بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

الثورة في زمن الثكنة:

عقود من العسكرة والنضال مازالت مستمرة

يسقط حكم العسكر

نادراً ما نجد وزارة أو مؤسسة أو هيئة حكومية تخلو من رتب رفيعة من الجيش هبطت بالباراشوت لتعتلي مناصب قيادية بغض النظر عن الكفاءة المهنية أو حتى التخصص. إلا أن الأمر أبعد من أن يكون مجرد “مكافأة نهاية الخدمة” لسيادة اللواء الذي يتم تعيينه كمستشار أو مدير في جهة مدنية بعد خروجه على المعاش.

فعلى مدار ما يقارب الستين عاماً، أراد النظام أن يجمع بين يديه كل الخيوط وأن يُحكم سيطرته على الجماهير من أسفل من خلال شبكة عملاقة من الأذرع التي تمتد بدءاً من الوزارات والمجالس المحلية، وصولاً إلى الهيئات الحكومية والمؤسسات والشركات في كثير من الأحيان.

ضباط أحرار لحبس مصر
في البلدان التي تسيطر عليها أنظمة ديكتاتورية لا تستند إلى منظمات قاعدية موالية لها لاستيعاب غضب الجماهير من أسفل، يصبح من الواضح أن على هذه الأنظمة أن تتدخل بشكل مباشر للتحكم في مقاليد الأمور لضمان عدم الخروج عن السيطرة، بالأخص في فترات الأزمات الاقتصادية التي تدفع بالملايين نحو التمرد على المنظومة الاجتماعية القائمة.

وفي حالة الأنظمة العسكرية، فضلاً عن المحاكمات العسكرية والقوانين الاستثنائية، يمتد الأمر إلى عسكرة الدولة نفسها بكل مؤسساتها وهيئاتها المختلفة. وهذا بالذات ما يشرع المجلس العسكري فيه منذ توليه السلطة في فبراير الماضي.

لكن الأمر لم يبدأ مع تنحي مبارك، ولا حتى مع توليه السلطة في 1981، بل منذ أن اعتلت حركة الضباط الأحرار سدة الحكم إثر الانقلاب العسكري في يوليو 1952.

تبنى النظام العسكري لعبد الناصر ورفاقه مشروع التنمية المستقلة المبني على احتكار الدولة لأدوات الإنتاج وكل مصادر الثروة في البلاد. ولقد استلزم هذا المشروع بناء صناعة قومية تحتكرها الدولة لا لصالح الاحتياجات الجماهيرية بل من أجل مراكمة رأس المال في يد الدولة، وفق ما نسميه نحن، ليس الاشتراكية، بل “رأسمالية الدولة”. وبالمناسبة كان ذلك هو السبب وراء تدشين المراحل الثلاثة للإصلاح الزراعي، حيث تم توزيع الأراضي على العائلات الفلاحية مقابل أقساط يدفعونها على أكثر من 40 عاماً لتمويل المشاريع الصناعية للدولة الناصرية.

كل ذلك بالتوازي مع مصادرة العمل السياسي والانفراد بالسلطة بعدما تم رفض العودة للثكنات وحل الأحزاب وما تلى ذلك من الزج بالمناضلين السياسيين في المعتقلات.

في إطار كل ذلك، كان لابد من بناء “ثكنات عسكرية” في القلب من الجماهير تعمل كخطوط دفاع عن النظام وتضمن احتواء أي نضال جماهيري قد يعرقل مخططاته، بل وتقوم بتجييش الجماهير خلف الدولة الناصرية في ظل الاحتكار الكامل للاقتصاد والسياسة.

هكذا عمد جمال عبد الناصر إلى إنشاء “منظمة الشباب” وثيقة الصلة بالأجهزة الأمنية والتي مثلت ذراعاً شبابياً نشيطاً للنظام بالأخص في الجامعات. ومن أجل ضمان السيطرة على الحركة العمالية، أمر عبد الناصر، في يناير 1957، بإنشاء الاتحاد العام لنقابات عمال مصر ليكون بمثابة ثكنة عسكرية تتخفى في رداء عمالي، حيث كان الهدف من كافة تدخلاته هو مساعدة النظام على تهدئة الأوضاع علاوة على إدانته للتحركات العمالية ودوره الأمني في إجهاضها، وبالطبع أدى ذلك الوضع لعرقلة الحركة النقابية لعقود تالية من الزمن.

