بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مستقبل الثورة يكتبه الفقراء

الانتصارات العظيمة التي حققتها الثورة المصرية بإطاحتها بالديكتاتور وأركان نظامه فتحت أمام المجتمع المصري آفاق غير محدودة للتخلص من الاستبداد والاستغلال والتبعية. وبقدر ما فتحت أبواب الثورة أبواب الأمل في وجه المصريين لبناء مستقبل أكثر إنسانية بقدر ما فتحت الأبواب لعاصفة من الأسئلة حول مستقبل الثورة التي لم ينتظرها أحد أو يستعد لها أحد. وإذ تحرز الثورة تقدما على مسار القضاء على الديكتاتورية والاستبداد فإن أسئلة هامة حول مستقبل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تطرح نفسها بقوة أمام الثورة وتنتظر الإجابات. هذه الأسئلة يمكن اختصارها بسؤال واحد وهو أي تغيير سيطرأ على أوضاع عشرات الملايين من العمال والفلاحين والفقراء المهمشين في مصر. من الصعب تصور أن الملايين الذين خرجوا في الثورة المصرية وواجهوا جهاز الأمن الرهيب للديكتاتور وتصدوا للرصاص والبلطجة واستشهد منهم المئات سوف يقبلوا باستمرار أوضاعهم المعيشية كما هي في العشوائيات والأحياء الفقيرة ولن يناضلوا من أجل تحسين أوضاعهم مكتفين بما حققته الثورة من مكاسب ديمقراطية توفر للنخب السياسية تقلد المناصب والترشح في الانتخابات.

الملاحظ أن ما يطرح على المستوى الرسمي يتضمن تناقضا صارخا في هذا الصدد. فبينما يتعهد النظام الحالي ممثلا في الحكومة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة بتحقيق الديمقراطية وملاحقة فلول النظام المستبد والقضاء على الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية وهي مطالب الثورة. فإنه يؤكد في الوقت نفسه التزامه بسياسات السوق الحر والعمل على جذب الاستثمارات. والتناقض هنا أن تطبيق سياسات السوق الحرة في مصر ومختلف دول العالم الثالث ارتبط بمنح الرأسمالية امتيازات غير محدودة، وحوافز تدفعها للاستثمار في دول غير جاذبة للاستثمارات بسبب ضعف نموها وتطورها. وفي مصر لم تكن تلك السياسات لتمر إلا في حراسة القبضة الحديدية لنظام مبارك، الذي طبق قانون نزع الأراضي من الفلاحين عبر حملات أمنية على القرى في 1997، وطبق سياسة الخصخصة في حراسة البوليس النقابي وغياب الشفافية وأطلق الرصاص الحي على العمال المضربين في المحلة وكفر الدوار وحلوان. ومن المستحيل تصور أن يستمر النظام بعد الثورة في تطبيق نفس السياسات الاقتصادية مع جرعات من الديمقراطية تضمن بناء نقابات تعبر عن إرادة العمال وحق الإضراب وإصدار الصحف وتكوين الأحزاب السياسة دون قيود.

