بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نحو الثورة المصرية الثانية

2012_10_18_5404916046_bac95f8935_z

الثورات الكبرى في التاريخ الحديث تأخذ العديد من السنوات ومن المد والجزر والانتصارات الجزئية وأيضاً الهزائم الجزئية، وهي ثورات عادة ما تبدأ بوحدة مؤقتة وظاهرية بين كافة معارضي النظام القديم ولكن مع بدايات سقوط ذلك النظام سرعان ما تنقسم تلك القوى طبقاً للمصالح التي تعبر عنها ومفهومها للثورة وتحديدها لأهدافها، بين استكمال الثورة ووقفها وبين المطالب السياسية والمطالب الاجتماعية للثورة.

وتزداد الخريطة تعقيداً مع دخول طبقات وفئات وقوة جديدة ومتنوعة وكلما بدأت الثورة في المس بالمصالح الحيوية للطبقات والشرائح التي كانت تشكل قلب النظام القديم كلما بدأت تلك الطبقات في تنظيم صفوفها ومحاولة إنجاح ثورة مضادة تعيد النظام القديم ولو بشكل جديد ووجوه جديدة مع بعض التنازلات الشكلية المحدودة.

يجب هنا التمييز بين نوعين من الثورات. فهناك ثورات سياسية محدودة تطيح برأس الدولة القديم ولكنها تبقي ليس فقط على النظام الاجتماعي والاقتصادي القديم بل بنفس مؤسسات الدولة القديمة كما هي ولكن بقيادات مختلفة.

ومن البديهي أن هناك علاقة وطيدة بين مؤسسات الدولة والطبقات الاجتماعية التي تخدم مصالحها وتحميها بالقوانين والدساتير والبرلمانات والقوة المسلحة. فالدولة ليست ولم تكن أبداً قوة سلبية تعبر عن مصالح “الشعب” ولكنها قوة طبقية تعبر عن وتحمي ذلك الجزء الضئيل من الشعب الذي يملك الثروة وبالتالي السلطة الحقيقية؛ فالجيش ليس حامياً للشعب أو للوطن بل حامياً للمصالح الداخلية والخارجية لكبار رجال الأعمال والشركات المحلية والأجنبية الكبرى. هذه طبيعة ودور المؤسسة وبالتالي فتغيير هذا الجنرال بجنرال آخر لا يغير شيئاً في طبيعة المؤسسة.

والشرطة ومختلف الأجهزة الأمنية ليست في خدمة الشعب ولكن في خدمة الملكية الخاصة ومن يملكوها بل أن دورها الأساسي هو قمع وقهر كل من يتجرأ على هؤلاء.

أما القضاء، فالفكرة الساذجة حول استقلاله كمؤسسة لا أظن أن هناك عاقلاً في مصر يستطيع الدفاع عنها بعد سلسلة المهازل التي برأت ليس فقط الضباط القتلة بل حتى عصابة موقعة الجمل.

وهكذا أيضاً الجهاز الإداري للدولة، نفس الفساد، نفس المصالح، نفس الدولة.

وحتى لو افترضنا جدلاً أن البرلمان مختلف عن تلك المؤسسات الأخرى لأنه الوحيد فيهم الذي يتم انتخاب أعضائه بدرجة من الديمقراطية وحتى لو افترضنا أن جميع من انتخب كان نتيجة اختيار حر للجماهير وليس بمليارات الجنيهات والتعبئة الدينية فلا حول له ولا قوة أمام أصحاب السلطة والثروة الحقيقيين.

إن أحداث الشهور الثلاث الماضية تؤكد كل ذلك.

الثورة مكنت الإخوان من الوصول إلى السلطة واستبدال رؤوس النظام القديم، ولكن الإخوان لا يريدون استكمال الثورة، ولا يريدون المساس بجوهر النظام القديم ودولته، ولا يريدون بالطبع المساس بمصالح مليارديرات مصر أصحاب السلطة والثروة الحقيقيين. في مصر اليوم 490 مليارديراً (بالدولار الأمريكي) زادت ثرواتهم منذ الثورة، وفي مصر أيضاً 40 بالمئة من السكان تحت خط الفقر ازدادوا عدداً وفقراً منذ الثورة.

