بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مصر ضد مصر

الكتاب: مصر ضد مصر
المؤلف: دلال البرزي
الناشر: دار الساقي
تاريخ النشر: 2008

فيما يزيد عن 120 مقال، للكاتبة والباحثة اللبنانية، دلال البزري، تم نشرها من قبل في جريدة الحياة اللبنانية، تحاول الكاتبة رصد المشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي المصري الراهن، بكل متغيراته، خلال كتابها الصادر حديثاً “مصر ضد مصر”، والذي جمع هذه المقالات.

أما التغيرات التي ترصدها الكاتبة في المجتمع المصري، فهي توقظ تاريخًا ومعانٍ ورموزًا. كما أن تراكم هذه التغيرات، بكل ردائتها وقبحها، قد خلق فوضى مجتمعية شاملة، تحاول البزري تسجيل ملامحها، مثلما يتجلى في الشارع، الصحافة والتليفزيون، الفن والثقافة، وحال المرأة…. والسياسة بالطبع.

أما مقالات الكتاب، فكثير منها يسوده نوع من الغضب والضيق والتوتر الهجومي. وفي أخرى، إما السخرية المُرّة، أو الصراخ والنحيب، على حطام المجتمع وأطلاله. لكن في كل الأحوال، لا تقدم الكاتبة خلال مقالاتها “التنويرية” الغاضبة، سواء تفسيرات لجذور أوجه “الانحطاط”، التي نحياها في مصر، أو حتى حلول يمكن مناقشتها وبلورتها، للخروج بالمجتمع من أزماته، التي ترصدها “البزري”.

في الحقيقة، كان الهدف من غضب الكاتبة، أو سخريتها أو صراخها، هو لفت الانتباه، نحو مفارقات هامة في الحياة المصرية. وفي هذا السياق، أجرت “دلال البزري” بل وتوغلت، في العديد من المقارنات، ذات الأبعاد والدلالات العميقة، التي تكشف وتفضح، تناقضات الثقافة والفن والسياسة والحالة الاجتماعية الراهنة في مصر. مقارنات بين الأماكن والمدن والشوارع، ورصد تغيرات ملامحها، مقارنات بين أعمال روائية معاصرة، مقارنات بين مواقف سياسية إسلامية ويسارية وقومية وليبرالية، مقارنات بين أفلام سينمائية وأغاني قديمة وحديثة.. إلخ.

حملت هذه المقارنات في طيّاتها، تحسر شديد على حالة الإضطهاد، والقمع السياسي وحالة الانحطاط الفني والثقافي، كما أُفعمت مقالات البزري بالكثير من الحيوية، حيث استحضرت بها الكاتبة مفهوم النسبية، لمقاومة الشمولية المطلقة والمجردة. وعلى جانب آخر، تحاول الكاتبة، من خلال هذه المقارنات، إرضاء حالة الحنين إلى الماضي، التي نستشفها في المقالات المتوترة غضبًا وصراخاً وسخريةً وحيرةً، في الكتاب.

ما يثير الاستغراب، هو أن الكاتبة تدخل من باب خلفي لتنتقد وبقسوة حالة الحنين الجارف للماضي، التي حاولت إسترضائها في كثير من المواضع!. تلك الحالة المنتعشة بين المصريين بدرجات مختلفة، سواء كانت “للزمن الجميل”، حيث الحقبة الناصرية المفعمة بالأمل والثقة بالمستقبل. أو “الزمن الأجمل” حيث الملك والباشوات والإقطاع. أو ذلك “الزمن الذهبي” الذي ينال القسط الأكبر من “النوستالجيا”: فجر الإسلام والخلافة الراشدة و”أبطال الإسلام الأوّل وعهده كامل الأوصاف”، كما وصفت الكاتبة.

الكتاب مقسم إلى ثلاثة أقسام. في القسم الأول، والأطول منه، والذي يتضمن رؤية الكاتبة وانتقادها للحالة الثقافية في مصر، ترفض دلال البزري كافة التقاليد المجتمعية التي تتذرع بها الذكورية للسيطرة على المجتمع، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى تتحسر البزري على إفتقاد المصريين الروح، بالرغم من كل الضجيج الإسلامي، وكل مظاهر التدين التي يصخب بها هذا المجتمع.

