيه الغضب الجماهيري نحو الإخوان وحدهم لتجنب أي تهديد حقيقي للنظام ككل، ومن ثم الانقلاب على الثورة ذاتها بعد الإطاحة بالديكتاتور مرسي غير المأسوف عليه.

كانت المؤسسة العسكرية وأغلب قطاعات الطبقة الحاكمة في البداية قد راهنوا على الإخوان المسلمين ورئيسهم لاحتواء الثورة المصرية وخنقها. لكن استمرار الغضب الشعبي ضد سياسات مرسي، التي استكمل بها طريق مبارك، بموجات من المسيرات الجماهيرية والإضرابات العمالية وغيرها، قد قاد مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، إلى فقدان رهانهم على مرسي وجماعته بعد فشلهم في استيعاب الثورة وتمرير مشاريع الليبرالية الجديدة واستقرار النظام رغماً عن الجماهير. لذا فقد قررت الدولة التخلص من مرسي الذي فشل في المهمة المرسومة له، من أجل رأب كافة التصدعات التي أربكت الطبقة الحاكمة في مواجهة الثورة طوال عام من حكم مرسي.

في 30 يونيو، كانت الجماهير حقاً تحتفل عملياً بسقوط مرسي في مشهد كان الملايين يجتاحون فيه الشوارع والميادين في ظل ارتباك شديد في مؤسسة الرئاسة. لكن، في غياب القوى الثورية التي تستطيع الحسم مع مرسي، علّقت قطاعات واسعة من الجماهير ثقتها على السيسي وجيشه في ذلك، واستجابت لأوهام الإعلام الفلولي والمخابراتي التي يروّجها حول انحياز مؤسسات القمع للثورة. بل وسعت هذه المؤسسات لحشد التأييد الجماهيري لذبح الإخوان المسلمين والفتك بهم، ليس حمايةً للثورة بل لقتلها. والمشاهد الدموية لفض اعتصامات الإخوان تعلق كالكابوس في أذهان كل من يريد التحرك من الجماهير لتحقيق مطالب الثورة وأهدافها في الحرية والعدالة الاجتماعية – سواءاً كان ممن دُفعوا إلى تأييد السيسي لمواجهة الإخوان أو ممن يعارضوه.

هذا التناقض في الوعي الجماهيري، بين الطموح إلى مطالب الثورة وتأييد رموز الثورة المضادة العسكرية، هو ما يعقّد المشهد ويربك الحركة الجماهيرية، ويرسّخ كذلك حالة من الإحباط والتخبط السياسي في صفوف الثوريين الذين لا يراهنون على المؤسسة العسكرية ولا يريدون عودة الإخوان المسلمين إلى السلطة. ويزيد على ذلك الهيمنة العسكرية والأمنية على كافة مقاليد الأمور والتشويه المكثف لثورة يناير وأهدافها ورموزها. فميدان التحرير والأربعين، وغيرهما من ميادين الثورة، التي كانت تمتلئ بمئات الآلاف والملايين في الموجات السابقة من الثورة، صارت الآن في حراسة وتحت مصادرة دبابات الجيش ومدرعات الداخلية. والمصانع والشركات التي كانت تموج بالإضرابات والاعتصامات، والتي وصلت إلى معدلات قياسية في شهري أبريل ومايو الماضيين، تسود بها اليوم حالة من الصمت والسكون التام، حتى بالرغم من بقاء نفس المطالب التي رفعتها قطاعات عريضة من الطبقة العاملة المصرية خلال ما يقرب من ثلاثة أعوام من الثورة.

وبالرغم من أن هذا التراجع طبيعي في ظل ضباب “الحرب على الإرهاب” التي يرسي بها السيسي سلطته القمعية شديدة العداء لمطالب الجماهير، إلا أنه مؤقت ولا يعني نهاية للثورة المصرية. فالثورة ذاتها عملية طويلة من موجات الصعود أحياناً والهبوط في أحيان أخرى. والثورات بعمق الثورة المصرية لا تنتهي هكذا بسهولة دون مقاومة شرسة. هناك أيضاً الثقة والخبرة والوعي الثوري الذي اكتسبته قطاعات كبيرة من الجماهير خلال موجات الثورة. كل ذلك يبقى تحت السطح من أوهام وخداع وزيف الثورة المضادة التي يقودها السيسي ورجاله في الإعلام ومؤسسات الدولة.

