بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مائة عام على الثورة البلشفية: النساء والطبقة والبلاشفة

SW-395-International-Womens-Day

يُشدِّد معظم ما كُتِبَ عن الثورة الروسية 1917، بصورةٍ صائبة، على دور النساء العاملات في يوم المرأة العالمي في العاصمة الروسية آنذاك بتروجراد، حين أشعلت إضراباتهن شرارة الحركة الجماهيرية التي أسقطت القيصر. لكن هؤلاء النسوة يختفين بقية العام نفسه – باستثناء المفرزة النسائية المُسلَّحة التي حاولت الدفاع عن قصر الشتاء في مواجهة انتفاضة العمال في أكتوبر.

والحقيقة أن الكثير من النساء قاتلن في صفوف الحرس الأحمر (ميليشيات العمال المُسلَّحة) في معركة الاستيلاء على القصر، والكثير منهن ذهبن للقتال في الحربِ الأهلية بين عامي 1918 و1920 ضد الجيوش الإمبريالية الغازية التي كانت تدعم الجيش الأبيض المعادي للثورة.

النوع الاجتماعي والطبقة
يظل تاريخ الثورة الروسية حيًا، لأن الاستغلال الطبقي واضطهاد النساء لا يزالان مركزيَّين بالنسبةِ للرأسمالية، ولأن العلاقة بين الطبقة والنوع الاجتماعي لا تزال قيد النقاش.

لم تنفجر النساء فجأةً في الشوارع هكذا في استعراضٍ بدائي لغضبٍ غير مُنظَّمٍ وغير واع. فخلال الحربِ العالميةِ الأولى، دخلت النساء مواقع العمل بأعدادٍ كبيرةٍ، حتى وصلن في العام 1917 إلى 47% من قوة العمل في بتروجراد، وهي نسبةٌ مشابهةٌ للاقتصادات المُتقدِّمة اليوم.

انخرطت الكثيراتُ منهن في احتجاجاتٍ من أجل الخبز في منتصف العام 1915. وخلال العام 1916، خرج الكثير من العمال والعاملات في احتجاجاتٍ كبيرةٍ، في ظلِّ أزمةِ الغذاء، وبؤس الحرب، واستبدادية النظام القيصري.

وفي يناير 1917، بدأت جولةٌ جديدةٌ من الإضرابات العمالية التي جاء أحدها لإحياء ذكرى يوم الأحد الدامي للعام 1905، حين قتلت قوات القيصر العمال الذين خرجوا في مظاهرةٍ سلمية. شارَكَ 40% من قوة العمل الصناعية في بتروجراد في إضرابات إحياء الذكرى – بما يتضمَّن الآلاف من العاملات اللاتي قدن مظاهرة يوم المرأة العالمي بعد نحوِ شهرٍ من ذلك الحين.

لم تكن تنظيمات اليسار قد اتفقت على أمرٍ مُحدَّد للقيام به في يوم المرأة العالمي، بينما فضَّلَ البلاشفة تخطيطًا مُنظَّمًا لمظاهرة الأول من مايو. تجادل كلٌ من الكاتبتين جين ماكديرميد وآنا هيليار في كتابهما “ولَّادات الثورة – Midwives of the Revolution” بأن البلاشفة كانوا يخشون من العفوية الجامحة للنساء في ذلك اليوم. لكن، في الحقيقة، كان التحوُّل البائس الذي شهدته المظاهرات في يوم الأحد الدامي هو ما جعلهم حذرين يخشون ألا يكون العمال مستعدين بعد لهجومٍ شاملٍ على النظام. ولقد رحَّبَ البلاشفة، أكثر من أي تنظيمٍ آخر، بالنضالات العفوية، فقد أدركوا أن خلال هذه النضالات يتجذَّر العمال ويصيروا أكثر انفتاحًا على النقاشات الثورية.

وفي 22 فبراير، أي قبل يومٍ واحدٍ من يوم المرأة العالمي (التقويم القيصري الذي كان معمولًا به في روسيا آنذاك يتأخر عن التيوم اليولياني بثلاثة عشر يومًا) تحوَّل نزاعٌ في مصنع بوتيلوف، الذي اشتهر عماله بنضاليتهم، إلى إضرابٍ عن العمل. تظاهرت عاملات المصنع أمام مخازن الطعام. وقبل ذلك بأيامٍ قليلة، كانت عاملاتٌ قد تحدثن إلى جنودٍ ليطلبن منهم ضماناتٍ بأنهم لن يُطلِقوا عليهن النار إذا ما خرجن للتظاهر.