وقد أعاد مرسي والإخوان الشرطة إلى الشارع المصري، ليس لتنظيم المرور وتأمين الأحياء وخدمة الشعب بل لفض الاعتصامات والإضرابات واعتقال قادتها وعودة التعذيب والقتل لترهيب الجماهير.

وقد بدأ مرسي ولايته ليس بزيارة تونس – مفجرة الثورات العربية – بل بزيارة السعودية مملكة الظلام حامية الطغاة والمركز الرئيسي للثورة المضادة في منطقتنا.

وقد بدأ مرسي مشروع نهضته ليس بالإعلان عن مشاريع للدولة لتحسين الأجور أو حل أي من المشكلات الجذرية لغالبية الجماهير، بل بالموافقة على قرض صندوق النقد الدولي والذي لعب دوراً تاريخياً منذ التسعينات في عهد مبارك في فرض سياسات الإفقار والتهميش والتجويع لغالبية المصريين وتسهيل النهب ومراكمة الثروات ليس فقط في مصر بل في مختلف أنحاء العالم.

حتى غزة التي طالما تغنى الإخوان بالعذاب والحصار الذي يعاني منه أهلها فقد خانها مرسي وأمر بهدم كافة الأنفاق التي كان يعتمد عليها ذلك الشعب البطل في إدخال الغذاء ومستلزمات الحياة اليومية، بدون توفير بديل وهو فتح معبر رفح كاملا أمام حركة البشر والبضائع.

أما اتفاقية كامب ديفيد جوهر السياسة الخارجية لنظام مبارك وأساس التبعية التامة لمصالح أمريكا؛ فلم يتوقف مرسي يوماً عن إعلانه الالتزام التام بها. وعندما نزل شباب الثورة لميدانهم ميدان التحرير ميدان الشهداء ليذكروا مرسي والإخوان بالشهداء وبالوعود الكاذبة وبخيانتهم لأهداف الثورة عبر مرسي وقيادات الإخوان ليس فقط عن عدائهم للثورة والثوار باستخدام نفس أساليب بلطجة النظام السابق بل أيضاً درجة لا بأس منها من الارتباك والغباء السياسي توجه بمسرحية إقالة النائب العام، ذلك المجرم الذي لم يواجهه الإخوان بكلمة منذ الثورة.

الدستور ومتاهته:
إلى جانب أن اللجنة التي تصيغ الدستور ليست مجلساً منتخباً من الشعب مباشرة لهذه المهمة وهي سابقة هزلية في تاريخ كتابة الدساتير بعد أو خلال الثورات.

فالمهزلة الحقيقية هي أن الدستور الذي يتبلور اليوم من قبل هذه النخبة غير المنتخبة لا يمت بصلة بالثورة المصرية ومطالبها ولا يختلف جوهرياً عن دستور نظام السادات/مبارك من حيث عدائه للفقراء وتجاهله لمصالح وحقوق الجماهير، وبه ما يكفي من الإبهام في البنود حول الحريات يمكن الدولة من الاستمرار في نفس سياسات البطش التي هذا إلى جانب البنود الإسلامية التي يصر الزج بها الاسلاميون والتي ستجعل فكرة المساواة بين المسلمين وغير المسلمين وبين الرجال والنساء وحرية العقيدة والرأي مجرد شعارات فجواء ورغم الاختلافات الصاخبة بين الليبراليين والإسلاميين حول الدين في الدستور نجد الطرفان في تناغم شبه تام حول النصوص الحامية لرأس المال والرأسماليين على حساب فقراء مصر.

وفي جميع الأحوال فالدستور كما في النصوص الدينية لا يرتبط بالواقع إلا من خلال متاهات التفسيرات القانونية والفقهية. وطالما ظل المفسرون جزء لا يتجزأ من الطبقة الحاكمة ودولتها طالما يظل الدستور مجرد ورقة لتبرير سياسات النظام الجديد القديم.

