بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مائة عام على الثورة البلشفية: هل كان لينين مستبدًا أم ديمقراطيًا؟

Mikhail Baljasnij, Communism means soviets, plus the electrification of the whole country

لقد أصبح اليوم الكليشيه الذي يصف لينين بالاستبدادية شائعًا للغاية إلى درجةِ أن الأغلبية الساحقة من الكُتَّاب يُردِّدون هذا الوصف دون أن يشعروا بالاضطرارِ للاستشهادِ بأي دليلٍ على الإطلاق؛ إعادة تدوير القليل من الاقتباسات المُختارة المنزوعة من سياقها يفي بالغرض. الصورة المماثلة لهذا التصوُّر الكاريكاتوري هو المفهوم الستاليني عن لينين، باعتباره عقلًا مُدبِّرًا استطاع بيديه العزلاوتين أن يطرق أوتار المشاعر الجماهيرية ليقود أوركسترا ثورةٍ وضعته هو والبلاشفة على رأسِ الدولة السوفييتية.

تحمل هاتان الصورتان ازدراءً مُشتَرَكًا تجاه قدرة العمال على تغيير المجتمع من خلال النضال الاجتماعي. وتستند كلتاهما إلى مجازٍ مفاده أن الجماهير جاهلة يسهُل التلاعب بها واقتيادها كالعميان، سواء إذا كان ذلك أفضل أو أسوأ لها، إلى غمراتِ الثورة.

ويشبه المُعلِّقون الغربيون والستالينيون بعضهما في الانعدام الكامل للضمير في ما يخص الاقتباس من لينين وتحريض تراثه لأجل أن يلائم أجنداتهم. والتصويرات الكاريكاتورية التي يُقدِّمونها هي أبعد ما تكون عن الحقيقة.

كان لينين ديمقراطيًا في المقامِ الأول وقبل كل شيء. من نضاله المُبكِّر ضد الإرهابيين النارودنيين، إلى توجُّهه إلى منافسيه السياسيين القدامى، إلى أحداث العام 1917، كانت الروح الديمقراطية هي ما ارتكَزَ عليها فِكر لينين وممارسته. أوضَحَ لينين التأكيد التالي على القلب الديمقراطي للاشتراكية في أعقابِ الثورة الروسية:

“إن النشاط الخلَّاق على مستوى القاعدة الشعبية هو العامل الرئيسي للحياةِ العامة الجديدة. دعوا العمل يُرسِّخون سيطرتهم على المصانع… لا يمكن أن تُقرّ الاشتراكية بمرسومٍ من أعلى. روحها ترفض النهج الميكانيكي البيروقراطي. الحياة والاشتراكية الخلَّاقة إنما هي منتوج الجماهير أنفسهم”.

ما العمل؟
كان لينين نتاجًا لتقاليد الاشتراكية الروسية. وقد جعلت الظروف القمعية، التي ميَّزَت روسيا القيصرية، الحقوق الديمقراطية ليست فقط مرغوبًا فيها، بل أيضًا ضرورية لكل التيارات السياسية المُعارِضة. وبالنسبة للحركة الاشتراكية، كانت المهام الرئيسية في تنظيم العمال تعني مواجهةً سياسيةً مع النظام.

كان توزيع منشور، أو عقد اجتماع، أو طباعة صحيفة مُعارِضة – ناهيكم عن تنظيم إضراب عمالي – من شأنه أن يودي إلى مهالك العقوبات بالسجن أو المنفى في سيبيريا. وكما أشار المُؤرِّخ نيل هاردينج، فإن “ضرورة العمل من أجل الإصلاح السياسي، من أجل تحقيق الحريات السياسية، أثبتت في هذا السياق أنها ليست فقط صياغة مُجرَّدة للأرثوذكسية الروسية، بل لقد شبَّت في المقابل من النضال اليومي للطبقة العاملة”.

كان لينين واحدًا من أكثر المُدافعين حماسةً عن الحقوق الديمقراطية. وقد جادَلَ بضراوةٍ ضد التكتيكات التآمرية للنارودنيين، وميَّزَ بين أصدقائه وأعدائه السياسيين على أساس التزامهم بالنضالِ من أجل الديمقراطية.

على سبيل المثال، أصرَّ على أن ابتعادِ الشعبويين عن الأفكار الاشتراكية لا ينفي أنهم حلفاءٌ رئيسيون في النضال الديمقراطي. وفي ما يتعلَّق ببرنامجهم، كَتَبَ: “إنه تقدُّمي طالما أنه يطرح مطالب ديمقراطية عامة، أي طالما أنه يناضل ضد كل بقايا العصور الوسطى والعبودية”. أما منتقدو لينين، فهم يعمدون في الأغلب إلى الاستشهادِ بعملٍ واحدٍ له لإثباتِ مزاعمهم. وهذا العمل موضوع حديثهم، وهو “ما العمل؟”، يُعد واحدًا من أكثر أعماله التي يُقتَبَس منها وأقل ما يُفهَم على الإطلاق. وفي واحدةٍ من القراءات السائدة لـ”ما العمل؟”، يؤكِّد المُؤرِّخ اليميني ريتشارد بايبس أن لينين كان يُكنّ ارتيابًا عميقًا تجاه الجماهير، وكراهيةً للعفوية، بينما ظنَّ – أي لينين – أن الوعي الاشتراكي هو منزلةٌ لا تبلغها إلا قلةٍ مُختارَة من “الثوريين المحترفين”.

