بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

Trot2

ليون تروتسكي: النظرية والممارسة

« السابق التالي »

16 – الثورة المغدورة

حتى العام 1933، آمن تروتسكي بأن الكومنترن والحزب الشيوعي السوفيتي يمكن إصلاحهما. أما بعد صعود هتلر للسلطة في ألمانيا بدون نضال حقيقي ضد ذلك من جانب الحزب الشيوعي الألمانى بناءاً على نصيحة الكومنترن، أيقن تروتسكي أن هناك حاجة إلى ثورة “سياسية” في روسيا، كما أن هناك ضرورة أكيدة لبناء منظمة أممية جديدة.

وبعد حوالى خمسة أعوام، اجتمع 21 مندوب من بلدان مختلفة في عام 1938 في فرنسا وأعلنوا تأسيس “الأممية الرابعة”. وباستثناء المندوب الأمريكي، كان كافة المندوبين يمثلون قوى شديدة الضآلة في بلدانهم. وعلى العكس من الأممية الثالثة، التي كانت قد انطلقت في ظل انتعاش غير مسبوق للحركات الثورية عبر العالم، وفي وقت قصير استطاعت أن تجذب الكثير من القوى الاشتراكية الثورية إلى شعاراتها واستراتيجيتها، تأسست الأممية الرابعة في ظل فترة طويلة من الهزائم المتلاحقة وصعود الفاشية واندلاع الحرب العالمية الثانية، وبالتالى لم تستطع الأممية الرابعة أن تكسر العزلة التي فُرضت عليها.

في 1936، كتب تروتسكي “الثورة المغدورة”، حيث تناول بالتفصيل طبيعة وواقع روسيا الستالينية. كان ذلك بالتأكيد نضالاً لإعادة تصدير المعنى الحقيقى للاشتراكية كنظام مبنى على أساس المساواة والحرية والديمقراطية. في تلك الأثناء كان ستالين قد أعلن أن روسيا قد أنجزت بناء المجتمع الاشتراكى، في حين جادل تروتسكي بأن روسيا الستالينية لم تكن اشتراكية، مشيراً في ذلك إلى الغياب التام للمساواة في المجتمع الروسى. وأثناء تحليله لقضية المرأة في المجتمع، كتب تروتسكي أنه “لايمكن غفران الحديث عن انتصار الاشتراكية في ظل وجود الدعارة في روسيا”.

إن جرائم ستالين أصبحت اليوم معروفة للجميع، لكن الوضع لم يبدو كذلك في الثلاثينيات من القرن الماضى. كان تروتسكي هو أول اشتراكى ثوري يقدم تحليل ماركسى تفصيلى عن روسيا الستالينية، وكانت انتقاداته بمثابة القنبلة التي انفجرت في وجه الجميع. لقد أشار تروتسكي إلى أن ستالين قد أجهز على كافة مكتسبات ثورة أكتوبر، فعلى مستوى حقوق المرأة مثلاً، أعاد ستالين تجريم الإجهاض، كما أصبح الطلاق في عصره امتيازاً لمن تستطيع أن تدفع لأجل ذلك، إلخ. وعلى أيدي ستالين أيضاً، تحول التحرر الوطنى للقوميات المضطهدة وحق الأمم في تقرير مصيرها وتم استبدالها بالشوفينية الروسية التي حطمت كافة الحقوق القومية.

وعلى الرغم من ذلك، لم يكن تقدير تروتسكي على صواب كامل في تحليله للبيروقراطية الستالينية ودورها في الثورة المضادة، فلقد أخطأ تروتسكي في اعتقاده بأن روسيا في ذلك الوقت كانت تمثل “دولة عمالية” وما يشوبها فقط هو البيروقراطية التي تقبع على رأس السلطة. بعد ذلك، أسهم بعض الاشتراكيين، مثل تونى كليف مؤسس التيار الاشتراكى الثوري، في البناء على تحليل تروتسكي وتطويره، لكن كليف جادل أيضاً بأن روسيا تحت حكم ستالين لم تكن دولة عمالية من الأساس، بل شكلاً آخر من الرأسمالية يتم إدارتها بواسطة الدولة بدلاً من رجال الأعمال ومجالس إدارات الشركات الكبرى، فيما نطلق عليه “رأسمالية الدولة”.