هذا لا يعني أن النضال ضد هذا الدستور المعادي للثورة وفضح مضمونه ليس هاماً ولكن فقط أن ذلك النضال لن يتم في الأروقة الفقهية والقانونية بل في الميادين والمصانع والأحياء الفقيرة لتوعية الجماهير بعداء النخبة الحالية لمصالحهم ولثورتهم وللحاجة لتغير توازن القوة لصالح الجماهير لتصبح قادرة على الإطاحة ليس فقط بالدستور ولكن بالنخبة التي تنتجه.

الإخوان والسلفيين وكيفية مواجهتهم:
طالما نظرنا للإخوان والإسلاميين عموماً كقوى شعبوية إصلاحية محافظة اكتسبت شعبيتها كقوى معارضة أحياناً ومهادنة أحيانا للنظام القديم، واكتسبت شعبيتها جزئياً نتيجة لفشل اليسار في بناء بديل ثوري جماهيري بل وفي تذيل بعض فصائله للنظام القديم وأجهزته الأمنية.

وكانت تحليلاتنا تشير إلي التناقضات بداخل وما بين مختلف التيارات الإسلامية. بين قياداتها البرجوازية وقواعدها البرجوازية الصغيرة وبين دوائرها الأوسع في الطبقة العاملة والأحياء الفقيرة. تلك التناقضات كانت دائماً ما يتم احتواءها من خلال الشعارات الدينية المبهمة من جانب وكونهم رغم المهادنات المتكررة كان ينظر لهم من قبل قطاعات من الجماهير كالمعارضة الوحيدة الجادة للنظام في غياب البدائل.

لهذا فكان من الطبيعي أن ينتخبهم قطاع واسع من الجماهير بعد اندلاع الثورة. هذا دائما ما يحدث في المراحل الأولى للثورات. فوعي الجماهير لا يقفز فجأة إلى وعي ثوري متكامل.

في الثورة الفرنسية على سبيل المثال كانت الأغلبية في الجمعية الوطنية المنتخبة من الملكيين الدستوريين الذين كانو يريدون الإبقاء على الملكية مع بعض الإصلاحات الطفيفة وكان الثوريين في تلك المرحلة في الأقلية ولم يتمكن يسار الثورة المتمثل في اليعاقبة من كسب الأغلبية وإعدام الملك والبدء في الحرب الحقيقية على الأرستقراطية إلا بعد ثلاث أعوام من اندلاع الثورة.

وفي الثورة الروسية لم يأتي بالبلاشفة ولينين إلى السلطة بل وصل إلى السلطة ممثل لمعارضة إصلاحية لم تحقق أياً من أهداف الثورة حتى حصل البلاشفة على الأغلبية في مجالس العمال والفلاحين والجنود وأطاحوا ببقايا النظام القديم في ثورة أكتوبر العظيمة.

إذاً فوصول الإخوان والسلفيين إلى السلطة ليست نهاية المطاف بل مرحلة انتقالية تستدعي نضالاً صبوراً وقوياً لكسب الأغلبية لمشروعنا الثوري ولضرورة الثورة المصرية الثانية.

عامل رئيسي في هذه العملية هي كسب قطاعات واسعة من جمهور الإسلاميين واستغلال تناقضاتهم الطبقية والتي ساعدت سياسات قادتهم منذ اندلاع الثورة وحتى اليوم في البدء في تفجيرها.

ولكن هذه العملية تستدعي ألا نترك منبراً أو مجالاً لا ننافس فيه الإخوان والسلفيين من أجل كسب عقول وقلوب الجماهير التي مازال لديها أوهام حول الإسلاميين أو على الأقل لا يرونا بعد كبديل جاد.

وهذا يعني أن نشارك في كافة المعارك الانتخابية سواء البرلمانية أو المحلية ليس إيماناً منا بالبرلمان كمجال للتغيير الحقيقي ولكن لكي لا نترك أي ساحة لا نستخدمها في فضح ليس فقط الإخوان والسلفيين بل أيضا الفلول والليبراليون ونشرح بصبر للجماهير مشروعنا الثوري ونكسبهم لصفوفنا.