إن أي حديث عن العدالة الاجتماعية بمعناها الإصلاحي دون أي تطرق لتغيرات جذرية في النظام الاقتصادي يجب أن يتضمن وضع قواعد عادلة للأجور وتوجيه الدعم للفقراء وزيادة دور الدولة في الخدمات الأساسية والمرافق بحيث تضمن للفقراء الحق في السكن والصحة والتعليم وغيرها. ولكن لا يمكن التقدم في أي من ذلك إلا على حساب الامتيازات المقدمة بالفعل للرأسمالية. لا يمكن بالمرة تحسين أوضاع الأجور والخدمات والدعم إلا عبر تحويل دعم المستثمرين الموجه للصادرات والطاقة وغيرها إلى دعم للفقراء. ولا يمكن توفير الاعتمادات اللازمة لتحسين الخدمات وتطوير العشوائيات إلا بإيجاد موارد من ضرائب تصاعدية على الدخل والأرباح الرأسمالية بديلا عن سياسة الإعفاءات والتيسيرات. ولا يمكن بالطبع الحديث عن الفساد دون التطرق لمصير الشركات والمشاريع التي تمت خصخصتها في السنوات الماضية عبر صفقات فاحت منها رائحة الفساد وبيعت بأبخس الأثمان مع مزايا وتسهيلات ووصل سعر بعضها لأقل من قيمة الأرض المقامة عليها، مثل شركة المراجل البخارية. وأعيد بيع بعضها بأضعاف ثمن خصخصتها عقب بيعها مثل شركة كوكا كولا. وارتبط بيع أخرى بمزايا احتكارية مثل شركة المعدات التليفونية. كما لا يمكن التدخل بجدية لضبط الأسعار دون اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الأوضاع الاحتكارية في العديد من السلع الأساسية والإستراتيجية والخدمات. إن أيا من هذه الخطوات يتناقض بوضوح مع السياسة التي تعلنها الدولة اليوم وهي سياسة السوق الحرة الهادفة لجذب الاستثمار. يبدو الخيار صعب أمام الدولة ما بين تحقيق مطالب الثورة بتحقيق درجة من العدالة الاجتماعية عبر اتخاذ إجراءات منفرة لرؤوس الأموال وبالتالي مناقضة للسياسة المعلنة تحت عنوان سياسة السوق الحرة. أو الإبقاء على شعار العدالة الاجتماعية مثلما كان دائما في عهد النظام السابق والذي لم يتوقف عن ترديد مقولة "مراعاة البعد الاجتماعي".

الحقيقة أن خيار تجاهل المطالب الاجتماعية لصالح سياسة جذب الاستثمار لا يمثل تهديد لمطلب العدالة الاجتماعية وفقط ولكنه يمثل عصفا حقيقيا بأي وعد ديمقراطي للنظام الجديد فلا يوجد أمام النظام إزاء المطالب التي يرفعها العمال والفلاحون الفقراء والمهمشين سوى أحد الخيارين إما تلبية المطالب أو القمع ولا عزاء الديموقراطية. وربما البرهان على ذلك هو ما انطلقت فيه وسائل الإعلام الرسمي وبعض وسائل الإعلام الخاصة عقب تنحي مبارك من إدانة مباشرة وغير مباشرة لنضال العمال والحركة العمالية ووصفها مع حركات النضال الاجتماعي بالاحتجاجات الفئوية لتصويرها كحركة خارج نطاق الثورة. وما كان من السلطة الجديدة ممثلة في الحكومة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة سوى إصدار قانون لا يمنع فقط الإضرابات العمالية بل ويعاقب العمال المضربين وحتى المحرضين على الإضراب بالحبس والغرامة. قانون كهذا لا يعد فقط انقلابا على ما أنجزته الثورة من مكاسب ديمقراطية بل إن مبارك نفسه لم يتمكن من إصدار مثل هذا القانون في أزهى عصور الاستبداد. لا يمكن فصل الديموقراطية الحقيقية عن المطالب الاجتماعية بأي طريقة. فمن يطرح تقديم الديموقراطية اليوم مع تأجيل المطالب الاجتماعية وتحسين أوضاع الفقراء والكادحين لا يقدم سوى الوهم. فالديموقراطية ما لم تعني أحزاب ونقابات جماهيرية تطالب وتناضل من اجل تنفيذ مطالب القطاعات الأوسع من السكان وصحف وإعلام مستقل يعرض الأوضاع كما هي دون تشويه وتضليل ستكون مجرد واجهة أفضل بعض الشيء من الواجهة الديموقراطية التي رفعها مبارك لإخفاء السياسات المعادية للفقراء.

