بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

يصدر قريبًا عن حركة الاشتراكيين الثوريين | “البرتغال 75 – 1974: ثورة العمال والجنود”

ثورة البرتغال

في إطار السلسلة التي تعتزم حركة الاشتراكيين إصدارها عن خبرات الثورات الجماهيرية في التاريخ، تحت عنوان “بروفات ثورية”، يصدر قريبًا كراس يتناول الثورة البرتغالية بين عامي 1974 و1975 بعنوان “السلطة الشعبية”.

بدأت الثورة في البرتغال بقيام “حركة القوات المسلحة” بانقلاب عسكري، في 25 أبريل 1974، نجح في إسقاط النظام الفاشي الذي استمر لما يزيد عن 50 عام في ساعاتٍ معدودة دون مقاومة. كانت الجماهير متحفظة في البداية، لكن سرعان ما خرجت للميادين لمتابعة ما يحدث، وأصبح شعار “القوات المسلحة مع الشعب” ذا شعبية. سرعان ما أطلق الانقلاب العنان للتطلعات الجماهيرية، فهاجم المتظاهرون عملاء الشرطة السرية واعتقلوا منهم العشرات، وفرّ البقية هاربين من الإعدام، واقتحمت الجماهير السجون وأطلقت سراح مئات المعتقلين السياسيين. واحتل أهالي العشوائيات أراضي النبلاء وزرعوها لصالحهم.

زعمت “حركة القوات المسلحة” أنها بمثابة محرك الثورة، إلا أنها في الواقع كانت تهدف فقط لإحداث إصلاح سطحي للنظام القديم لإقامة اقتصاد ديمقراطي حديث على الطراز الغربي. وكان الأمر ليسير حسب المخطط لولا خروج أمرًا واحدًا عن الحسبان؛ وهو تأثير هذا الانهيار المفاجئ للنظام الفاشي على الطبقة العاملة البرتغالية. تكثفت النقاشات السياسية بين العمال، كما لو كانوا طيلة حياتهم خبراءً سياسيين، وسعوا لنقل الثورة إلى أماكن العمل في صورة احتجاجات عفوية وغير منسقة وازنوا فيها بين المطالب الاقتصادية كرفع الحد الأدنى للأجور، والسياسية كتطهير أماكن العمل من المدراء المحسوبين على النظام القديم. نشأت آلاف اللجان العمالية لتوحيد تحركات العمال في القطاعات المختلفة. وسرعان ما شهدت مواقع العمل مئات التحركات العمالية الحادة، بين اعتصامات واحتلالات لمواقع العمل أو احتجاز العمال لمدراء المصانع حتى تنفيذ مطالبهم.

في ذلك الحين، كان الحزب الشيوعي هو التنظيم الوحيد الذي يستند إلى قاعدة حقيقية داخل الطبقة العاملة، وكانت لديه المقومات الصحيحة للقيادة. فقد كان له تراثٌ يُحترم في النضال ضد الفاشية خلال 40 عام قبل الثورة، ونما بشكل أكبر خلال الفترة التي أعقبت الانقلاب. ولكن للأسف كانت إستراتيجيته هي بناء تحالف بين الطبقات تضطلع فيه الطبقة العاملة بدورٍ ثانويٍ، من أجل تأسيس إطار ديمقراطي برجوازي، يمكنه عن طريقه أن يحظى بنصيب أكبر في السلطة، ما كان يعني إغفال السعي نحو ثورة اشتراكية في البرتغال. في هذا الإطار أدان الحزب الشيوعي العمال الذين استمروا في الإضرابات لعدم تحقيق مطالبهم، وادعى الحزب أن الفاشيين وراء هذه الإضرابات، بل أن الحزب بارك تدخل القوات المسلحة لإنهاء الإضرابات العمالية بالقوة.

ومن جانبه، شهد الجيش في تلك المرحلة تصدعًا داخليًا، بين جنرالات المجلس العسكري الذي تشكل بعد الانقلاب، ولم يكن راضيًا بهكذا تطور في وعي العمال، واعتبر المكاسب التي حققها العمال بعد الانقلاب خروج عن النظام يجب ألا يستمر من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى ضباط “حركة القوات المسلحة” الذين كانوا معادين للنخبة السياسية الفاشية، ولا نصيب لهم من النظام. وهؤلاء الضباط كانوا عرضة لتأثير الحركة الجماهيرية بشكل كبير.

حينها تحولت البرجوازية من ترحيبها بالانقلاب في البداية أملًا في تحديث علاقة الاقتصاد البرتغالي مع بقية النظام الرأسمالي العالمي، إلى التنديد بالحكومة الجديدة. فرّ الكثير من مالكي المصانع والمستثمرين الأجانب وسحبوا رؤوس أموالهم من البرتغال. وحمل الفاشيون السلاح وانطلقوا يثيرون الفوضى ويفتعلون الأزمات لتقديم ذريعة للجنرالات للتدخل وكبح جماح الحركة العمالية وإعادة فرض “النظام”، والتي كانت لتنجح لولا يقظة العمال، الذين أُقاموا المتاريس على طول الطرق وصولًا إلى الحدود، باستخدام الجرافات والشاحنات وخلاطات الإسمنت التي صادروها، وانضم إليهم الجنود وسلَّموهم بعضًا من أسلحتهم، واحتلت الجماهير محطات الراديو وبثوا منها بياناتهم، حتى أجبرت الانتفاضة الرئيس العسكري قائد الانقلاب على التنحي، وتم حل المجلس العسكري، وأُلقي القبض على مئات الجنرالات من أعضاؤه، واستُبدِل بـ”مجلس الثورة”.

