بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الوفد والعمال

فصل من تاريخ الطبقة العاملة المصرية.. الوفد والعمال

« السابق التالي »

أيديولوجيا الوفد

يتحدث سعد زغلول عن البرنامج السياسي لحزب الوفد في 1923 فيقول: “يقولون أين برنامجكم؟ فنقول نحن لسنا بحزب وإنما نحن وفد موكل عن الأمة يعبر عن إرادتها في موضوع عينته لنا وهو الاستقلال التام، فنحن نسعى لهذه الغاية وحدها، أما المسائل الداخلية؛ هل يكون التعليم إجباريا؟ هل يكون مجانيا أم بمصاريف؟ هل يجب أن تكون هناك فوائد على الديون؟ وغيرها من الأمور، فنتركها لمن هو أعرف بها”.

ويميل بعض المؤرخين لرأي يقول أن مسألة الزعامة كانت تطغى على طابع الوفد فأبعدته عن السباق التقليدي بين الأحزاب السياسية، ويميل البعض الآخر لتقسيم تجربة الوفد لقسمين: قسم أول لا يرى فيها الحزب سوى الاستقلال نصب عينيه استمر هذا القسم حتى معاهدة 1936، وقسم آخر اتخذ فيه الوفد من الليبرالية الاجتماعية منهجا في الحكم.

والمتابعة المجردة لحزب الوفد بعيدا عن هالة الزعامة المحبوكة حول سيرته في كل كتاب تصل بنا إلى أنه حزب كانت قياداته -كما بينا سابقا- من البرجوازية المصرية، ودخل المعترك السياسي في مناخ لا يسمح بدخول البرلمان سوى للأثرياء فقط، وأن دخول الوفد في اختبار الحكم كشف عن تناقضات واضحة بين دعايته لنفسه بأنه وكيل عن الأمة المصرية وبين ممارساته اليومية في الحكم من خلال القرارات الوزارية وجلسات مجلس النواب، وأنه استخدم مسألة الاستقلال ليغطي هذا التناقض بصبغة وطنية واستطاع أن يحشد أصوات الناخبين في كل معركة تحت شعار الاستقلال لمصر. فها هو رئيس الحزب يلتف حول سؤال عن برنامج الحزب السياسي ويعود بالسائل لدائرة الاستقلال، وقيادي وفدي آخر وهو عبد الرحمن فهمي -أحد أبرز قيادات الوفد- يقول في لقائه بالعمال: “إنه وإن كان من واجبي الدفاع عن حقوقكم فمن واجبي الدفاع عن حقوق الغير منكم -أصحاب الأعمال- فلا أسمح لأي عامل منكم أن يحصل على أكثر من حقه”. وفي مناسبة أخرى يقول مصطفى النحاس ناصحا العمال في أحد اللقاءات الجماهيرية: “ابتعدوا في حركتكم عن الآراء الضارة المتطرفة، وأقيموها على أساس التعاون الوطيد بين العمل ورأس المال”.

نضيف إلى ذلك ملابسات إصدار التشريعات العمالية وما جاء فيها من توصيات ومعارضات للنواب الوفديين، تعبر عن انحياز واضح لأصحاب الأعمال وسيأتي ذكر ذلك لاحقا في هذا المقال. إذن يمكننا القول أن حزب الوفد كان حزبا إصلاحيا حاول أن يتبنى خطا مترددا لليبرالية الاجتماعية، وقد حاول النائب الوفدي محمد مندور بلورة هذا الاتجاه في الأربعينات في مجموعة من المقالات في جريدة الوفد المصري، يشرح فيها أهمية تدخل الدولة لحماية الصناعة الناشئة وفرض الضرائب التصاعدية ومنع تغول طبقة العمال على أصحاب رؤوس الأموال؛ وأن ذلك يلزمه جناحا وفديا تقدميا بين الليبرالية والاشتراكية الذين -و الكلام ما زال لمندور- يجب محاربتهما على السواء. (16)،(17)

وعلى الجانب الآخر من ذلك كان بالوفد جناحا آخر أكثر قوة من كبار الملاك وأصحاب المصانع من أنصار “دعه يعمل، دعه يمر” رفضوا أي تقييد للملكية الخاصة، وتفيد الدراسات أنه في الدورة البرلمانية لعام 1936 رُفعت مذكرة لرئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب تقترح تخصيص 30600 فدان من الأراضي البور يتم توزيعها على كبار الملاك لإصلاحها. (18)

وتمكن حزب الوفد من تحقيق بعض الإنجازات، ولكنه لم يستطع أن يتجاوز تناقضاته ليعبر صراحة عن مصالح الفقراء من عمال وفلاحي مصر، وأنه أدار أغلب معاركه السياسية بانتهازية أي حزب إصلاحي يسعى لمسك العصا من منتصفها وتمييع الأمور وقت المواجهات.

