بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

Trot2

ليون تروتسكي: النظرية والممارسة

« السابق التالي »

7 – الثورة الروسية 1917

في فبراير 1917، كانت مظاهرة النساء المضربات عن العمل في سان بطرسبورج – والتي سُميت ببتروجراد أثناء فترة الحرب – قد أشعلت الثورة التي أطاحت بالقيصر ودفعت بحكومة مؤقتة، سيطر عليها الليبراليون الرأسماليون، لتولي السلطة. أما لينين، والذي قد عاد إلى روسيا من منفاه في أبريل من نفس العام، فقد وصف روسيا في ذلك الوقت بالمجتمع “الأكثر حرية”، حيث يتناقش العمال والجنود العاديون في كل شيء ويتباحثون فيما يمكن فعله وينظمون صفوفهم بدقة، إلخ.

إلا أن الحكومة المؤقتة لم تكن مستقرة على الإطلاق، فصحيح أن الثورة قد نجحت في التخلص من القيصر، لكنها لم تكن قد حلت بعد المشاكل العويصة التي عانت منها الجماهير الروسية، حيث انتشار الفقر، وسيطرة كبار الملاك الإقطاعيين على الأراضي، والحرب التي عزمت الحكومة المؤقتة على الاستمرار فيها، والاضطهاد الواقع على الأقليات القومية، فضلاً عن استغلال الرأسماليين لجماهير العاملين والمنتجين.

واستناداً إلى خبرة 1905، أعاد العمال بناء السوفيتات كمراكز حيوية لتنظيم أنفسهم ولإدارة النقاشات الديمقراطية فيما بينهم ولاتخاذ القرارات. وهكذا تولدت في روسيا حالة من “السلطة المزدوجة”، حيث التوازي بين مركزين مختلفين للسلطة: الحكومة المؤقتة من جانب، والسوفيتات العمالية من جانب آخر. والصدفة الطريفة هنا أن كلاً منهما كان يتواجد في نفس المبنى.

وحينما عاد تروتسكي من منفاه إلى روسيا في مايو 1917، أدرك أن كافة الخلافات السياسية بينه وبين لينين قد اختفت تماماً، بحيث أصبحا على اتفاق كامل فيما يتعلق بكافة القضايا الأساسية التي تواجه الثورة. أما لينين الذي عاد في أبريل، فقد صعق الجميع باقتناعه بفكرة تروتسكي حول حاجة الثورة للاندفاع إلى الأمام مباشرةً باتجاه الاشتراكية. لقد أدرك تروتسكي أهمية دور الحزب الثوري، والذي كان الحزب البلشفي هو التجسيد الأمثل له في الثورة، تلك النظرية التي طالما جادل بها لينين وطورها. وسرعان ما انضم تروتسكي ومؤيدوه رسمياً للحزب البلشفي في يوليو 1917 بعد فترة من العمل اللصيق مع لينين والبلاشفة، كما تم انتخاب تروتسكي فور انضمامه للبلاشفة إلى اللجنة المركزية بالحزب.

ضمت السوفيتات، تماماً كما في العام 1905، عدداً من الأحزاب السياسية، وعندما عاد تروتسكي إلى روسيا كان المناشفة والاشتراكيون الوسطيون يحوذون تأييد أغلبية مندوبي السوفيتات، كما وافقوا على الانضمام للحكومة المؤقتة التي سيطر عليها الرأسماليون الليبراليون. رأت الحكومة في ذلك خطوة جيدة من أجل زيادة مصداقيتها أمام الجماهير وأيضاً من أجل احتواء مطالب الجماهير واستيعاب غضبهم. وفي اليوم التالي لعودته من المنفى، توجه تروتسكي للسوفييت وأخذ ينتقد الحكومة المؤقتة بشدة، مشيراً إلى أن انضمام المناشفة والاشتراكيين الوسطيين للحكومة لن يحل المشاكل الأساسية التي تواجه الثورة.

أما لينين، فقد جادل بأن على الثوريين البلاشفة أن “يشرحوا بصبر ودأب” للعمال ضرورة دفع الثورة إلى مراحل أكثر تقدماً. أما العمال والجنود، بالأخص في بتروجراد، فقد كانوا – تحت ضغوط الحرب المستمرة والاستغلال والفقر – على وعي تام بأن الثورة في حاجة إلى استكمالها بثورة اشتراكية. لكن في نفس الوقت، علقت الأغلبية من سكان روسيا كل آمالها وطموحاتها في الثورة على جهود الحكومة المؤقتة. ولعل ما حدث في يوليو 1917 كان مثالاً واضحاً على ذلك، حيث عمل لينين وتروتسكي على إيقاف محاولة غير ناضجة للاستيلاء على السلطة في بتروجراد، مشيرين إلى أنه يمكن للعمال والجنود الاستيلاء على السلطة بالفعل في العاصمة، لكن باقي سكان روسيا لن يكونوا على استعداد لذلك حيث أنهم لم يدركوا بعد ضرورة هذه الخطوة.