تحولات اقتصادية وعسكرة جديدة
لقد جرت في النهر مياه كثيرة بعد انهيار التجربة الناصرية إثر فشل مشروع التنمية المستقلة ومأساة الهزيمة في 1967؛ فلقد شهد الاقتصاد المصري تحولات جثام خلال العقود التالية على يد السادات ومن بعده مبارك، حيث التبني الكامل لسياسات السوق الحر وفق أجندة صندوق النقد الدولي.

إلا أن برغم هذه التحولات الاقتصادية التي شملت قطيعة تامة مع الإرث الناصري، ظل الاستناد إلى المؤسسة العسكرية -ولو اتخذ شكلاً مختلفاً- ضرورياً بالنسبة للنظام، سواء من حيث التدخل بالقمع المباشر (مثلما قمعت قوات الجيش انتفاضة الخبز في يناير 1977، أو عندما سحقت انتفاضة الأمن المركزي في فبراير 1986)، أو من خلال زرع جنرالات في المؤسسات والهيئات الحكومية، إلخ.

فالطريق إلى الليبرالية الجديدة والسوق الحر يمر عبر العديد من الإجراءات المحفوفة بالمخاطر بالنسبة لأي نظام، حيث انسحاب الدولة من تقديم الخدمات الاجتماعية ورفع الدعم حتى على السلع الاستهلاكية الأساسية والخصخصة واسعة النطاق، إلخ. ومثل هذه الإجراءات قد تدفع الملايين إلى التحرك ضد النظام لما لها من تبعات اجتماعية شديدة القسوة على الحياة اليومية لجماهير الفقراء والعمال.

وحتى إذا تناولنا الأمر في السياق العالمي، فلقد تزامن التحول نحو السوق الحر مع تحركات وانتفاضات جماهيرية واسعة الانتشار ضد الفقر والبطالة، في أوروبا حيث ثورة البرتغال في منتصف السبعينات وإضرابات عمال المناجم في بريطانيا في نفس الفترة، إلى انتفاضة الخبز في مصر 1977، إلى الثورة الإيرانية 1979، وغيرها. وفي مثل هذه الأجواء المضطربة، تبقى الأنظمة العسكرية على أهبة الاستعداد للبطش بالجماهير المنتفضة.

لكن في مصر، وبجانب التحول نحو السوق الحر كما شرحنا، كان هناك عاملاً إضافياً ساهم بشكل أكبر في تغلغل العسكر في الحياة المدنية؛ وهو اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني. فبعد أن وضعت الحرب أوزارها وسوّق النظام لدعايته السياسية من نوع: “انتهاء زمن الحروب” وما تنتظره البلاد من “رخاء وازدهار اقتصادي”، أصبح من الصعب احتواء جنرالات الجيش المتقاعدين من المؤسسة العسكرية، وفي المقابل تم الزج بهم لتولي مهام مدنية عديدة.

تم حينها، على سبيل المثال، إنشاء “جهاز مشروعات الخدمة الوطنية” الذي أقام المشروعات الخدمية والإنتاجية المختلفة تحت إدارة ضباط جيش ذوي رتب رفيعة أصبحت مهمتهم الجديدة هي الإشراف على مزارع دواجن وأسماك وإدارة أعمال مقاولات في أراضي ووحدات سكنية وتحصيل إيرادات قاعات أفراح ومحطات بنزين، إلخ.

مبارك وجنرالاته
منذ ذلك الحين وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، أصبح جنرالات الجيش يتحكمون فيما بين 33 إلى 40% من الاقتصاد المصري، ناهيك عن تمتعهم بامتيازات استثنائية مثل الإعفاءات الضريبية وعدم الخضوع لأي سلطة رقابية، بحجة أن النقاش في ذلك يُعد “إفشاءاً لأسرار عسكرية”. ولعل المثال الأحدث والذي يدلل على سيطرة الجنرالات على ثروات طائلة بالمليارات، كان عندما منح المجلس العسكري، في ديسمبر الماضي، قرضاً بقيمة مليار دولار للبنك المركزي من أجل دعم الوضع المتعثر للعملة. ومن الطبيعي أن المجلس يسيطر على أكثر من ذلك بكثير طالما أنه قد تصدق بمليار دولار من الميزانية العسكرية هكذا في دفعة واحدة.

