بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

Trot2

ليون تروتسكي: النظرية والممارسة

« السابق التالي »

11 – الجبهة المتحدة

لقد جمع الكومنترن الثوريين عبرالعالم للنقاش والبحث في الاستراتيجية والتاكتيكات الثورية. وبالنسبة للينين وتروتسكي وغيرهم، فقد وفر الكومنترن المساحة الأكثر حيوية للبحث في كيفية انتشار الثورة. لكن بحلول المؤتمر الثالث في يونيو ويوليو 1921، بات من الواضح أن الرأسمالية قد نجت من الموجة الأولى للنضالات الثورية فيما بعد الحرب العالمية الأولى. وفي ظل هذه الظروف، أصبح السؤال الأساسي الذى فرض نفسه على المؤتمر هو كيفية البناء الثوري في وقت لا تفرض فيه الثورة نفسها بشكل آنى على الأجندة السياسية. ذلك كان المؤتمر الذى أطلق عليه تروتسكي “المدرسة الأعلى للاستراتيجية الثورية”.

دارت أكثر نقاشات المؤتمر حدة حول قضية “الجبهة المتحدة”. عبّر ليون تروتسكي عن أفكاره خلال تلك النقاشات، كما في عدد أخر من كتاباته، عن ضرورة توحيد جهود ونضال العمال الثوريين مع زملائهم الذين لم ينخرطوا بعد في الممارسة الثورية المباشرة.

إن استراتيجية الجبهة المتحدة تنبع أولاً من الحاجة الأساسية لدى العمال للوحدة ضد الهجمات الشرسة للرأسمالية، وكما كتب تروتسكي فإن “جماهير الطبقة العاملة في حاجة لدرجة عالية من الوحدة في الفعل سواء لمقاومة هجمات الرأسمالية، أو للهجوم ضدها”.

ثانياً، باستثناء أوقات النضال الثوري، تكون الأفكار الثورية سائدة فقط بين أقلية من العمال، أما أغلبية الطبقة العاملة فتظل على قناعة بأنه يمكن إصلاح ظروف الحياة وشروط العمل داخل إطار الرأسمالية نفسها، أى أنهم يقبلون فقط بالأفكار الإصلاحية. لذا يصبح على العمال الثوريين ألا ينفصلوا عن زملائهم ممن يقفون عند الحدود الإصلاحية.

كان تروتسكي يرفض طرح الحد الأقصى من الأفكار الثورية للجماهير، مصراً على أن الطريقة الجادة لبناء وحدة حقيقية بين صفوف الطبقة العاملة لا يمكن أن تكون عبر طرح الأفكار الثورية دون النضال الجدي مع الجماهير وفي القلب من معاركها اليومية. وهذا لا يعني أن تروتسكي لم يكن مهتماً بكسب الجماهير للسياسة الثورية، بل على العكس تماماً، فقد تمحور جداله حول أن الوعي الجماهيري يتغير فقط على أرضية النضال الطبقي من أجل أهداف مشتركة، وخلال هذه العملية تتوفر إمكانية وفرص حقيقية أمام الثوريين لتوضيح أن الثورة العمالية هى الحل، وذلك خلال الاختبارات العملية للنضال.

كانت تلك هى الطريقة التي استطاع بها البلاشفة كسب الجماهير في ثورة 1917، حيث أثبتوا أنهم الأكثر نضالية وجذرية أثناء التصدي لعصيان لعصيان الجنرال كورنيلوف. كان تروتسكي مختلفاً مع أولئك الذين يتجاهلون أهمية انتزاع بعض الإصلاحات، وكان يؤكد دوماً أن الانتصارات الصغيرة أو الكبيرة من شأنها أن تمنح الجماهير الثقة في نفسها وفي إرادتها.

في أغلب البدان في ذلك الوقت، كانت المجموعات الثورية قد انشقت لتوها من أحزاب إصلاحية كبيرة، وفي حين أيد تروتسكي تلك الانشقاقات لبناء منظمات ثورية مستقلة، وأكد أن مثل هذه الاستقلالية والوضوح في الخط السياسي يجب الحفاظ عليهما، إلا أنه يكرر كثيراً أن على المنظمات الثورية أن تسعى للعمل المشترك مع الآخرين كى لا تنعزل عن النضالات الجماهيرية.

استنكر تروتسكي أيضاً أن يتجاهل الثوريين الدور الذى يلعبه القادة الإصلاحيين، فإحدى أهم المهام التي على الثوريين الاضطلاع بها هى فضح هؤلاء القادة باعتبارهم غير قادرين ولا راغبين في قيادة النضال بشكل جاد. لكن ذلك لا يمكن أن يحدث فقط من خلال إدانتهم والتشهير بهم، لكن في خضم الصراع الطبقي ومعاركه اليومية.

وصف تروتسكي المبدأ الأساسي الذى يجب أن يحكم سياسة الجبهة المتحدة على النحو التالي: “مع الجماهير دائماً، ومع القادة المترددين أحياناً، طالما أنهم لا يزالون على رأس الحركة الجماهيرية.. من الضرورى التعامل مع هؤلاء القادة في الوقت الذى تدفعهم فيه الجماهير للأمام، لكن دون التلكؤ في توجيه النقد لهم، ومن الضروري أيضاً القطع التام معهم في الوقت الصحيح، عندما يتحولون من التردد إلى العداء والخيانة”.

لقد عاود تروتسكي الحديث حول مسألة الجبهة المتحدة مراراً وتكراراً، فقد ناقش الأمر بشكل متماسك في كتاباته حول صعود الفاشية في ألمانيا وفرنسا واسبانيا في منتصف الثلاثينيات، حيث عارض استراتيجية ستالين “الجبهة الشعبية” والتي أدت إلى تذيل الطبقة العاملة لليبراليين المدافعين عن الرأسمالية.

وتبقى الجبهة المتحدة آداة استراتيجية حيوية بالنسبة للثوريين اليوم، فمن خلالها يمكن بناء حملات موحدة وجادة ومؤثرة، وفي نفس الوقت للنضال من أجل تفكيك الأوهام الإصلاحية.

« السابق التالي »