أعاد ذلك الانتصار الثقة في نفوس الجماهير، وفي مقدمتهم العمال والجنود الذين كانوا متعطشين للتعرف على أفكار اليسار، واحتل كتاب لينين “الدولة والثورة” الصدارة بين مبيعات الكتب. لكن المجموعات الثورية في ذلك الوقت كانت أقرب للـ”وسطية”، تستخدم اللغة الثورية من أجل جذب العمال الذين ابتعدوا لتوهم عن الإصلاحيين، لكنها فشلت في ترجمة نضاليتها النظرية إلى ممارسة عملية وتنظيم أولئك المهتمين بأفكارهم في حزب ثوري مستقل. فكانت الجرائد الثورية تعج برطانة بعيدة عن خبرات العمال، تعبِّر عنها فقط بلغة غامضة وعصبوية. وكانت النتيجة أن طغت على الساحة السياسية حالة من اللاحزبية؛ فخُيّل للكثير من العمال والجنود أن بإمكانهم الدفاع عن الثورة دون أحزاب سياسية.

ومع تماهي اليسار الثوري مع حالة اللاحزبية، كانت الطبقة الحاكمة القديمة تعيد تنظيم نفسها بلا كلل، وتتحين فرصة تراخي تعبئة الطبقة العاملة للانقضاض على مكاسب الثورة التي لم يستطع العمال الحفاظ عليها، وإعادة إرساء سلطتها مرة أخرى. فأعادت النظر في استخدام القوات المسلحة مرة أخرى كضرورة تزداد إلحاحًا. في الوقت الذي لم يدرك فيه الكثيرون من أفضل ثوريي البرتغال أنه برغم التجذير الهائل بين الجنود، تبقى المؤسسة العسكرية أداةً في يد سلطة الدولة البرجوازية، وأن الجماهير هي القوة الوحيدة القادرة على إيقاف تحطم تأثير ذلك الجناح اليساري في الجيش، بل أن تطور النضال الطبقي في الجيش نفسه يعتمد على مدى تطور الطبقة العاملة لتقدم نموذج سلطة عمالية بديلة عن الدولة البرجوازية.

ومع انعزال النضال داخل الجيش، كانت الخطط تُحاك من أجل تحرك حاسم ضد القطاعات المناضلة داخل الجيش، وفي صباح 25 نوفمبر 1975 أعلنت قيادة الجيش حالة الطوارئ واستعانت بفرق القوات الخاصة لحصار الثكنات الواقعة تحت سيطرة الجنود الجذريين، وقُتل العديد من الجنود في الاشتباكات قبل أن يعلنوا استسلامهم، وأُقيل عشرات الضباط المحسوبين على الثورة بعد ذلك. عندها لم يجد اليساريون المتأثرون بتراث حرب العصابات سوى التشديد على دور القلة المسلحة التي تتحرك بالنيابة عن الجماهير، والتي سرعان ما تم القضاء عليها بسهولة.

بالرغم من عدم انتهاء الثورة في البرتغال بحمام دماء، لكن بعد 25 نوفمبر لم تعد الطبقة العاملة لما كانت عليه قبله، وبرغم مأزق الطبقة الحاكمة إلا أنها لم تعد إلى حالة الشلل التي كانت عليها قبله.

لعل استعادة تلك الأحداث في يومنا هذا تخبرنا أن السلبية التي تُتهم بها الجماهير ليست حتمية على الإطلاق كما تخبرنا الطبقة الحاكمة في كتب التاريخ المزيف. فالمجتمع يمكن تغييره فقط من خلال حزب ثوري منظم يرشد ويقود انتفاضات الجماهير، فمهما بلغت التنظيمات داخل للجيش من التجذير والثورية، لن تكن المؤسسة العسكرية مصنعًا للثوار الحقيقيين، وإنما أداةً في يد سلطة الدولة البرجوازية. كما أن لأي نضال طبقي فرصٌ واحتمالات كثيرة، لكن تقدمه ليتجاوز نقطة معينة يعد مستحيلًا ما لم تشرع الحركة العمالية في تصفية حسابات الجماهير مع البرجوازية، وأن ما حققته الطبقة الحاكمة البرتغالية في 25 نوفمبر ما كان ليتحقق لولا مساعدة الإصلاحيين الذين باعوا مؤيديهم الجذريين، إرضاءً للبرجوازية التي استغنت عن خدماتهم فيما بعد.

التعليقات