بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أولئك الذين يبيعون الثورة بلا ثمن: سيعرف الشعب كيف ينصرف عنكم!

2011_02_07_thawra_1

تتقدم الثورة كل يوم خطوة على الأرض من خلال المظاهرات الضخمة التي تشهدها القاهرة والأسكندرية والعديد من المحافظات الأخرى، والأعداد المتزايدة من المشاركين في اعتصام ميدان التحرير، والنقلات التي يتخذها الاعتصام من جمعة الغضب إلى المظاهرة المليوية إلى جمعة الرحيل إلى قداس الأحد وصلاة الغائب إلخ. وعلى الجانب الآخر، يتراجع النظام المصري كل يوم خطوة إلى الوراء بتقديم العديد من التنازلات التي ظهرت في الخطابات المتتالية للديكتاتور ونائبه.

لكن الأمور على أي حال –مثل أي ثورة أخرى في تاريخ الشعوب- لا تسير في خط مستقيم في طريق تطور الثورة نحو انتصارها، بل في خطوط متعرجة مليئة بالتشابكات والمتناقضات. فمن ناحية، يحاول النظام التلاعب والمناورة من خلال إثارة رأي عام مضاد للثورة بتشويها وإلصاق تهم الفوضى والتخريب لها، إلخ.

ومن ناحية أخرى، فإن تطوراً خطيراً قد طرأ على مواقف القوى السياسية. فقد وافقت تلك القوى على الانخراط في جولات حوار مع نائب الديكتاتور، عمر سليمان، في تحدي واضح لرفض المتظاهرين له ولإصرارهم على عدم إجراء أي مفاوضات إلا بعد رحيل الديكتاتور.

محاولات سرقة الثورة

هذه القوى السياسية قد رضت بالتغييرات الشكلية التافهة التي يجريها الديكتاتور على مقاس سياسات رجال الأعمال والنظام القديم، والتي لا تمس المصالح الأمريكية والصهيونية. وبدلاً من المضي قدماً في طريق تقدم الثورة نحو الانتصار استغلالاً للضعف البادي على النظام والتنازلات المستمرة التي يقدمها، يرضى هؤلاء بتلك التنازلات وكأنهم كانوا ينتظرونها كأهداف نهائية يستغلون حركة الجماهير للوصول إليها.

في هذا السياق أصدرت مجموعة من رجال الأعمال (من أبرزهم نجيب ساويرس) والمفكرين المصريين (من أبرزهم عمرو الشوبكي وسلامة أحمد سلامة)، بياناً يوم الأربعاء الدامي، 2 فبراير، يؤكدون فيه على تمسكهم بالمطالب الشعبية (!!). أولئك الذين كانوا يرفضون الثورة ويسخرون منها ويصفونها بالفوضى، أصبحوا اليوم، تحت ضغط الأحداث يرحبون بمطالبها ويؤكدون على “مشروعيتها”.. أصبحوا اليوم يرتدون قناع الثورة بعد أن كانوا ينظرون إليها من نوافذهم في ذعر.

وفي نفس السياق خاضت مجموعة من القوى السياسية، تضم جماعة الإخوان المسلمين، جولتي حوار مع عمر سليمان. وفي بيان للإخوان، موقّع باسم مرشدهم العام محمد بديع، يوم 5 فبراير، أوضحت الجماعة الغاية التي يخوضون من أجلها هذه المفاوضات الزائفة بضرورة “التعرف على جدية المسئولين إزاء مطالب الشعب، ومدى استعدادهم للاستجابة لها، وهذا ما يتسق مع مبدئنا في الحوار الجاد المخلص البناء”.