ترى الكاتبة أن “التليفزيون” هو من أهم وسائل الترويج الثقافي، إن لم يكن أهمها على الإطلاق. وقد أصبح التليفزيون منبرًا لتصدير الأفكار الإسلاموية المتعصبة، حيث انتشرت ظاهرة “الدعاة التليفزيونيين”، حتى أصبح “لكل فضائية تقريباً داعيتها أو فقيهها أو خطيبها… لكل فضائية نجمها الديني”. وظل الدعاة والشيوخ يتنافسون في فضائياتهم على النجومية، كما يتنافسون في إصدار الفتاوى. هكذا تصف الكاتبة ما تسميه “بأقل أجزاء مشهد الفوضى الدينية الراهنة”، لكن في الحقيقة دون إرجاع هذه الفوضى إلى مغازيها ودلالاتها الاجتماعية، والسياسية أيضاً. لماذا تلقى هذه الظاهرة رواجًا، ولماذا إذن يلقي عشرات الآلاف من الشباب أنفسهم في بستان السلف الصالح، أو ما تسميه الكاتبة “التعصب ونبذ الآخر” لدى الإسلاميين؟! ألا تمثل أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية عاملاً في هذه المعادلة؟! لا تقدم البزري حتى أبسط الإجابات على مثل هذه التساؤلات، في أيٍ من مقالاتها.

في خفة طريفة، تلفت دلال البرزي النظر إلى ذلك التناقض الفج، بين الانتشار الواسع لظاهرة الدعاة التليفزيونيين، والانتشار السريع أيضًا للقنوات الفضائية الإباحية-70 منها باستثمارات عربية. لكنها تعزي هذا التناقض إلى أن المواطن العربي، عامةً، والمصري خاصةً، المتعلق بالمشاهدة، سهل التأثير على ذهنه وفكره ووجدانه، من خلال دغدغة مشاعره ورغباته، أو كما كتبت، فإن… “العرب لا يقرأون ولا يسمعون، فقط يشاهدون”.

وهكذا، أصبح… “الممثل التليفزيوني أكثر شهرة من المفكر أو الكاتب أو الروائي أو الشاعر أو حتى السياسي”. لكن هذا بالطبع لا يكفي لتفسير حالة التردي الثقافي في المجتمع المصري، من دون الإجابة على سؤال لماذا وكيف وصلنا إلى هذه الحالة؟! هل فعلاً لأن الجماهير جاهلة، ولا تمتلك الوعي الكافي، كما تحاول البزري أن تشير بشكل ضمني؟َ! أم لأسباب أعمق، وأكثر موضوعية، تتعلق بظروف حياتهم، اقتصاديًا واجتماعيًا، تلك الظروف، التي تدفع قطاعات ضخمة من الجماهير، لأن لا تضع الإهتمام بالثقافة، ضمن قائمة أولويات حياتهم.

وبخصوص الوضع الفني، كجزء من الحالة الثقافية للمجتمع، تندهش الكاتبة من درجة الانحطاط، التي وصل إليها الفن في مصر. فعلى صعيد المسلسلات، ترى أن أغلبها مُوجّه لصناعة القدوة من نجم المسلسل، الذي يُصمم من أجله، كل هذا العمل التليفزيوني، ليُلقي النجم/ القدوة المواعظ الحسنة، والفضائل الوهمية علينا. وهذه المواعظ لا تقتصر على كونها دينية فقط، كما يلقيها الدعاة التليفزيونيين، لكن تمتد لأن تكون سلوكية وحضارية ومدنية.

أما على صعيد الأفلام والأغاني، فقد أصبح السوق الفني شرسًا ومراوغًا، يتم فيه إستخدام الإغراء الجسدي والتعرّي، فيما تسميه الكاتبة: الديماغوجية الفنية الرائجة، كأحد أهم وسائل الترويج لأعمال فنية، لا يهتم منتجوها ومخرجوها إلا بإفراغ المزيد من جيوب الجمهور، ذلك الجمهور، الذي تصفه دلال البزري “بالإنفصام الحاد بين الرذيلة والفضيلة”!!.

القسم الثاني من الكتاب، تجمع فيه الكاتبة عدة مقالات، تتناول فيهم قضية المرأة، من زوايا عدّة، بحيث تناقش أوجه اضطهاد المرأة، من التعرض للعنف وسوء المعاملة والتحرش الجنسي، في الشوارع والتظاهرات وأقسام الشرطة، وزيادة معدلات الوفيات، خاصةً لدى الأمهات، وضعف المستوى التعليمي والثقافي، علاوة على العزلة عن ميادين الحياة، الأمر الذي ينعكس على المشاركة السياسية أيضًا-إنتخابات 2005 البرلمانية وصلت فيها 4 نساء فقط للبرلمان الذي يضم 444 مقعد أي بنسبة 0، 9%- لكن ما يسهل ملاحظته هو أن الكاتبة لم تتناول أبداً في السياق، التمييز الاقتصادي ضد النساء، من قِبل أصحاب العمل.