كانت إضرابات العاملات نتاجًا لأشهرٍ من التنظيم والإعداد الواعي. وليست هذه العملية مختلفةً عن الكيفية التي تتطوَّر بها النضالات اليوم، إذ يقاوم الناسُ مظاهر ظلم النظام، وتتنامى مستويات التنظيم والانخراط كلَّما اكتسَبَت الأعداد المتزايدة ثقةً أكبر.

سارت العاملات إلى مصانع المعادن المُجاوِرة، وألقين كرات الثلج على النوافذ كدعوةٍ للعمال للخروج. وبقيادةِ بلاشفةٍ مثل كايوروف، انضم عمال المعادن إلى النساء. وبدلًا من أن تدرك ماكديرميد وهيليار أن تضامن العمال الرجال ساعَدَ في تحويلِ المظاهرة إلى ثورة، تشوِّهان الأمر بالقول إن “الهيكل الهرمي التقليدي للحركة العمالية أبَرَزَ نفسه مُجدَّدًا، وفَرَضَ من جديد التمايز بين القضايا الاقتصادية والسياسية”. لكن قضايا ندرة الطعام، والأجور، وما إلى ذلك، كانت سياسيةً بدرجةٍ كبيرة، وقد مهَّدَت الطريق لرفع مطلب إنهاء الحرب. وكان من الطبيعي أن يتولَّى الأكثر خبرةً زمام القيادة.

وعلى مدار عقودٍ من الزمن، كان من الشائع بين العمال أن يدعوا زملائهم في مواقع عملٍ أخرى للخروج معهم. على سبيل المثال، لم يكن مصنع تريجولنيك للمطاط، والذي يُعد أغلب عماله من النساء والعمال غير المهرة، قد شَهَدَ أي إضرابات في التاريخ السابق على العام 1917، باستثناء حين “استدعاهم” العمال النشطين من مصنع بوتيلوف. هذا التقليد قد ضَمَنَ أن تُصعِّد العاملات مظاهراتهن في يوم المرأة العالمي دون عقباتٍ كبرى.

خلال العام 1917، ازدادت مشاركة النساء في الثورة بثبات، جالبةً معها تجذيرًا مشابهًا على الأقل في بعض الشرائح الأخرى. وشهد إضراب المغاسل في بتروجراد مشاركة 5500 عاملة في 200 مغسلة، وقد نُظِّمَ من خلال النساء البلشفيات في نقابتهن التي أُنشِئت في ذروة انتفاضة فبراير.

طالبت العاملات بيومِ عملٍ من ثمانِ ساعاتٍ فقط، وحدٍّ أدنى للأجور، ومهلةِ أسبوعين قبل الفصلِ من أي عمل، واعترافٍ بنقابتهن، ومعاملةٍ مُهذَّبةٍ من جانبِ مدرائهن، وإجازةٍ سنويةٍ مدتها أسبوعان، وإجازةٍ مرضية تمتد لشهر، وأن تُحفَظ وظائفهن لهن لستة أشهر إضافية. كانت هذه هي المطالب نفسها التي تتحرَّك الطبقة العاملة بأسرها من أجلها في لجان المصانع والسوفييتات التي انبثقت إلى الوجودِ بعد ثورة فبراير. احتشَدَ عمال بتروجراد المناضلين لدعم العاملات بينما كنَّ يناضلن ضد مدراءٍ قمعيين. وبحلول نهاية مايو، حقَّقت العاملات نصرًا كبيرًا في معركتهن.

يُقدِّم بعض المؤرِّخين، مثل ماكديرميد وهيليار، تأريخاتٍ ممتازة من جوانب عدة للثورة الروسية. لكن، تحت تأثير سياسات الهوية الشائعة اليوم، يسيئون فهم دينامية النوع الاجتماعي والنضال الطبقي. ويبدو تأريخ ماكديرميد وهيليار نقديًا لأن “الثوريين يرون نضال النساء كجزءٍ من النضال الطبقي العام”. وبالمثل، يرى المؤرخ الأمريكي ريكس ويد أن “القادة الاشتراكيين كانوا مهتمين بالنساء كعاملاتٍ يتقاضين أجورًا منخفضة بدلًا من كونهم أناسًا من نوعٍ اجتماعيٍ خاص”.

