بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

Trot2

ليون تروتسكي: النظرية والممارسة

« السابق

18 – تراث ليون تروتسكي

هناك مبدأين أساسيين استند إليهما ليون تروتسكي طوال حياته: الأممية والاشتراكية من أسفل. واليوم مع تصاعد الحركات الجماهيرة الهالمية ضد الليبرالية الجديدة والسياسات الرأسمالية، يتنامى الوعى الجماهيري بأهمية التضامن مع مختلف النضالات على المستوى العالمى. ولقد كان تروتسكي داعماً صلباً لكل المستغَلين والمضطهَدين عبر العالم، لكنه كان يجادل دائماً أن الأممية تعنى ما هو أكثر من مجرد التضامن. وقبل عقود من نظريات “عولمة الرأسمالية”، رأى تروتسكي أنه يجب أن يُنظر إلى هذا العالم ككل متكامل – اقتصاد عالمى ونضال عالمى أيضاً.

أكد تروتسكي في كتابه “الثورة الدائمة” على أن الأممية ليست مبدئاً مجرداً، إنما إنعكاساً سياسياً ونظرياً لطبيعة الاقتصاد العالمى، وللتطور العالمي لقوى الإنتاج، والصراع الطبقي على مستوى العالم.

لقد شكلت وجهة نظر تروتسكي للعالم ككل متكامل نقطة ارتكاز لكل نشاطه وأفكاره، بما يشمل تطويره لنظرية الثورة الدائمة، معارضته للحرب الإمبريالية، وثباته المبدأي على ضرورة نشر الثورة على نحو أممي، وبالطبع انخراطه في الحركة الثورية العالمية.

وما يزيد عن ذلك، هو أن رؤية تروتسكي بالإضافة إلى فهمه لطبيعة التطور المركب اللا متكافئ يشيران إلى استنتاجات استراتيجية فيما يتعلق بالنضال ضد الرأسمالية اليوم. أصبحت اليوم أعداد الفلاحين عبر العالم أقل كثيراً من الوقت الذىعاش فيه تروتسكي وطوّر أفكاره، فلقد صار من يعملون في الأرض عمالاً زراعيين تتحكم الرأسمالية والشركات الكبرى في حياتهم وعملهم.

ومن زاوية أخرى، هناك الكثير من المدن العشوائية في بلدان العالم الفقيرة والتي تعج بالمهمشين غير المنظمين الذين يعيشون على الهامش من الاقتصاد العالمى. في تلك المدن، في أمريكا اللاتينية على سبيل المثال، فإن معظم السكان الذين عاشوا عقوداً من التمييز العنصرى، يعانون أيضاً من أقسى درجات الفقر والاستغلال. هذه الكتل الجماهيرية من العمالة الفقيرة غير المنظمة تمثل مخزناً لانفجار الطاقة الثورية، فقد ينطلقوا في تمردات أو انتفاضات هائلة ضد الاستغلال والفقر، لكن تلك النضالات تظل بحاجة ماسة للارتباط بقوة نضالات الطبقة العاملة المنظمة في المصانع ومواقع العمل والتي تتمركز في القلب من الاقتصاد الرأسمالي. وهذا الدمج بين النضالات قد يوفر فرص هائلة للثورة وانتصارها.

توضح نظرية الثورة الدائمة كيف يمكن أن تنضج النضالات من أجل الحقوق السياسية والاصلاحات الديمقراطية إلى نضالات مباشرة من أجل التحرر الاقتصادى ومن أجل سيطرة العمال على العملية الإنتاجية، كما توضح النظرية أيضاً لماذا لا يمكن إنجاز هذا التحرر بشكل كامل وبناء المجتمع الاشتراكى داخل الحدود القومية لأحد البلدان بمعزل عن العالم.