والإصرار على سياسة السوق الحر ودعم الرأسمالية مع الوعد بتحقيق العدالة الاجتماعية ليس سوى خداع. فالعدالة الاجتماعية لا يمكن تحقيقها إلا عبر تحويل الامتيازات التي حصلت عليها الرأسمالية لصالح الكادحين وهو ما لن يحدث دون مقاومة من الرأسمالية. والواقع الذي تعيشه الثورة المصرية اليوم لا يسمح بالكثير من الحلول الوسط. فما أنجزته الثورة ليس مجرد الإطاحة بالديكتاتور ولكن الأهم أنها أطلقت طاقة النضال لدى قطاعات واسعة من الذين اضطهدهم وهمشهم نظام مبارك واكتشفوا وجودهم كقوة هائلة في الثورة. هذه القوة لا يمكن أن تتوقف دون أن تحصل على حقها في حياة كريمة وأوضاع إنسانية. والأهم أن الأوضاع الاقتصادية محليا وعالميا لا تمنح النظام فرصة كبيرة للمناورة أمام جماهير يقظة ومستعدة للنضال. فالثورة المصرية انطلقت في ظل أزمة اقتصادية عالمية وضعت الرأسمالية في مأزق حقيقي دفعها للاعتداء أصلا على حقوق ومكاسب العمال على مستوى العالم ووضع خطط تقشف أيقظت انتفاضات في دول أكثر استقرارا وتقدما من مصر. ما يعني أن الدعم والمساندة التي ستحظى به الرأسمالية المصرية لن يكون سخيا ولن يخلو أيضا من شروط قاسية كالتي فرضت على اليونان وفجرت مظاهرات عارمة هناك. كذلك تأثر الاقتصاد المصري بشدة جراء الأحداث في مصر والمنطقة فانخفضت بشدة عائدات السياحة والاستثمارات المباشر وانخفض الجنيه أمام الدولار بما يعني زيادة أسعار الواردات. هذا في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار السلع الغذائية على مستوى العالم لتصل لأرقام قياسية وترتفع كذلك أسعار الطاقة رافعة معها العديد من الأسعار. هذه الأمور تعني أن أوضاع الأزمة تزحف بقوة وتحرم النظام من فرصة الحلول الوسط في ظل موجة ارتفاع الأسعار والضغط على مستويات معيشة الفقراء.  

لكنه أيضا وفي عصر الثورات تعطي المطالب الاجتماعية طابعا أكثر جذرية يجعل المكاسب الاجتماعية المتواضعة يستدعي تنازلات قاسية من الرأسمالية يصعب تصور قبولها دون مقاومة شديدة تطور للصراع الطبقي. ولا يمكن تغافل عاملا آخر مؤثر في الأوضاع المصرية وهو هذا الامتداد لحالة الثورة وانتقالها من بلد لآخر وتوقعات امتدادها للمزيد من البلدان حتى جنوب أوروبا وأسيا ما يعني المزيد من الأزمة الرأسمالية التي تدفع الصراع لحدوده القصوى. إن ما ينتظره الواقع المصري من أحداث قد يتجاوز ما جرى بالفعل في ظل أزمة تتفاقم فارضة خيارات اجتماعية حاسمة. وفي ظل اتساع دائرة الثورة قاطعة الطريق على العديد من الخيارات الوسط. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه على مستقبل الثورة هو من سيخوض الصراع القادم وبأي قوى. لقد سارعت الرأسمالية بترتيب أوضاعها خلال الثورة وشرعت في بناء مؤسساتها وأحزابها سواء بواجهة دينية أو مدنية محاولة لجم قوى الثورة الاجتماعية وفرض نهاية ملائمة لها تسمح بمؤسسات حكم تتسع لأحزاب الليبرالية الجديدة. وهنا تأتي أهمية مبادرات بناء منظمات النضال الاجتماعي التي انطلقت مع الثورة وسبق بعضها الثورة وكان مقدمة لها. وهي النقابات العمالية المستقلة. ولجان الدفاع عن الثورة. وحزب العمال. وهذه مجرد أمثلة للمبادرات الموجودة بالفعل لا تهدر قيمة مبادرات أخرى سواء كانت موجودة أو ستوجد في المستقبل فحركة النضال الاجتماعي أثبتت دائما أنها أكبر من محاولات التنبؤ بها. وإذا تعرضنا سريعا لهذه الأشكال الكفاحية سنعرف مدى أهميتها في المرحلة القادمة.