وإن لم تكن حماية مصالح البرجوازية المصرية، وتشابك هذه المصالح مع رأس المال الأجنبي وعدم التردد في قمع الخصوم السياسيين من الحركات الشيوعية، وإعاقة كل حركة جماهيرية أو عمالية مستقلة هي مجموع الأفكار التي قادت حزب الوفد داخل الحكومة والبرلمان فماذا تكون الأيدولوجيا؟! وكيف لنا أن نصدق أن الزعامة الوطنية ارتفعت بالوفديين عن الصراع السياسي؟

كل ماسبق يوضح أن المجتمع المصري في عشرينات القرن العشرين انقسم لطبقات ثلاثة؛ برجوازية تملك كل وسائل الإنتاج يقتسم أفرادها ملكية الأراضي الزراعية والمؤسسات الصناعية والأنشطة التجارية ومصالحها متشابكة بحكم الاحتلال البريطاني مع رأس المال الأجنبي، وطبقة وسطى من المهنيين والموظفين وأصحاب الملكيات الأصغر نسبيا من الأراضي الزراعية والمعامل الصغيرة، وطبقة العمال والفلاحين. وإلى جانب هذا الانقسام الطبقي كانت هناك قضية الاستقلال التي ألقت بظلالها على كل هذه الطبقات ووحدت بينها -ولو ظاهريا- في بعض الأحداث.

وباختلاف الوضع الاجتماعي لكل طبقة واختلاف المصالح الاقتصادية بينها، اختلفت نظرة كل طبقة للاحتلال البريطاني وبالتالي اختلفت طريقة التعامل مع مسألة الاحتلال.

وبينما كان الاحتلال يعني للرأسماليين المصريين تخفيض الأرباح واقتسام قوة العمل جبرا مع المحتل البريطاني ومن يمثله من رأسماليين أجانب، كان الاحتلال يعني لأفندية الطبقة الوسطى فرص أقل في الترقي الوظيفي أو الصعود الطبقي والتوسع في التملك، أما بالنسبة للعامل أو الفلاح الذي لم يكن يملك شيئا فكانت قضية الاحتلال تعني إما الموت السريع على جبهات الحروب البريطانية أو الموت البطيء في ظروف عمل غير آدمية في المصانع والأراضي الزراعية.

وهكذا كانت تدور الأمور في مصر -ولا زالت- طبقة عليا ووسطى لديها ما تخشى فقده فتتجنب أي مواجهة غير مضمونة مع الاحتلال وتسعى لحلول تفاوضية واتفاقات مشبوهة تضمن لها مكتسباتها، ولا ترى أي غضاضة في التضحية بالطبقة الفقيرة من العمال والفلاحين تحت دعوى “الأزمة” على المواطن الصالح أن يحتمل.

فقط في ضوء المصالح الاقتصادية والسياسية لكل طبقة يمكننا قراءة المشهد وتحليل كيف تعامل الوفد مع العمال، باختصار الوفد يسعى للسيطرة على الطبقة العاملة وحشدها نحو الصندوق الانتخابي أو لتأييد سياساته، والحركة العمالية في تطور مستمر وكلما ازداد وعيها وقدرتها على تنظيم نفسها كلما اضطر الحزب الحاكم للتنازل ومجاراة الحركة العمالية واحتوائها إن أمكن، وفي الجزء التالي نبحث في هذه العلاقة من خلال ثلاثة محاور؛ الأول هو التشريعات العمالية التي صدرت والوفد في البرلمان أو الحكومة، والثاني هو كيفية تعامل الوفد مع النشاط العمالي وخصوصا الإضرابات العمالية، وأخيرا تعامل الوفد مع الحركة الشيوعية المصرية.

« السابق التالي »