بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

1989- 2009 : الثورات التي أجهزت على الستالينية*

منذ عشرين عاما، اكتسحت الحركات الجماهيرية أوروبا الشرقية بأسرها، ونجحت في إسقاط نظم الحكم الستالينية التي ادعت الاشتراكية. يقدم لنا مارك توماس هذه المقالة التي قام بترجمتها أشرف عمر، حول: ذكرى الأحداث الصاخبة للعام 1989.

في بداية العام 1989، بدت أنظمة الحزب الواحد التي حكمت أوروبا الشرقية حصينة تماما، مثلما بدت طيلة فترة حكمها في الأربعة عقود ونصف العقد السابقين على هذا العام. ومع نهاية العام تم اسقاط معظم تلك الأنظمة وكان الباقي منها في طريقه للانهيار السريع. لقد تغير كل شيء بعد انتفاضة شعبية حوكم على إثرها الديكتاتور الروماني نيقول شاوشيسكو وأُعدِم يوم رأس السنة عام 1989 (تم بث ذلك لكل العالم على التليفزيون).

كان انطلاق الأحداث مثيرا جدا، بالرغم من أن بداية الأحداث كانت محدودة بالنسبة لما حدث بعدها. في بولندا، كان قادة حركة “تضامن” النقابية قد تم دعوتهم في فبراير 1989 للتفاوض حول الاشتراك بالسلطة مع البيروقراطية الستالينية الحاكمة نفسها التي كانت قد قمعتهم بقسوة قبل ذلك بـ8 سنوات. حدث ذلك بعد أن نجحت تضامن باكتساح غير مسبوق في الانتخابات.

ظهر أول شرخ في أنظمة رأسمالية الدولة، التي بدت يائسة، حين كانت تحاول الاستجابة للأزمات الاقتصادية من خلال الاصلاح من أعلى لحل هذه الأزمات ولتفادي حركات جماهيرية أو ثورات من أسفل. تعمقت الشروخ عندما فتح النظام الحاكم في المجر، الذي كان يتطلّع إلى عقد صفقة مع المعارضة، الحدود مع النمسا، وهذا يعني خرق “الستار الحديدي” الذي كان يفصل بين شرق أوروبا وغربها.

لم يكن هذا هو الشيء الوحيد، فالمحاولات الحَذرة من النظام الاستبدادي للاصلاح من أعلى قد خلقت مساحة لمعارضة ضخمة من أسفل كي تنفجر فجأة. لم يظهر ذلك بوضوح في أي مكان بقدر ما ظهر في الجبهة الأمامية للامبراطورية السوفيتية –ألمانيا الشرقية. عندما انتهز الألمان الشرقيون، الذين كانوا يقضون إجازاتهم في المجر، الفرصة وذهبوا إلى النمسا، زادت الثقة لدى أولئك الذين عادوا إلى أوطانهم. حينها بدا الاحتجاج ممكنا والقمع ليس حتميا. اتسعت المظاهرات بشكل مثير حيث حضر الآلاف اجتماعات حاشدة وجاب المتظاهرون شوارع مدينة لايبزج والعديد من المدن والبلدات عبر ألمانيا الشرقية.

أطلقت الشرطة هجماتها الشرسة، لكن النظام الحاكم كان مترددا في إطلاق عنان قمع أكثر وحشية. وبدلا من استخدام العنف تم اسقاط ايريك هونيكر في منتصف أكتوبر من منصبه بعد أن كان السكرتير العام للحزب الشيوعي منذ عام 1971، مما أعطى الجماهير الشعور بالانتصار. وهكذا قد بدأ السد ينفجر حقا.