لكن في سياق الثورة، لم تكن هناك قضايا جندرية غير مُتعلِّقة بالطبقة. لنأخذ المطالب التي كان العمال، سواء النساء أو الرجال، يتحرَّكون من أجلها: الأجور المنخفضة غير المتساوية، وإجازة الأمومة، والإجازة المرضية، والتحرُّش الجنسي. هذه قضايا تُسلِّط الضوء على اضطهاد النوع الاجتماعي، قضايا يمكن للعاملات والعمال فقط أن يتحرَّكوا من أجلها. أما النساء البرجوازيات، فقد ارتكزن على اللامساواة لضمانِ أرباح أزواجهن والأجور البخسة في العمل المنزلي.

ولم يتجاهل العمال البلاشفة الذين قادوا الثورة ونشطوا في اللجان المصنعية والسوفييتات القضايا الجندرية، بسبب التشديد على الانتماء الطبقي ذاته. وكان ريتشارد ستيتس، وهو مؤرِّخٌ أمريكي لحركة النساء في روسيا، قد جادَلَ بأن البلاشفة تمكَّنوا من الارتباطِ بنساء الطبقة العاملة وزوجات الجنود بصورةٍ أسهل من المناشفة، لأنهم كانوا أكثر جذريةً وأكثر التزامًا بالنضال الطبقي.

لم يؤيد المناشفة الإطاحة العمالية بالحكومة، بل فضَّلوا إرسالَ المطالباتِ للجانٍ من أجل البتِّ فيها، على عكسِ البلاشفة الذين دعموا إضراباتِ أيٍ من كان بصورةٍ لا لبس فيها من أجل نيل المطالب، مُتجذِّرين في أوساط العمال.

كانت آريادنا تيركوفا صحفيةً ليبرالية، وعضوةً في حزب الديمقراطيين الدستوريين (الكاديت)، وهو حزبٌ برجوازي ليبرالي، وزوجةَ رجلِ أعمالٍ إنجليزي ثري. رحَّبَت بزوالِ نظامِ القيصر، شأنها في ذلك شأن الكثير من الرأسماليين، وكان يغمرها السرور والأمل بعالمٍ جديد قد طلَّ برأسه للتو. كتبت تيركوفا في يومياتها: “في تلك الأيام كان حسن الخلق وحسن النوايا هما السائدَين، وقد خلقا إحساسًا مشتركًا قويًا ينضح بالقوة والحيوية”.

لكنها، في غضون أيامٍ قليلة، سجَّلَت نفورَ طبقتها العليا من “الجموع في المقاطعات العمالية… الذين ينهبون المتاجر، ويجولون الشوارع هاتفين: الخبز”. وفي 1 أبريل، خَرَجَ عمال النسيج – العاملات منهم بالأساس – للتظاهر ضد الحكومة الانتقالية، فيما خَرَجَ متظاهرون مؤيدون للحكومة – رجالٌ ونساءٌ حسنو المظهر – وسخروا منهن ناعتين إياهن بـ”حثالة غير متعلِّمات”، و”فاسقات حقيرات”. فردَّت عليهم عاملةٌ تُدعى بيلاجيا رومانوفنا قائلةً: “أنتم ترتدون قبعاتٍ من صُنعِ أيدينا”. ومن ثم نشبت اشتباكاتٌ عنيفة.

كانت فظائعُ الحربِ سببًا مركزيًا في انتفاضِ العمال. لكن نسويات الطبقة العليا الليبراليات أيدن الحرب. افترضن أن طبقتهن هي من ستحكم الجمهورية الجديدة، وأن مصالحهن ستحفظها تلك الدولة التي تثبت مصداقيتها على جبهةِ الحربِ كقوةٍ إمبريالية. وفي 20 مارس، سرن في بتروجراد في مظاهرةٍ تطالب بحق الاقتراع العام في أي برلمانٍ جديد، لكن أيضًا تطالب بالقتال حتى النصر على الجبهة.