تلك الأيام العصيبة من يوليو 1917، تلتها حملة أمنية واسعة لملاحقة واعتقال البلاشفة، والكثيرون منهم تم الزج بهم في السجون، كما صدر بالفعل أمراً باعتقال لينين واثنين آخرين من القادة البلاشفة. أما تروتسكي فقد حرر خطاباً للحكومة يتساءل فيه لماذا لم يصدر أمراً باعتقاله بينما يتفق هو بشكل كامل مع لينين في الدعوة لاستيلاء السوفيتات على السلطة السياسية. بعد ذلك بأسبوعين فقط، قامت الحكومة المؤقتة – التي من المفترض أنها حكومة الثورة – باعتقال تروتسكي في نفس السجن الذي اعتقله في القيصر بعد هزيمة ثورة 1905.

استمرت الحكومة أيضاً في وضعها غير المستقر. وبينما لم يرض الكثيرون من العمال والفلاحين والجنود عن أدائها، لم تكن قوى اليمين أيضاً راضية. هكذا نظم الجنرال القيصرى كورنيلوف انقلاباً عسكرياً في أغسطس 1917، وفي مواجهة الانقلاب قاتل البلاشفة للدفاع عن الثورة حتى في الوقت الذي كانت الحكومة تلاحقهم وتزج بهم في في السجون.

أُجبرت الحكومة على إطلاق سراح البلاشفة من السجون لتلقى مساندتهم في التصدي لكورنيلوف. ومن خلال الدور الجبار الذي اضطلع به البلاشفة في هزيمة كورنيلوف، فقد أثبتوا للجماهير أنهم الفصيل الأكثر نضالية في الثورة وأنهم الأقدر على الدفاع عن مكاسب الثورة بل واستكمالها أيضاً، وبالفعل انهزم كورنيلوف حتى بدون إطلاق نار. وفور إطلاق سراحه، ذهب تروتسكي للسوفييت ودعا لسحب الثقة من القيادة المنشفية للسوفييت. كانت استجابة مندوبي السوفييت واسعة، وصوتت الأغلبية لصالح دعوة تروتسكي، كما أصبح البلاشفة منذ ذلك الحين حزب الأغلبية في السوفيتات وانتُخب تروتسكي رئيساً لسوفيت بتروجراد.

أثبت انقلاب كورنيلوف أنه لا خيار بين الدفع في طريق الثورة الاشتراكية أو بين دعم الحكومة الانتقالية، فلقد كان الضعف البالغ الذي بدا على الحكومة يعنى أنه إذا لم تتقدم الثورة وتستكمل أهدافها سريعاً فسوف تواجه الثورة المضادة بكل شراسة.

في تلك الفترة، انتعشت سلطة السوفيتات بشكل كبير بين صفوف الجماهير، وكان عمال المصانع والوحدات المسلحة بالجيش دائماً ما تسأل السوفيتات عما يمكن فعله. لقد أصبحت السوفيتات شيئاً فشيئاً هي الجهاز الأساسي لاتخاذ القرار في روسيا.

في أكتوبر 1917، كان تروتسكي بمثابة المنظم الرئيسي للانتفاضة المسلحة التي قاد فيها البلاشفة السوفيتات للاستيلاء على السلطة السياسية. لم تشهد الانتفاضة أية إراقة للدماء في العاصمة بتروجراد التي حاذ فيها البلاشفة تأييد وثقة الجماهير. وفي حين أراد لينين أن يطلق الحزب البلشفي، الذي يمثل الأغلبية في السوفيتات، الدعوة للانتفاضة المسلحة بنفسه، نجح تروتسكي في إقناعه بضرورة إطلاق الدعوة وتنظيم الانتفاضة من قِبل السوفيتات وليس الحزب.

وبينما تشكلت في بتروجراد “اللجنة العسكرية الثورية” التابعة للسوفييت والتي ترأسها تروتسكي وضمت الكثير من البلاشفة بالإضافة إلى بعض الاشتراكيين اليساريين والفوضيين، كان ليون تروتسكي مسئولاً عن توقيت الانتفاضة المسلحة والتحديد التفصيلى للاستيلاء على مواضع سلطة الدولة.

كان كارل ماركس يصف الانتفاضة بأنها “فن”، فهي تحتاج للكثير من الإبداع والمرونة لكن أيضاً الانضباط والتنظيم المُحكم. كان تروتسكي هو التجسيد العملي لهذا “الفن” من خلال الدور الذي اضطلع به في أكتوبر 1917.

لكن الثورة ذاتها لم تكن ممكنة لولا الآلاف من العمال والجنود، ولولا أعضاء الحزب البلشفي المنغرسين في مواقع العمل والأحياء والجيش أيضاً، والذين كانوا ثابتين على خطهم السياسي ومنضبطين داخل حزبهم الثوري للنضال من أجل الثورة لسنوات عدة، في فترات الصعود وحتى في فترات الهبوط والهزائم.

« السابق التالي »