وفي الدول الأفقر في العالم اليوم، ليس هناك من حل يكمن داخل الحدود الضيقة لكل دولة على حدا. بالنسبة للقضية الفلسطينية على سبيل المثال، فإن مفتاح الحل من أجل التحرر يكمن في نضالات عمالية واسعة الانتشار في منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص في مصر حيث تتواجد أكبر طبقة عاملة متمرسة في النضال عبر المنطقة. وهكذا فإن بناء الاشتراكية في بلد واحد يُعد أمراً مستحيلاً حتى وإن كان بلداً غنياً. وهذه الحقيق تثبت صحتها بشكل أكبر كثيراً في البلدان المتأخرة اقتصادياً.

إن التزام تروتسكي بالمبادئ الثورية لم يكن يتعلق فقط بتنظيم الانتفاضة أو الاعداد لعصيان مسلح، لكنه – مثله في ذلك مثل ماركس – كان يؤمن بأن التحرر لابد أن يأتى بأيد الجماهير أنفسهم، وفي القلب منهم الطبقة العاملة. إلا أن واحدة من العقبات التي تقف حائلاً في هذا الطريق أنه في أغلب الأحيان لا تدرك أغلبية الجماهير الحاجة إلى التحرر أو أنهم لا يملكون ما يكفي من الثقة في إرادتهم وقوتهم الجماعية لصنع ثورة. وهنا يأتى الاهتمام الجم لدى تروتسكي بالاستراتيجية والتاكتيك لبناء حركات جماهيرية واسعة لكسب قطاعات واسعة من هذه الجماهير من سيطرة الإصلاحية إلى الأفكار والنضال الثوريين.

واليوم نرى انتعاشاً غير مسبوق في الحركات الجماهيرية عبر العالم، في ظل تدهور ثقة الجماهير في الأحزاب والقوى الإصلاحية أن بمقدورها أن تقدم شيئاً لهم. في هذا السياق تُعد استراتيجية تروتسكي في الجبهة المتحدة ذات أهمية خاصة في بناء حملات عريضة ترفع مطالب مشتركة لقطاعات واسعة من العمال والفقراء. وفي كل نضال، سواء كان كبيراً أو صغيراً، تُثار العديد من الجدالات بين التاكتيكات الإصلاحية، حيث التغيير من أعلى وفي الحدود التي تفرضها الرأسمالية، وبين التاكتيكات الثورية، حيث توسيع المشاركة الجماهيرية من أسفل وتنظيم صفوف المناضلين وتحدى قيود الدولة الرأسمالية. وخلال هذه النضالات تبدأ الأفكار في التغير فعلياً.

إن التقدير الأسمى لليون تروتسكي أنه، حتى بعد أن تم طرده من الحزب الشيوعي ونفيه خارج روسيا، لم يستسلم قط لا لستالين ولا لليأس، واستمر في النضال الذى أبقى على شعلة التراث الاشتراكى الثوري موقدة حتى في أصعب الظروف، ذلك التراث الذى يستند إلى مبادئ المساواة والتحرر والأممية.

إلا أن أفكار تروتسكي، مثل ماركس من قبله، ليست دوجما جامدة، ففي بعض الأحيان لم يكن تروتسكي نفسه على صواب. فقبل اغتياله بفترة قصيرة، توقع تروتسكي أن تقع كل من الرأسمالية الغريية وروسيا الستالينية في هوة أزمة عميقة نتيجة الحرب العالمية الثانية، وفي النهاية أثبتت التطورات خطأ توقع تروتسكي مما شتت مؤيديه وأربكهم بعد انتهاء الحرب. لكن يبقى على الأجيال التالية أن تبنى على أفكار تروتسكي وتعمل على تطويرها.. لا شك أن أفكار تروتسكي مليئة بالدروس الهامة للأجيال الجديدة التي تناضل ضد الرأسمالية والحرب.. وبالنسبة لنا، كما بالنسبة لتروتسكي نفسه، فإن هذه الأفكار هى أسلحتنا الحيّة لتغيير العالم و النضال من أجل المستقبل.

« السابق