ومن أجل تمرير الهجوم على مستويات معيشة الملايين من العمال والفلاحين الروس، عهد ستالين إلى تضييق الخناق على أى شكل من أشكال المعارضة في روسيا. وفي هذا السياق أدان ستالين تروتسكي وكل من عارضوا النظام بأعتبارهم إرهابيين ومخربين وعملاء للفاشية. لقد اختلق ستالين ترسانة هائلة من الأكاذيب والادعاءات الزائفة لنشر الذعر بين الجماهير من “التروتسكية”، حتى أنه استخدم تهمة معاداة السامية وألصقها بتروتسكي وكل المعارضين ذوى الأصول اليهودية.

نفذ ستالين حملات تطهير واسعة داخل الحزب الشيوعي السوفيتي، حيث قام بطرد كافة معارضيه. وقد شملت الحملة الكثير من مؤيدى ستالين السابقين، والذين ذاقوا الذل والهوان من قبل في سجون القيصر، بعضهم تم إرساله لمعسكرات العمل العبودية أو المعتقلات، والكثيرين تم إعدامهم بعد توجيه تهم زائفة لهم بالعمالة للفاشية أو التآمر لارتكاب أعمال إرهابية، وإجبارهم على الاعتراف بذلك. كان يتم إعدام كل من يعترف بتلك التهم تحت تأثير التعذيب واليأس، وحتى من كان يرفض الاعتراف كان يتم إعدامه أيضاً.

في الفترة بين 1935 و1937، نفذ ستالين عدد من المحاكمات التي شملت عدد كبير من القياديين البلاشفة القدامى، مثل كامنييف وزينوفيف اللذين كانا عضوين في اللجنة المركزية للحزب البلشفي أثناء ثورة 1917 وبعد ذلك من أهم حلفاء ستالين قبل أن ينضما إلى “المعارضة المتحدة” داخل الحزب مع ليون تروتسكي. لقد أُجبرا على الاعتراف على الملأ وأمام الجماهير بأنهم وتروتسكي أيضاً، عملاء للفاشية، ومن ثم أُعدِما رمياً بالرصاص.

وفي الحقيقة، أعدم ستالين كل رفاقه في اللجنة المركزية البلشفية عام 1917، وذلك باستثناء تروتسكي الذى أُرسِل للمنفى، وألكسندرا كولونتاى التي شغلت منصب سفيرة للاتحاد السوفيتي في أوروبا أثناء تلك المحاكمات الصورية.

دائماً ما كان ستالين يحاول تصوير نفسه وكأنما هو الوريث الشرعى للينين، وحتى يومنا هذا هناك الكثيرين ممن يربطون بين لينين وبين جرائم ستالين. وما من شئ يوضح القطيعة التامة بين ثورة أكتوبر البلشفية وبين جرائم ستالين الوحشية، أكثر من حاجة ستالين ومحاولاته المستمرة لمحو تراث ثورة أكتوبر بالكامل. وكما كتب تروتسكي فإن “حملات التطهير ترسم بين البلشفية والستالينية ليس فقط خطاً دامياً، بل نهراً من الدماء”.

في أغسطس 1940، قام أحد عملاء ستالين باغتيال تروتسكي في منزله بالمكسيك. إلا أن ستالين لم يقتل تروتسكي وحسب، بل دمر كل أفراد عائلته. إحدى بنات تروتسكي توفيت بعد صراع مع مرض السل وذلك بعد طردها من الحزب الشيوعي ومنعها من العمل. أما بنته الأخرى، زينا، فقد اقتيدت للانتحاربعد أن تم إرسال زوجها وزوج أختها للعمل العبودى في معسكرات سيبريا. فقد تم اعتقاله على يد الشرطة السرية الستالينية في 1938. وحتى أصغر أبناء تروتسكي، العالم الذى تجنب العمل بالسياسة، فقد أعتقل هو الآخر في 1934 وأُرسل بعد ذلك لمعسكرات العمل، وأخر خبر عنه أنه خاض إضراباً عن الطعام في 1936. أما زوجة تروتسكي الأولى، ألكساندرا سكولوفسكايا، والتي لعبت أدواراً نشيطة في صفوف المعارضة، فقد تم طردها خارج لينينجراد في 1936 وفي النهاية أُعدِمت رمياً بالرصاص في 1938.

لم تكن تلك مجرد قصة مأساوية لتروتسكي، لكن إشارة إلى الاستعداد الكامل لدى ستالين لتدمير معارضيه ولمحو تراث ثورة أكتوبر. وكما كتب إبن تروتسكي، سيدوف ” إن ستالين كان يكره تروتسكي ليس لشخصه بل لأنه تجسيد حيّ لأفكار وتراث ثورة أكتوبر”.

« السابق التالي »