الطبقة العاملة والطبيعة الاجتماعية للثورة المصرية:
شاركت قطاعات واسعة من الطبقة العاملة المصرية في الثورة منذ أيامها الأولى. في البداية بالمشاركة الفردية في المظاهرات والمواجهات واعتصامات الميادين. ولكنها لعبت الدور الحاسم في إزاحة مبارك بموجة هائلة من الإضرابات الكبرى أقنعت قيادة جيشه وحليفه الأمريكي بضرورة رحيله لإنقاذ النظام.

ومنذ ذلك الحين ونحن نشهد موجة بعد موجة من الإضرابات العمالية تزداد عمقاً واتساعاً ووعياً. فمع كل انتصار جزئي للثورة على المستوى السياسي، ومع كل تراجع لبقايا النظام تزداد ثقة الطبقة العاملة بقدرتها على الهجوم من أجل مطالبها الاقتصادية والاجتماعية. والعكس صحيح فمع كل موجة إضرابية كبرى يعطي ذلك دفعة قوية للمطالب السياسية والديمقراطية.

لابد أن نتذكر دائماً أن الثورة المصرية لم تبدأ في يناير 2011 بل كان لها مقدماتها الهامة في تلك الموجة من الإضرابات العمالية والاحتجاجات الجماهيرية، والتي اندلعت في المحلة في 2006، ثم انتشرت كالنار في الهشيم في كافة أنحاء البلاد، ولعل انتفاضة المحلة عام 2008 كانت البروفة الحقيقية للثورة. وقد جاءت تلك الموجة بعد موجات سابقة من التظاهرات السياسية تضامنا مع الانتفاضة الفلسطينية ثم حرب العراق وأخيرا الحركة الديمقراطية ضد التوريث والاستبداد.

تؤكد تلك المقدمات أن الثورة المصرية لم تكن مجرد ثورة سياسية تريد الإطاحة برأس الدولة واستبدالها بنخبة أخرى بل كانت ولا زالت ثورة سياسية واجتماعية تطمح بتغييرات أكثر عمقاً وخطورة من مجرد بعض الإصلاحات الديمقراطية واستبدال نخبة حاكمة بأخرى مبارك بمرسي على سبيل المثال.

علينا أن ننظر للموجة الحالية من الإضرابات والاعتصامات وهي الأكبر منذ الشهور الأولى للثورة (حوالي أكثر من ألف إضراب خلال الشهرين الماضيين)، وهي تختلف عن سابقتها في كونها تأتي في أعقاب أول انتخاب رئاسي ديمقراطي في تاريخ مصر. وهذا مؤشر هام لدرجة الوعي السياسي الاجتماعي للحركة العمالية المصرية فالوعود الشعبوية في خطابات مرسي لم تخدع الطليعة العمالية التي سرعان ما اكتشفت الجوهر الطبقي لسياساته ومستشاره الملياردير الشاطر الذي لا يقل عداءاً للعمال ومطالبهم عن جمال مبارك وأحمد عز.

ولكن رغم قوة واتساع وعمق الموجات العمالية الحالية فالطريق مازال طويلاً لتصبح تلك الحركة رأس حربة الثورة المصرية الثانية. فهي أولاً: لا تزال متفرقة ومجزئة بين مختلف الصناعات والقطاعات والمناطق الجغرافية. وهي ثانياً: رغم حجمها مازالت لا تمثل سوى أقلية من الطبقة العاملة المصرية، فغالبية عمال مصر يعملون في ورش ومحال في ما يسمى القطاع غير الرسمي المشتت بين مختلف الأحياء الفقيرة والعشوائية في مدن مصر. هؤلاء يواجهون استغلالاً مضاعفاً وصعوبة شديدة في النضال من أجل مطالبهم والارتباط بقلب الحركة العمالية المشتعلة في كبرى المصانع والشركات والمرافق التي يتركزون فيها. والصعوبة الثالثة: أنه رغم العمل الدؤوب في التضامن مع الحركة العمالية ومحاولات الربط بين أطرافها وإنشاء النقابات المستقلة يظل ذلك كله حبيس الحدود النقابوية التي تفصل بين النضال المطلبي الاقتصادي وبين المطالب والنضالات السياسية الثورية. فبدون تراكم أقلية قوية متبنية للمشروع الثوري على المستوى السياسي والاجتماعي ستتمكن القوى البرجوازية من استيعاب الحركة وخلق بيروقراطية عمالية مهادنة تفرمل الحركة وتحرف مسارها.