لقد ترعرعت في عهد الطاغية المخلوع شريحة ضخمة من جنرالات الجيش الكبار الذين لا يديرون فقط استثمارات ومشاريع تابعة للدولة، بل يديرون مشاريعهم واستثمارتهم الخاصة أيضاً، ويستغلون في ذلك مناصبهم الرفيعة في الجهات المدنية في صفقات فساد لتضخيم ثرواتهم.

كان مبارك أيضاً يضمن ولاء هؤلاء الجنرالات بمنحهم فيض من الامتيازات في السكن والمكافأت والمعاشات، علاوة على تعيين الكثيريين منهم في جهات مدنية لضمان السيطرة عليها. فالجيش بالنسبة للنظام هو خط الدفاع الأكثر تماسكاً وصلابة -بعد الداخلية- الذي يمكنه التصدي للغضب الجماهيري.

وعلى خطى سيده مبارك، يسير المجلس العسكري على نحو أكثر سرعة وتوسعاً. فخلال العام السابق، صار تعيين الجنرالات في المناصب المدنية يتم بشكل واسع الانتشار، بالأخص في الجهات الحكومية علاوة على العديد من القطاعات الاقتصادية الحيوية كالمطارات والموانئ، إلخ.

وفي أبريل الماضي، تم تعيين 9 جنرالات جيش في مناصب محافظين (بجانب 8 من الداخلية و5 من الأعضاء البارزين في الحزب المنحل)، والجنرالات المحافظين يعينون بدورهم رجال لهم واثقين في ولائهم للمجلس العسكري والنظام وعدائهم للثورة والجماهير. فعلى سبيل المثال، قام اللواء مصطفى السيد، محافظ أسوان (والمتورط في قضايا فساد في بيع أراضي وفي قطاع السياحة) بتعيين 10 عمداء جيش متقاعدين في مناصب مدراء لمحاجر وموانئ نيلية بالمحافظة برواتب تكفي وحدها لإعالة كل العائلات الفقيرة في أسوان لسنوات قادمة.

ذلك فضلاً عن المحاولات المستمرة من قبل طغاة المجلس العسكري لمنع تسرب الحنق الاجتماعي بين صفوف الجنود والضباط الصغار. فلقد حرصت القيادة العسكرية على زيادة مرتبات الجيش بنسبة 30% على الرغم من الرفض الدائم لذلك من جانب المشير في كافة مؤتمراته في السنوات السابقة. ناهيك عن صرف العائد الربع سنوي كل شهرين فقط، وصرف مكافأتين في الفترة من فبراير إلى سبتمبر 2011، فيما يُعد سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ القوات المسلحة المصرية.

كل ذلك يحطم ثقة الحالمين في رغبة المجلس العسكري في الوفاء بوعده بتسليم السلطة في الوقت الذي حدده. فما يفعله أولئك الجنرالات يؤكد سعيهم لإحكام قبضتهم على كل شيء. وبدلاً من أن يعود جنرالات المجلس من الثكنات العسكرية التي أتوا منها، هم الآن يحولون مصر كلها إلى ثكنة عسكرية كبيرة.

النضال ضد العسكرة
الأنكى -كما رأينا- أن أولئك الجنرالات لم يأتوا أصلاً من الثكنات، لقد كانوا ومازالوا يديرون أكثر من ثلث اقتصادنا ويترأسون المحافظات والمجالس المحلية ومجالس إدارات الشركات، بل ويستعدون أيضاً لقمعنا من أجل حماية النظام بالهجوم الإعلامي ومحاكمهم العسكرية وسجونهم الحربية وبالمدرعات والرصاص والسحل والتعذيب، وغيرها من الوسائل التي من الواضح أنها لن تثني الثوار عن ثورتهم.

فعلاوة على اتساع رقعة الثورة وتطور المطالب، أصبح لدينا اليوم نضالاً مباشراً ودؤوباً يخوضه آلاف من العمال ضد تعيين عسكريين فاسدين في مناصب قيادية في الجهات المدنية. هذا النضال أصبح يتصدر مشهد الحركة العمالية في مصر اليوم. فالنضال ضد عسكرة مواقع العمل صار لا يقل شأناً عن النضال الواسع من أجل تطبيق الحدين الأدنى والأقصى للأجور أو تثبيت العمالة المؤقتة، إلخ.