كانت النساء العاملات يصوِّتن بالفعل في اللجانِ المصنعية، والنقابات، والسوفييتات، وأحيانًا ما كنَّ يفرضن بالفعل إصلاحاتٍ مثل ثمان ساعات ليومِ العمل على أصحاب العمل. لذا فإن تعليقات المؤرِّخين بأن البلاشفة – الذين وقفوا دائمًا إلى جانبِ حق الاقتراع العام، على عكسِ الكثير من النسويات – لا يأبهوا بالتصويت لأنه لم يكن مهمًا بقدرِ المطالب الاقتصادية، لهي تعليقاتٌ سخيفة. ويوضح نص القرار التالي، الذي اتُّخِذَ في أحد المصانع حين بدا أن الحكومةَ الانتقالية تريد الاستمرارَ في الحرب، المواقف الطبقية المختلفة:

“لم يخرج الشعب والجيش في الشوارع لاستبدالِ حكومةٍ بأخرى، بل لوضع شعاراتنا موضع التنفيذ. وهذه الشعارات هي: الحرية، والمساواة، والأرض، والحرية، وإنهاء الحرب الدموية. وبالنسبةِ لنا، نحن الطبقات المحرومة، هذه المذبحة الدموية ليست ضرورة”.

كانت القياديات المنشفيات يتحدثن على المنصات النسوية من أجل الدعوة لاستكمالِ الحرب، أما النسويات البرجوازيات فكن يستقبلن النسوية البريطانية والقيادية في حركة سوفرجت، إيميلين بانكهرست، التي جاءت في زيارةٍ من يونيو إلى سبتمبر خصيصًا من أجل دعم المجهود الحربي. كانت تعقد اجتماعاتٍ خاصة في قصورهن، وساعدت في جمع المالِ من أجل إرسالِ مفرزة نسائية لاستبدال الجنود الفارين جماعاتٍ من الجبهة.

تظل هذه القضايا بالتأكيد مهمة، فالتشديد على هوية المرأة كفئةٍ مُضطهَدة لا يمكن أن يكون مرشدًا في أوقاتٍ من الاستقطاب الطبقي الحاد. في الولايات المتحدة اليوم، فإن نساءً ديمقراطيات مثل هيلاري كلينتون يدعمن تدمير حياة نساء الطبقة العاملة سواء من خلال تقليصِ الخدمات الاجتماعية، أو الإبقاء على انخفاضِ الأجور، أو قصف المدنيين في حروبٍ إمبريالية، أو ترحيل المهاجرين. وفي نفسِ الوقتِ، هناك الآلاف من النساء والرجال الذين يناضلون ضد هجمات ترامب الرجعية على حقوقِ النساء.

توضح الثورات أن التضامن الطبقي ضروري، وتتحدَّى الانقسامات الجنسية، وترفع المُضطهَدين أيضًا إلى مستوياتٍ جديدةٍ من الثقة. كانت النساء في الأغلب قادراتٍ على تنظيم وقيادة الرجال والاضطلاع بأدوارٍ ليست مرتبطةً بالقوالب الجنسية النمطية. وقد لعبت القيادية البلشفية أليكساندرا كولونتاي، التي كانت ذات شعبيةٍ هائلة كخطيبةٍ جماهيرية، دورًا رئيسيًا في الجولاتِ على الثكنات وحشد دعم الجنود لاستيلاء العمال على السلطة في أكتوبر.

العمل البلشفي بين النساء
تسيء ماكديرميد وهيليار فهم العناصر الأساسية لعمل البلاشفة في أوساط النساء، لكنهما لا يستطيعا الهروب من حقيقةِ أن البلاشفة كانوا المنظمة الوحيدة التي نظَّمَت وحفَّزَت نضالات نساء الطبقة العاملة. ومن ضمن التقييمات التي تتخلَّل كتابَهما، والتي تفترض أن البلاشفة، بسببِ تحليلهم الطبقي، لم يضعوا قضايا النوع الاجتماعي بجديةٍ في الاعتبار، يقولان أن البلاشفة كانوا “يستجيبون للنضالات العمالية بتوجيه منشوراتهم إلى كلٍ من العمالِ والعاملاتِ على حدٍّ سواء. كانت هذه النداءات محايدةً جندريًا”.

كان العمل الدعائي لصحيفة رابوتنيستا (المرأة العاملة) مركزيًا في نشاط البلاشفة خلال العام 1917. وتألَّفَت هيئة تحريرها من أعضاءٍ مؤمنين بتحرُّرِ المرأة كانوا قياديين في الحزب البلشفي لسنواتٍ طوال وقد تعرَّضوا للسجنِ والنفي. وكان للمصانع مُمثِّلوها في هيئة التحرير، وكان الاجتماعات تُعقَد أسبوعيًا حيث يمكن للجميع أن يحضرها لمراجعة التقارير المُرسَلة من مناطق مختلفة.