فالنقابات المستقلة التي بدأ تأسيسها منذ عام 2008 وتتسع اليوم بقوة تحاول نقل حركة النضال العمالي من الحالة العفوية إلى درجة أكثر تنظيما تحافظ على استمرار تصاعدها وتنتقل بالمطالب العمالية من الحدود المصنعية التي تتركز على تحسين بعض الأوضاع على مستوى الموقع العمالي الواحد إلى المطالب التي تشمل أوضاع الطبقة العاملة ككل مثل هيكل الأجور بحديه الأدنى والأقصى والاستقرار في العمل والحق في التنظيم العمالي المستقل. والحقيقة أن النضال من أجل نقابات مستقلة مكافحة وجماهيرية أمر لا يتعلق فقط بالعمل على تطوير المطالب العمالية وتنظيم الحركة العمالية. ولكنه يعد أحد أهم مقتضيات النضال الديموقراطي. فالحركة النقابية المستقلة هي الوحيد التي من شأنها أن تقطع الطريق على التنظيم النقابي الحكومي الذي ظل في خدمة أنظمة الحكم الاستبدادية المتتالية موفرا لها غطاءا عماليا ومسوقا لأي سياسات مهاما كانت. من مطالبة الجيش بالاستمرار للسلطة في عهد عبد الناصر أو مرافقة السادات في زيارة القدس أو الترويج لسياسة الخصخصة في عهد مبارك. إن النضال من أجل بناء حركة نقابية مستقلة ومناضلة تحشد جموع العمال هو رأس الحربة في النضال الاجتماعي.

أما لجان الدفاع عن الثورة التي تشكلت مع اندلاع الثورة في الأحياء والمدن والقرى. ورغم بدايتها كلجان حراس بعد انهيار وانسحاب جهاز الداخلية وعمل أفراد ومجموعات منه على ترويع المواطنين إلا أن لجانا نشأت في أعقاب الثورة لتنظيم النشطاء في الأحياء والمدن والقرى في حركات للمطالبة بالعدالة في توزيع الخدمات بين المناطق المختلفة ومحاربة ارتفاع الأسعار ومحاسبة المسئولين المحليين والمطالبة بانتخابهم وليس تعيينهم. وتمثل لجان الدفاع عن الثورة في حال تطورها وتماسكها وانتشارها قاعدة قوية للنضال الاجتماعي في الأحياء والمدن والقرى.

حزب العمال الذي انطلقت مبادرته أيضا في أعقاب الثورة يمثل تعبيرا عن حق العمال في امتلاك تنظيماتهم ليس فقط النقابية ولكن أيضا تنظيماتهم السياسية التي تطرح القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من وجهة نظر الحركة العمالية ومصالح الطبقة العاملة. إن مسألة بناء منظمات للنضال الاجتماعي أمر بالغ الصعوبة والتعقيد في وجود شراذم الحزب الوطني ومختلف الجهات ذات المصالح المتناقضة وطموح العديد منها لإخضاع المنظمات الشعبية لمصالحها وأهدافها. ولكن مع تزايد أوضاع الأزمة التي تدفع كل يوم قطاعات للنضال من أجل مطالبها وحقوقها ومع تزايد اهتمام قطاعات من الفقراء والمهمشين بالعمل والنضال العام ومع وجود مبادرات دائمة للفعل والعمل تبدو إمكانيات بناء وتطوير حركة نضال اجتماعي منظمة وجماهيرية أكبر من أي لحظة سابقة. ومع صعود الحركة الليبرالية بأحزابها وقدراتها التنظيمية والسياسية ودفاعها عن السياسات الرأسمالية حتى مع رطان اجتماعي يجعل وجود منظمات تعبر عن العمال والفلاحين والفقراء أمرا غاية في الضرورة يمنع على الأقل أي قوى من انتحال تمثيلهم.

افتتحت الثورة المصرية عصر الآمال العظيمة ومع امتداد الثورة في العديد من الدول تزايدت الآمال. ومع استمرار أزمة الرأسمالية وتفاقمها في مصر والعالم أصبح دور الطبقة العاملة وحلفائها من الفلاحين والطبقات الفقيرة أكثر إلحاحا لحسم مسار الثورة. شرط أن تمتلك الطبقة العاملة قدراتها التنظيمية التي تخوض بها صراعا تفقد فيها الرأسمالية قدرتها على الاستمرار إلا عبر القضاء على كل ما أنجزته الثورة. صراع يتحدد فيه الطريق الذي سيسير فيه مجتمع الثورة وسط العديد من المسارات يصعب التمييز بينها عندما يتحدث الجميع باسم الثورة ويكرم شهدائها.

التعليقات