يواجه الاقتصاد المصري أزمة مركبة؛ فكبار رجال الأعمال يقلصون من استثماراتهم وكثير من المصانع يتم إغلاقها، والتزامن بين الركود في الاقتصاد العالمي وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في مصر يؤثر سلباً على قطاعات السياحة والصناعات التصديرية باستثناء البترول والغاز الطبيعي. وخطة مرسي لمواجهة هذه الأزمة هي مزيج من التقشف وتعميق السياسات الليبرالية الجديدة التي كان يتبناها سابقه المخلوع. هذا يعني أن المواجهات التي بدأت خلال الشهرين الماضيين ستزداد حدة من الجانبين.. موجات متتالية من الاعتصامات والإضرابات من جانب الحركة العمالية واستخدام متصاعد للقمع والشرطة في مواجهتها.

حول التحالفات والجبهات والأحزاب والمعارك السياسية القادمة:
التحولات المتتالية لمختلف القوى السياسية وظهور العديد من التحالفات والجبهات والأحزاب الجديدة استعداداً لانتخابات مجلس الشعب الوشيكة تحتاج لكثير من التأمل لفهم الساحة السياسية في مصر اليوم ومكاننا في تلك الخريطة المعقدة.

لعل أخطر ما يحدث هو أن غالبية التحالفات يتم بناؤها على أساس التناقض المدني الإسلامي وليس حول استمرار الثورة أو البرامج الاجتماعية لمختلف الأحزاب. فنجد تحالفاً بين الفلول وبعض الليبراليون تحت قيادة عمرو موسى وأيمن نور تحت إسم تحالف الأمة المصرية ثم حزب المؤتمر. وهناك التيار الشعبي والذي أسسه حمدين صباحي على أساس حملته في الانتخابات الرئاسية. وهناك حزب الدستور (البرادعي وجورج إسحاق وغيرهم) وحزب مصر القوية (عبد المنعم أبو الفتوح) والحزبين الأخيرين لم يقررا بعد أي من التحالفات ستشملهم. وهناك على اليسار التحالف الديمقراطي الثوري الذي يضم عدد من قوى اليسار إلى جانب حزب التجمع.

وهذا كله في مواجهة حزب الحرية والعدالة الحاكم وحلفائه من القوى السلفية. وبالطبع كل هذه الأحزاب والتحالفات في حالة سيولة شديدة سواء على مستوى المواقف والحركة من تحالف إلى آخر.

ما هي المبادئ التي تحكم تدخلنا واشتباكنا مع تلك الخريطة المعقدة والمتنوعة والمتغيرة؟ أولاً أنه لا يمكننا تحت أي حال من الأحوال أن ننعزل عن المعارك السياسية والانتخابية القادمة فذلك سيحرمنا من فرصة الدعاية المطلبية والسياسية العامة وترك الساحة لأعدائنا ومنافسينا احتكار تلك الساحة السياسية. ثانياً علينا أن نتذكر أن دخولنا في أي جبهة أو تحالف تحكمه استراتيجية الجبهة المتحدة؛ أي عمل مشترك مؤقت حول نقاط برنامجية محددة، دون إنزال رايتنا المستقلة أو التنازل عن حق انتقاد القوى التي نعمل معها بالطبع في حدود ما لا يفجر العمل المشترك نفسه. ثالثاً يجب أن نتذكر أن هناك عودة في الانتخابات القادمة للفلول أو من يمثلهم تحت ذلك العنوان المطاط “القوى المدنية” وفي تحالف مع قطاع من الليبرالية اليمينية. إذاً فهناك معركة ضد الحزب الحاكم وحلفائه من اليمين ومعركة من اليسار. لايجب أبداً أن تختلط أوراقنا مع من يريد الاستفادة من الفلول بحجة تقوية الجناح المدني وضرورة تجميع كل القوى المدنية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.