استخدَم البلاشفة “رابوتنيستا” لتنظيم النساء، بالأخص زوجات الجنود للتحريض على ما يتعرَّضن له من مظالم. وقد جَذّبَت الاجتماعات الكبيرة حشودًا ضخمة كانت تنهمر بعدها في الشوارع للاستماع إلى كلمات المُتحدِّثين البلاشفة. وحثَّت الصحيفة العمال الرجال على أن يروا النساء جزءًا لا يتجزَّأ من الحركة العمالية. بينما شرحت ماكديرميد وهيليار النهج البلشفي كما يلي:

“من جانب، تضمَّنَ ذلك تحديًا للنمط السلبي السائد للمرأة المُحافِظة، وإصرارًا على مبدأ المساواة بين الجنسين. لكن من جانبٍ آخر، ركَّزَ ذلك على قضايا “المرأة” (مثل دور الحضانة، واستحقاقات الأمومة، تشريعات العمل الحمائية)، وكذلك على المشكلات “الأسرية” المُتعلِّقة بالحرب”.

لقد حارب البلاشفة الفكرة السائدة بأن النساء – مع معدلات البطالة المتزايدة – يجب أن يكنَّ أول من يُسرَّحنَّ من العمل، مُستخِدمين على وجهٍ خاص نفوذهم في نقابة عمال المعادن. لكن ماكديرميد وهيليار ترجعان ذلك إلى “ضيق ومحدودية الممارسة البلشفية”، بسببِ تشديد البلاشفة على النضال الطبقي.

منذ الأشهر الأولى لعام 1918، أخذت الحرب الأهلية، والغزو الإمبريالي، والتخريب الاقتصادي على يد الرأسماليين، والعزلة الناتجة عن فشل الثورات عبر أوروبا، تمتص الدماء الحية للحركة الثورية.

لكن الحكومة البلشفية في ظلِّ هذه الظروف، قبل ثورة ستالين المضادة، أقرُّوا الاقتراع العام، وكذلك انتُزِعَت تشريعات الزواج والطلاق من اختصاصات الكنيسة والدولة، وصارت العلاقات المثلية مُعتَرَفةً بها، وأُزيلَ الإنجاب غير الشرعي كمفهومٍ قانوني، بينما أُدرِجَت إجازات الأمومة قبل وبعد الوضع في القانون. وعلاوة على ذلك، أُنشِئت المطابخ العامة ومراكز رعاية الأطفال في كلِّ مكانٍ بقدرِ الإمكان. وكانت هناك أولوية لبرامج محو الأمية والتعليم الضروري للنساء، إذ كانت الأمية منتشرة بينهن بنسبٍ كبيرة. كانت الموارد تُوفَّر لإجراء جراحات لأولئك الذين يريدون التحوُّلِ من جنسٍ لآخر، وحاوَلَ المُشرِّعون صياغة القوانين العامة بلغةٍ محايدة جندريًا لا تُوجَّه لنوعٍ اجتماعي دون آخر.

يستنتج ستيتس من عام الثورة أن: “من الواضح أن البلاشفة لم يواجهوا أي منافسة كمُنظِّمين ودعاويين بين نساء الطبقات الريفية الأدنى في العام 1917”. بينما تُقر ماكديرميد وهيليار بأن هؤلاء النسوة “كنَّ ببساطة صفحاتٍ بيضاء كَتَبَ عليها البلاشفة ما أرادوا. وفي المقابل، لجأنَّ إلى الحزب البلشفي لأن بدا وحيدًا في التعبير عن شئونهن كنساءٍ وعاملات، ولأنه بدا وحيدًا في تقدير إلحاح مطالبهن”.

تشير هذه الشهادة إلى أن التوجُّه الطبقي الثوري للبلاشفة هو ما جعلهم المُنظِّمين الأكثر تأثيرًا في النضالِ من أجلِ تحرُّر المرأة. وهذا التوجُّه هو ما يُفسِّر قيادة البلاشفة للعمال إلى انتفاضةٍ ناجحةٍ في أكتوبر، تلك التي أنشأت دولةٌ عماليةٌ (لم تعش طويلًا) مثَّلَت الأساس الوحيد الذي كان من الممكن بناء الاشتراكية، وكذلك تحرُّر المرأة، عليه.

هذا الموضوع مترجم عن موقع الراية الحمراء الأسترالي. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

التعليقات