وفي دراسته الموسوعية لـ”ما العمل؟”، يُقدِّم لارس ليه قراءةً مختلفةً تُعتَبَر أكثر انسجامًا مع استمرارية قناعات لينين السابقة واللاحقة. ووفقًا للكاتب، لم يقم “ما العمل؟” على عدم الثقة في الجماهير، بل العكس من ذلك تمامًا – الاعتقاد بأن الحركة العمالية كانت تتصاعد صوب التحدي الثوري للقيصرية، بينما الحركة الاشتراكية (والمُثقَّفين على وجه الخصوص) متأخرين إلى الوراء على نحوٍ يائس.

كان “ما العمل؟” عملًا سجاليًا ضد التيارات الذيلية لمنافسيه الذين أرادوا حصر الحركة العمالية في المطالب الاقتصادية، والذين، كما أوضَحَ لينين: “قدَّموا “السياسة” للحركة العمالية فقط في لحظاتٍ استثنائية، فقط في المناسبات”. ولا تفتح كلمات لينين نفسه بابًا للشك في الهدف من سجاله: “الواقع، كما يبدو، أن لم يشك أحدٌ حتى الآن في أن قوة الحركة العمالية المعاصرة تكمن في استيقاظ الجماهير (وبصورةٍ رئيسية البروليتاريا الصناعية) وفي أن ضعفها يكمن في عدم كفاية وعي ومبادرة القادة الثوريين”.

ثورة فبراير
يساعدنا التاريخ على فهم دور لينين والبلاشفة في العام 1917. غالبًا ما يجري تمييز ثورة فبراير، باعتبارها ثورةً شرعيةً شعبية نظرًا لـ”عفويتها”، عن عصيان أكتوبر المُخطَّط له في أكتوبر. لكن هذا المفهوم يسيء فهم طبيعة أحداث فبراير، والعلاقة الأوسع بين العفوية والوعي والتنظيم، على السواء. اندلعت ثورة فبراير بواسطة النساء العاملات اللاتي خرجن إلى الشوارع في معارضةِ أشكال الحرمان التي سبَّبَتها الحرب، ليقنعن العمال الرجال في المصانع القريبة بالخروج والانضمام إليهن.

في تأريخه للثورة الروسية، أوضَحَ ليون تروتسكي الأمر الذي جعل ذلك ممكنًا: “في كل مصنع، وكل مجموعة حرفية، وكل سريَّة عسكرية، وكل فندق، وفي مستشفيات الجيش، وكل معسكر، وحتى في الأرياف المقفرة من السكان، في كل هذه الأماكن يقوم عمل جزيئي دعائي للفكرة الثورية… كانت العناصر المُجرِّبة، والناقدة، صاحبة المبادءة، تتسلَّل إلى الجماهير وتُشكِّل الآلية الداخلية للحركة الثورية كعمليةٍ واعية”.

شدَّد تروتسكي على الطابع النخبوي والمحدود للسرديات التي تُقدِّس العفوية في تناولها لهذه الأحداث:

“إن أسطورة “القوى العفوية الخالصة” لا تُوضِّح شيئًا… إن كل ما يحدث في أوساط الجماهير يبدو لسياسيي الليبرالية والاشتراكية المُدجَّنة المُدَّعين تطوُّرًا غريزيًا، كما لو أن هذا التطوُّر يحدث في خليةِ نحل. والحقيقة أن الفكر الذي يحضر في أوساط الجمهرة العمالية كان أجرًا بكثير، وكان أكثر حدة وأشد وعيًا من الأفكار الصغيرة التي كانت تتسلَّى بها الطبقات المُثقَّفَة… وإذا ما عدنا إلى سؤال: من الذي قاد إذن انتفاضة فبراير؟ أجبنا على هذا السؤال بقولنا: إن الذي قاد انتفاضة فبراير عمال واعون، متمرِّسون، تدرَّبوا وتعلَّموا في مدرسة حزب لينين”.

وبالتوازي مع إنشاء حكومةٍ انتقالية، بعثت ثورة فبراير الروح في مجالس العمال والفلاحين والجنود التي انبثقت أصلًا في ثورة 1905. مثَّلَت هذه المؤسَّسات جنينًا لدولةٍ عماليةٍ ديمقراطية، باستنادها إلى الديمقراطية المباشرة في مواقع العمل، والمندوبين الذين يمكن استدعاؤهم على الفور والقادرين على اتخاذ وإنفاذ القرارات السياسية والاقتصادية. وكان إيمان لينين الراسخ بالمجالس العمالية، والذي تبلوَرَ في شعار “كل السلطة للسوفييتات”، هو ما شكَّل توجُّهَه طيلة العام 1917.