ولعل أهم السمات المميزة لهذا النضال، أولاً التحدي طويل النفس، حيث تستمر المعارك العمالية في الكثير من المواقع لعدة أسابيع من أجل إقالة المديرين المنتمين للمؤسسة العسكرية. فالعاملين بالطيران المدني، على سبيل المثال، قد أمضوا أسابيع في احتجاجهم ضد عسكرة وزارة الطيران المدني بعدما قام الجنزوري بتعيين العميد سابق حسين مسعود، أحد رجال أحمد شفيق الأوفياء. وقد نجح العاملون بالفعل مع بداية الشهر الماضي في الإطاحة بيسري جمال الدين، الرئيس السابق للشركة المصرية للمطارات، إثر مظاهرات احتجاجية نظموها أمام وزارة الطيران المدني وفي العديد من المطارات.

ثانياً، يتميز النضال ضد عسكرة مواقع العمل بالربط بين المطالب المتعلقة بالأجور والمستحقات الاقتصادية الأخرى، وبين المطالب السياسية بإسقاط ذيول العسكر في مواقع العمل. وقبل كل شيء، فالعمال يحتجون ضد تواجد العسكر في مصانعهم وشركاتهم ليس فقط لأنهم عسكر، بل أيضاً لأنهم موصومين بالفساد، كما يتصدون لمطالبهم بالرفض والقمع. فطوال العام الماضي تعرض الآلاف من العمال للاعتداء من قبل قوات الشرطة العسكرية والجزاءات والفصل التعسفي والاعتقال، علاوة على إحالة 22 عاملاً للمحاكمات المدنية والعسكرية منهم 5 من عمال بتروجيت قضت المحكمة العسكرية على كل منهم بالحكم سنة مع إيقاف التنفيذ.

كما أن المجلس العسكري يتمسك بالكثير من رؤساء مجالس الإدارات ومديري الشركات والنقابيين الصفر ذوي الولاء له لضمان تأييد قطاعات عمالية لسياساته في مقابل عودة الفلول إلى صدارة المشهد، وهذا ما يؤجج أيضاً غضب العمال وعداءهم للمجلس العسكري وسياساته. على سبيل المثال، تم اختيار اسماعيل فهمي، الذي كان يشغل منصب وزير القوى العاملة في حكومة شفيق، نقيباً للنقل الجوي منذ أسابيع قليلة في تحدي صريح لاحتجاجات العاملين بالطيران المدني. مثال آخر من مصنع سكر أرمنت بالأقصر، حيث يصر المجلس العسكري على بقاء حسن كامل، عضو لجنة سياسات الحزب المنحل، رئيساً لمجلس إدارة الشركة رغم احتجاجات العمال ضده نهاية العام الماضي، في حين أنه عضو مجالس إدارات 6 شركات أخرى ويتجاوز متوسط ما يتقاضاه 13 مليون جنيه شهرياً.

أما المزج بين المطالب الاقتصادية والسياسية فنراه في الكثير من الاحتجاجات العمالية للعاملين بالطيران المدني وعمال ميناء الإسكندرية وميناء دمياط وعمال مصنع السكر بالأقصر وسائقي النقل الثقيل، إلخ.

ولا يمكننا أن نغفل أن هذه النضالات العمالية ضد الإدارات العسكرية، يمكنها -في حال اتنشارها وتطورها- نقل المعركة مع المجلس العسكري إلى مساحة أرحب يكون فيها النصر حليف الثوار.. أو بالأحرى فتح جبهات المواجهة مع المجلس العسكري بجانب ميادين الثورة التي يقض فيها الثوار مضاجع الجنرالات. لكن لكي تتطور المعركة ضد المجلس العسكري على هذا النحو، فإن على ثوار الميادين حشد التضامن مع النضالات العمالية المختلفة، سواء النضالات القائمة على مطالب اقتصادية خالصة، أو تلك التي تمزج بين العدالة الاجتماعية ورفض العسكرة.. ليس هذا فحسب، بل أيضاً نقل خبرة نضالات القطاعات العمالية المتقدمة إلى كافة قطاعات الطبقة العاملة من أجل تعميم النضال وتوسيع المعركة لاقتلاع نفوذ العسكر من جذورها في مواقع العمل والمؤسسات المدنية.. والنضال ضد رأس النظام لا يستوي دون النضال من أجل بتر أطرافه في كل مكان.

   

التعليقات