عامل آخر لا يقل أهمية هو استمرارية وعمق الأزمة الاقتصادية التي لا يظهر الآن أي أفق لتجاوزها بما يسمح لحكومة الثورة المضادة بتقديم تنازلات اقتصادية كبيرة لاستيعاب الفقراء والعمال. وتزداد الطينة بلة مع حالة الفزع العالمي مما سيتسبب فيه احتمال إفلاس الولايات المتحدة الأمريكية. كل هذا سيدفع كتلاً من الجماهير للتحرك شيئاً فشيئاً من جديد سعياً وراء مطالب الثورة التي تدهسها الدبابات.

هذا ما يصعّب مشروع الثورة المضادة في السيادة والقضاء الكامل على الثورة و”إرساء الاستقرار” على مدى طويل.

أما على صعيد الساحة السياسية، فتستمر أزمة الأحزاب الإصلاحية – اليسارية والليبرالية – وتتعمق مع تطور الأحداث. فأغلب قيادات هذه الأحزاب قد سلموا مبادئهم على طبق من ذهب للسيسي وثورته المضادة. وبدلاً من بناء بديل جذري يحمل مطالب الثورة، تحالفوا مع المؤسسة العسكرية وأيدوا القمع الهمجي للدولة في مواجهة الإخوان، ذلك القمع الذي سرعان ما امتد للتحركات الطلابية والعمالية فبرروه أو أنكروا وجوده أو آثروا الصمت حفاظاً على ما تبقى من ماء الوجه. بالأخص أولئك الذين شاركوا في حكومة الثورة المضادة برئاسة الببلاوي ليحركهم السيسي كالدمى.

هذا الارتماء في أحضان المؤسسة العسكرية يفجر أزمات كبيرة داخل هذه الأحزاب، مما يوفر الفرصة لجذب الآلاف من الثوريين إلى مسار الثورة، الذي يسعى السيسي لدفنه ولا يعبر عنه الإخوان المسلمون. بل أن هذه المواقف المتذيلة للدولة وقوى الثورة المضادة تخلق فراغاً تاريخياً على يسار الساحة السياسية والاجتماعية. وهذا الفراغ ينبغي العمل على الفور من أجل ملئه بجبهة ثورية مناضلة في مواجهة السيسي وحكومته.. جبهة ثورية لا تتهاون في النضال السياسي ضد السلطة العسكرية، بل تربط هذا النضال بمطالب العدالة الاجتماعية للعمال والفقراء والطلاب وغيرهم، وتكافح ضد اضطهاد الأقباط والنساء وأهالي النوبة والبدو.. تحارب ضد ميول الإحباط والتفكك وتجذب المزيد ممن تصيبهم هذه الميول من الثوار.. جبهة جذرية لاستكمال الثورة حتى لا تُترك الساحة خاوية للإخوان المسلمين وحلفهم في السعي لاستعادة شرعية مرسي التي أسقطتها موجة 30 يونيو قبل أن ينقلب السيسي على الثورة.

وبرغم الفرص، لا ينبغي التهوين من صعوبة هذه المرحلة في تاريخ الثورة، بل النظر في المهام التي تفرضها على الثوريين. فصحيح أن هناك فرص حقيقية في المستقبل، إلا أن هذه الفرص مُحاصرة الآن بتحديات ومخاطر عصيبة. ومن الضروري مواجهة الثورة المضادة ومشاريعها وقمعها وزيفها وهجومها بشكل موحد وبدون انتظار. فمن المضر للغاية أن يؤدي التردد في اختيار التكتيك والشعارات السياسية إلى حالة من الشلل تحجز الثوريين عن الدفاع عن الثورة التي تتعرض للهجوم العنيف على كافة الأصعدة. فكل يوم يمر تسدد الثورة المضادة بقيادة المؤسسة العسكرية ضربة أخرى وتخطو خطوة جديدة ترسخ بها قبضتها الباطشة.. المواجهة فوراً ودون انتظار للبناء من أجل الموجة الرابعة من الثورة المصرية.

* المقالة منشورة في العدد 24 من مجلة أوراق اشتراكية 

التعليقات