نقطة التحول الحقيقية أتت بعد ذلك بثلاثة أسابيع عندما عندما أعلن النظام الحاكم رفع كل القيود على الانتقال إلى ألمانيا الشرقية، حينها تدفقت حشود غزيرة من الجماهير يوم 9 نوفمبر لتحطيم أحجار سور برلين (الذي كان قد أُقام عام 1961 لايقاف تدفق العمالة الماهرة إلى أوروبا الغربية) والانتقال إلى برلين الغربية، في ليلة مسرحية رمزية للثورة.

لم تكن أحداث أوروبا الشرقية معزولة عن تلك التي حدثت في الاتحاد السوفيتي نفسه. كانت محاولات قسم من البيروقراطية للبدء في إعادة هيكلة الاقتصاد وتوجيهه نحو السوق، تحت قيادة ميخائيل جورباتشوف. وبشكل ملحوظ، كان ذلك مرتبط بأن الدبابات السوفيتية لن تكرر ما فعلته لكسر الانتفاضات الجماهيرية في المجر عام 1956 أو تشيكوسلوفاكيا عام 1968.

وفي المقابل، انهار رأس الطرف الغربي من “الامبراطورية الخارجية” للاتحاد السوفيتي في برلين، وبدأ الانهيار يحزف شرقا، حيث كانت “الامبراطورية الداخلية” نفسها قد بدأت في التفكك السريع من دول البلطيق (لاتفيا، أستونيا وليتوانيا) إلى القوقاز. انتشرت الاحتجاجات وانفجرت الحركات الوطنية، وقام عمال المناجم بإضرابين قويين هزوا بهم البلاد في 1989 و1991، حيث تحرك العمال عفويا ولأول مرة منذ أواخر العشرينات. ومع نهاية 1991، تم الاعلان رسميا عن تفكك الاتحاد السوفيتي.

كتب توني كليف في ديسمبر 1989 : إننا نشهد أكبر وأقوى زلزال للنظام الاجتماعي والسياسي في أوروبا الشرقية. زلزال يسترجع ذكريات عام 1848 وعام 1917.

لعبت النضالات العمالية الضخمة دورا مركزيا في إزاحة أنظمة الحكم التي ظنّ الكثير من اليساريون، خطئا، أنها “دول عمالية”. بينما في الحقيقة مثّلت تلك الأنظمة ديكتاتوريات لرأسمالية الدولة المبنية على التراكم التنافسي والاستغلال تماما مثل نظرائهم في الغرب.

كان كليف محقا، فقد انهارت تلك الأنظمة المستبدة (ألمانيا الشرقية، تشيكوسلوفاكيا، وبالتأكيد الاتحاد السوفيتي) وأصبحت فقط تمثل موضوع للفضول التاريخي لمن هم تحت الثلاثين من العمر. مكاسب هائلة تم انتزاعها في تنظيم النقابات المستقلة والانتخابات النزيهة والاجتماعات الشعبية التي أصبحت جزء من الحياة اليومية. ولكن المكسب الأكبر أن الستالينية – الجريمة الأبشع التي تم ارتكابها في حق الاشتراكية- قد ذهبت إلى مزبلة التاريخ.

ورغم أن جذور السلطة الطبقية كانت قد اهتزت بشدة، ربما بأكثر قوة في ألمانيا الشرقية، إلا أن هذه السلطة قد نجت في النهاية وعادت في أشكال جديدة. وكان هذا جزئيا بسبب أن هرولة الحكام القدامى نحو السوق الحر قد خلقت أوهاما ضخمة لدى الناس العاديين فيما قد يجلبه لهم هذا السوق. كل هذه الآمال الوهمية قد تحطمت. حيث أن الانهيار الاقتصادي العميق، الذي ميّّز مرحلة الانتقال إلى السوق الحر في دول الكتلة الشرقية، قد عاد ليثأر الآن بأزمة مالية أكثر حدة وركود أكثر عمقا وقسوة.

          ــــــــ

          الناشر: مجلة سوشيالست ريفيو (يصدرها حزب العمال الاشتركي البريطاني) –عدد نوفمبر 2009.

 

التعليقات