مثّل هندام المرأة المصرية والعربية،فيما يشمل الملابس والحجاب، محور أساسي لعدد من مقالات هذا القسم، ترى الكاتبة أن ملابس المرأة وهندامها يتغيران، مع تغير المجتمع سياسياً، وفي هذا السياق ترى أن الحجاب كان يعني في النصف الأول من القرن الماضي، عزوفاً عن التيار الإستقلالي التنموي والتحرري، لذلك لم يكن له ذلك الرواج والإنتشار الذي هو عليه اليوم. ومن بعد هزيمة 67 أصبح الحجاب يعني انخراطًا في تيار جهادي أصولي، أصبح وسيلة لتوكيد الهوية، ضد عدو مغتصِب. بينما بات رمزًا ملحًا، بسبب ردة الفعل الغربية العنيفة، بعد أحداث 11 سبتمبر وتقوقع المسلمين إثر ذلك.

في الحقيقة، نال الإسلاميين الأصوليين، القدر الأوفر من إنتقادات الكاتبة، لانتقاصهم من حقوق المرأة، في حين لم تنل السلطة الحاكمة قدرًا شبيهًا من هذا الانتقاد.

ولعل رأي الكاتبة في العلاقة الاجتماعية بين الرجل والمرأة، هو من النقص بحيث يبدو غامض، أو على الأقل، غير مكتمل. فهي ترى أن المرأة تقع تحت اضطهاد الرجل، وتحت اضطهاد أوسع، من المجتمع الذي يقسو عليها، ويطرحها هامشاً، لكن ما يجعل تحليلها ناقصاَ هو أنها لا تفسر كيف، ولماذا يمارس الرجل اضطهادًا على المرأة. تدعو فقط الطرفين أن يتخلصا من موبقات “الصراع على السلطة”.

أما القسم الثالث، فتعرض الكاتبة خلاله آراءها في الأحوال السياسية في مصر. وبين معارضتها لديكتاتورية نظام مبارك، حيث الطوارئ والقمع السياسي والتمهيد لتوريث الحكم، وبين انتقاداتها للإخوان المسلمين، واتهامها لهم بالظلامية والإنتهازية، لا تقدم دلال البزري آراء واضحة حول الأزمة السياسية في مصر. لكنها فقط تظل تطالب بتوسيع الهامش الديمقراطي، وإتاحة الحريات السياسية.

ولعل أكثر آرائها إدهاشًا، ما يتعلق بالمقاومة الفلسطينية، وعلاقة الأنظمة العربية الحاكمة بالإدارة الأمريكية، وبالنسبة للمقاومة، فالكاتبة تستنكر وصف العمليات الفدائية بالإستشهادية، بينما تؤيد وصفها “بالإنتحارية”. ويُذكر أنه في يناير الماضي خلال الحرب الأخيرة على غزة، كانت البزري قد كتبت مقالة بجريدة الحياة اللبنانية بعنوان: “في معنى أن تكون مصر أولاً” ،لم يتضمنها الكتاب ضمن مقالاته، تكرر فيها نفس الخطاب الإعلامي المصري بحذافيره تقريباً: السلام مع إسرائيل يجنبنا الحرب، حماس تستفز إسرائيل مما يدفعها للعدوان، مصر قدمت الكثير عبر تاريخها وهذا يكفي.

أما بالنسبة للعلاقة مع الولايات المتحدة، فالبزري تنتقد بعنف ما تسميه “العداء المطلق المركز وغير المبرر” لأمريكا وإسرائيل وتستنكر الأصوات التي تدعو “للمواجهة الشاملة مع الأمريكيين” بدعوى أننا إذ…”نسطر أسمى آيات الكراهية المفتعلة تجاه الولايات المتحدة” فإننا بذلك نستجلب عداوتها، في إشارة واضحة إلى أن عداء نظام صدام لأمريكا هو ما دفع الأخيرة للإجهاز عليه. هكذا دون حتى أي إشارة لأطماع الإمبريالية الأمريكية في النفط العراقي.

   

التعليقات