انتفاضة أكتوبر
حظت السوفييتات بدعمِ الأغلبية الساحقة من العمال والفلاحين والجنود الروس. وبينما حازت الحكومة الانتقالية السلطة بحكم الأمر الواقع، كانت السوفييتات هي السلطة الفعلية في البلاد. كان البلاشفة هم الحزب الوحيد الذي دعا السوفييتات لانتزاع السلطة، بينما كانوا أقليةً في هذه السوفييتات في فبراير. لكن بحلول سبتمبر، وبينما لم تتزحزح الحكومة الانتقالية عن رفضها لمطلبَين أساسيَّين للثورة – إنهاء الحرب وتوزيع الأرض للفلاحين – مالت الكفَّة بصورةٍ حاسمة لصالح البلاشفة.

واستنادًا إلى هذه القاعدة من الشرعية الديمقراطية، شَرَعَ البلاشفة في تنظيم انتفاضة أكتوبر. ولم يكن الشرط المُسبَق للتأييد الواسع للانتفاضة صيغةً مُجرَّدة، فجادَلَ لينين:

“في سبيل النجاح، ينبغي للانتفاضة ألا تعتمد على مؤامرةٍ أو على حزب، بل على الطبقة الطليعية. تلك هي النقطة الأولى. النقطة الثانية هي أنه ينبغي للانتفاضة أن تعتمد على انعطافٍ حاسمٍ في تاريخ الثورة الصاعدة، حين يبلغ نشاط الصفوف المُتقدِّمة من الشعب ذروته. وحين تبلغ التردُّدات في صفوفِ الأعداء وفي صفوف أصدقاء الثورة الضعفاء، الحائرين غير الحازمين، أشدها، فتلك هي النقطة الثالثة. إن الماركسية لتمتاز عن البلانكية لأنها تصوغ هذه الشروط الثلاثة بالذات عند طرحها مسألة الانتفاضة”.

بالنظر إلى التاريخ، نجد التحريفات السائدة في كتب المناهج المدرسية تبدو مُضحِكة. وكما كَتَبَ هاردينج، فإن:

“هذا الإصرار على الحاجة للحقوق الديمقراطية كان مُتكامِلًا تمامًا مع استراتيجية لينين، بل كانت مركزيةً في التراث الذي بنى عليه وكرَّرَه عمليًا، إلى حد المللِ تقريبًا، في كل بياناته البرنامجية، إلى درجة أنه يتعذَّر تفسير وجود كل هذه الجوقة من المُنتقِدين الذين يُؤكِّدون على أن لينين قد تخلَّى عن النضال من أجل الديمقراطية”.

ليست هذه إلا واحدةً من التشويهات العديدة التي تخلَّل المناهج المدرسية عن الثورة الروسية. لم يُكتَب عن لينين إلا القليل في معارضته للحرب العالمية الأولى، أو عن المرسوم الذي يمنح حق تقرير المصير للأممِ التي اضطهدتها روسيا، أو رؤى لينين للمرأة – وكل ذلك يضع يصم الكثير من الساسة “التقدُّميين” اليوم بالعار. ولم يكن موقف لينين من هذه القضايا استثنائيًا أو عارضًا، بل كان جوهريًا في التزامه بالديمقراطية الحقيقية والشاملة، كان أساسيًا في نظامٍ من شأنه أن يجعل أغلبية سكات العالم – الطبقة العاملة – تُمسِك زمام الأمور.

لم يكن لينين صائبًا على الدوام، وكان في الأغلب في موقع الأقلية داخل حزبه. لكن تدخُّلاته الرئيسية عَكَسَت تفاؤلًا مبنيًا على إيمانه بالناس العاديين. ولم يكن ذلك تفاؤلًا قدريًا حتميًا يأمل في مستقبلٍ أفضل. كان طموحًا وضع الأولوية للتنظيم، والوضوح في الأفكار، والحاجة لشنِّ المعارك والسجالات، واغتنام الفرص، وإدراك الإمكانيات مهما بدت ناشئةً ومهما بلغت حداثة عهدها.

هُزِمَت الثورة الروسية، والستالينية – التي نشأت على أنقاضِ الثورة – جسَّدَت النقيض من الثورة والروح الديمقراطية التي بعثتها. وبالنسبة لأتباع ستالين في الشرق أو خصومهم في الغرب طيلة الحرب الباردة، فقد خَدَمَت أسطورة أن لينين أدَّى إلى ستالين أجنداتهم على السواء – جانبٌ من العالم يُمجِّد الديكتاتورية باعتبارها شيوعية، والجانب الآخر يدين الشيوعية باعتبارها ديكتاتورية. وفي كلتا الحالتين، سعت هذه السردية الزائفة إلى تحطيمِ وجدانٍ علينا اليوم أن نبعثه وننتصر له: أن “عالمًا آخر ممكنٌ”.

هذا الموضوع مترجم عن موقع الراية الحمراء الأسترالي. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

            

التعليقات