لكن الشعب نفسه يرفع مطلبه الصريح برحيل النظام، وليس رحيل مبارك وحسب. فحتى بعد إعلان الديكتاتور في خطابه الأول بتعيين عمر سليمان نائباً له وعدم اعتزامه ترشيح نفسه مرة أخرى للرئاسة، استمرت المظاهرات –بعضها كانت مليونية- للمطالبة برحيله ولرفض عمر سليمان أيضاً، مما تلخص في أحد أشهر الهتافات التي تزلزل ميدان التحرير وميادين المدن الرئيسية في مصر “لا مبارك ولا سليمان، يسقط يسقط الطغيان”. لذا فإن الأسباب التي تبرر بها جماعة الإخوان خوض الحوار مع نظام السفاحين، تلك الأسباب ليست فقط مفرغة تماماً من المضمون، لكن أيضاً مكشوفة للجميع بأنها محاولات مباشرة للاتفاف حول الثورة للوصول إلى تسويات لا ترقى للتضحيات البطولية التي قدمها المصريون في ثورتهم.

“لعبة الكراسي” ومصير الثورة

إن قراءة بسيطة لخبرة تاريخ الثورات في مصر تفضح لنا لعبة الكراسي تلك التي تتوق لها الكثير من فصائل المعارضة مع النظام اليوم. ففي ثورة 1919، على سبيل المثال، انتفض المصريون بعنف في وجه الاستعمار البريطاني والفقر والقهر الذي عانوا منه في ظل سيطرة حكم الباشوات الإقطاعيين. وعندما شعر حزب الوفد –الذي كان يمثل كبار ملاك الأرض الساخطين على الاحتلال- أن الثورة قد تتجاوز حدود قدرته على السيطرة والتحكم، دعا الحزب لفض المظاهرات والإضرابات العمالية، ورفع شعار التفاوض مع المحتل. والنتيجة هي أن خمدت نيران الثورة واستمر الاحتلال لأكثر من ثلاثين سنة أخرى.

صحيح أن ثورة 1919 قد انتزعت دستور 1923، الذي يعد أفضل دستور تم سنه في تاريخ مصر، إلا أن الأسباب الرئيسية التي فجرت الثورة (الاحتلال، الفقر، ملكية الأرض) قد استمرت كما هي دون المساس بها.

وهذا بالضبط ما يخشاه الثوريون في مصر اليوم: أن تلتف القوى السياسية الإصلاحية حول الثورة، أن تصعد فوق أكتاف الثوار وفوق تلال من جثث الشهداء، للتحدث باسم ثورتهم وأن تضع يدها في يد سفاح لم تجف دماء الشهداء عليها بعد.

هناك إذن أمام الثورة المصرية طريقان لا ثالث لهما. أحدهما ينتهي إلى باب خلفي حيث المائدة التي ينتظرنا عليها السفاح من أجل المفاوضة/المساومة رافعاً لافتة مكتوب عليها “بكم تبيعون الثورة؟ بكم تبيعون دماء الشهداء؟”.

أما الطريق الآخر فينتهي إلى انتصار الثورة، حيث الإطاحة بمبارك وبكل رموز النظام القديم. ولن يتم ذلك إلا عن طريق أخذ خطوات أكثر تصعيداً من أجل أن تتحول الشروخ التي أحدثتها زلازل الأيام الإثنى عشر من الثورة في جدران النظام، إلى انهيارات كبرى له.

والطريق لذلك يبدأ من إنشاء مجالس ولجان في ميدان التحرير تكون هي نفسها الممثل الديمقراطي الحقيقي لجموع المرابطين في الميدان، وترفع مطالب أولئك الذين واجهوا بصدورهم العارية نيران الأمن المركزي واعتداءات البلطجية المأجورين من رجال أعمال النظام.

ومن ناحية أخرى، فإن الجماهير في ميدان التحرير الذي يعد بمثابة البؤرة الحية للثورة، ليس أمامهم سوى الاستناد إلى إخوانهم في الأحياء والميادين ومواقع العمل. لذلك فدعوة العمال والمهنيين للإضراب والاعتصام والتظاهر وتشكيل لجانهم ومجالسهم في المصانع والمواقع المهنية تأييداً لمطالب الثورة، هي دعوة ذات أهمية قصوى في هذه المرحلة الحرجة من الثورة. وعلى الثورة مخاطبة هؤلاء العمال بشكل مباشر ودعوتهم للانضمام إليها. فإضرابات عمالية في القطاعات الاستراتيجية مثل قطاع البترول وقناة السويس، إلخ، يمكنها تحديد مصير الثورة عند انضمامها لتيار الثورة.

التعليقات