إن معركتنا هي معركة استمرار الثورة والتحضير للثورة المصرية الثانية. من سيحارب هذه الأهداف ليس فقط الإخوان وغالبية السلفيين بل أيضاً الفلول وهم ما زالوا في قلب الدولة المصرية وغالبية القوى الليبرالية المدافعة عن نفس الدولة الرأسمالية ولكن بشكل أقل دينياً.

رابعاً وأخيراً علينا صياغة الحد الأدني المقبول لبرنامج مطلبي انتخابي ولكن بدون أن يكون حدنا الأدنا منفراً لأي من القوى السياسية. يجب أن نكون من المرونة والثقة التي تسمح لنا التواجد في الساحة وتحمينا من الانعزال والانحراف.

عودة إلى الدولة والثورة:
طرحنا في بدايات هذه الورقة أن التغير الذي أحدثته الثورة المصرية حتى الآن هو تغيير في السلطة السياسية دون المساس بجوهر الدولة المصرية بمؤسساتها العسكرية والأمنية والقضائية والحكومية. الرموز من العهد السابق تغيرت ولكن المؤسسات نفسها لم يتم المساس بها. والجانب الآخر من نفس هذه العملة هو بقاء الطبقة الحاكمة – كبار مليارديرات مصر – بكامل ثرواتهم المنهوبة من دم الشعب. الإخوان وكافة القوى اليمينية والوسطية والإصلاحية ليس من مصلحتهم المساس بتلك المنظومة – أي الطبقة الحاكمة ودولتها الحامية.

ولكن لا يمكن تفكيك الدولة والبدء في بناء دولة العمال والفلاحين دون كسب غالبية الجماهير الكادحة لهذا المشروع الثوري، والتي لا زال يتأثر وعيها بالقوى اليمينية والوسطية والإصلاحية. ومازالت القوى الثورية – والمقصود هنا بكل من يريد استكمال الثورة المصرية – محدودة التأثير. ويتطلب تغيير هذا الوضع إلى عمل دؤوب وصبور على ثلاث مستويات.

المستوى الأول هو الالتحام الدائم مع المعارك المطلبية والاحتجاجية ليس فقط من أجل التضامن والتوحيد ولكن لكسب القيادات العمالية والفلاحية ومناضلي الأحياء الفقيرة والقطاعات المضطهدة في المجتمع على رؤيتنا الثورية طويلة المدى.

المستوى الثاني وهو المستوى التنظيمي. فتراثنا التنظيمي الثوري هو أحد أهم أسلحتنا في المرحلة المقبلة وبناء التنظيم وتحوله لتنظيم جماهيري واسع وذو قواعد راسخة ليس بالأمر الهين فسيقف في طريقنا محاولات دائمة للتخريب وللتعطيل وسرعة النمو وهي ضرورة في لحظة كهذه ستدخل تنويعة واسعة من العناصر غير الملمة بتراثنا الثوري وهو ما يستلزم أكبر قدر ممكن من الجهد الاستيعابي والتثقيفي والتدريب العملي مع صرامة شديدة مع كل مخرب أو عميل.

والمستوى الثالث هو المستوى الأيديولوجي والدعائي، فعلينا شن حرب لا هوادة فيها ضد الأفكار اليمينية سواء كانت ليبرالية أو إسلامية ونشر الفكر الماركسي على أوسع نطاق. فالرأسمالية العالمية والمصرية في حالة انهيار والطبقة العاملة المصرية في حالة انتفاض شبه دائم وهذه الظروف التاريخية لا تتكرر كثيراً فإما التقدم نحو الثورة المصرية الثانية أو يكون مصيرنا انتصار الثورة المضادة.

التعليقات