بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ربيع براج: خمسون عامًا على النضال ضد ديكتاتورية الدبابات الستالينية

M-Czech-7-HT-Aug11

منذ خمسين عامًا، تدفَّقت الدبابات الروسية عبر الحدود مع تشيكوسلوفاكيا في الساعات الأولى من يوم 21 أغسطس 1968، بغرض الإطاحة بزعيم الحزب الشيوعي أليكساندر دوبتشيك، الذي كان قد دشَّنَ سياساتٍ إصلاحية عُرِفَت باسم “ربيع براج”. وقد فتحت هذه السياسات الإصلاحية الباب أمام حركةٍ عمالية وطلابية هدَّدَت الحكم الروسي للبلاد.

لكن مباهاة روسيا بـ”استعادة النظام” في أربعة أيام تبخَّرَت في غضونِ ساعاتٍ من الغزو، إذ أثار هذا الغزو انتفاضةً كبرى في عام 1968، عام الانتفاضة العالمية ضد الحرب والاضطهاد، وضد الرأسمالية، في قلب أوروبا الشرقية -الاشتراكية من الناحية الرسمية.

خرج الطلاب إلى الشوارع، وواجهوا الدبابات (*)، ونظَّموا الاعتصامات في الجامعات. فوجئوا بمسارعة العمال إلى دعمهم، إذ انهمرت رسائل التضامن من مواقع العمل عبر البلاد إلى الجامعات.

كَتَبَ جان كافان، الذي كان قياديًا طلابيًا في جامعة تشارلز في براج ذلك العام، مستدعيًا ذكريات التضامن واسع الانتشار بين الجامعات ومواقع العمل، قائلًا: “خلقت الاعتصامات الطلابية في نوفمبر 1968 تربةً خصبة لاتفاقاتٍ عمالية طلابية على الدفاع عن ربيع براج. كان الطلاب يذهبون إلى المصانع ويلقون الخطب على آلاف العمال. وقد عزَّزَ التهديد بتنظيم إضرابٍ عام ذلك الاتفاق الدفاعي بين اتحاد الطلاب واتحاد نقابات عمال الصناعات التشيكية”. أخذ الناس عبر البلاد يُمزِّقون لافتات الشوارع لإرباك القوات الغازية -اللهم إلا اللافتات التي تشير إلى الطريق المؤدي لموسكو.

رأسمالية الدولة
كان الدستور التشيكوسلوفاكي في ذلك الوقت ينص على أن “كل السلطة في جمهورية تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية تكمن في يد الجماهير العاملة”. لكن في الحقيقة، لم تكن الطبقة العاملة تحوز من السلطة أكثر مِمَّا في يد نظيراتها من الطبقات العاملة في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا. إذ كانت روسيا الستالينية، وكتلتها الشرق أوروبية، تمثِّل نُظُم رأسمالية دولة لها طبقات حاكمة تجسَّدَت في بيروقراطية الدولة.

كانت الثورة الروسية التي اندلعت عام 1917، بزعامة الحزب البلشفي الثوري لفلاديمير لينين، ثورةً اشتراكيةً حقيقية استولت فيها الطبقة العاملة على السلطة السياسية ولفترةٍ وجيزةٍ من الزمن أدارت المجتمع عبر المجالس العمالية المعروفة بـ”السوفييتات”. لكن الموجة الثورية التي انتشرت عبر أوروبا لم تُحقِّق تقدُّمًا كبيرًا مثلما فعلت في روسيا. وترتَّبَ على ذلك أن هَلَكَت الطبقة العاملة الروسية التي صنعت الثورة في أعقابِ غزوٍ إمبريالي استمر حتى العام 1921. وبينما فُرِّغَت السوفييتات من مضمونها، ظلَّ البلاشفة في السلطة مسئولين عن بيروقراطية ضخمة تابعة للدولة.

نمت هذه البيروقراطية على نحوٍ متزايد مع إحكام جوزيف ستالين السيطرة على مقاليد السلطة، وبدأت في تطوير مصالح طبقية خاصة بها. وبعد الحرب العالمية الثانية، فَرَضَت روسيا نظام رأسمالية الدولة الخاص بها على دول أوروبا الشرقية، مثل تشيكوسلوفاكيا.

عملت البيروقراطية الحاكمة بطرقٍ مماثلة لتلك التي اتبعها رؤساء الشركات الرأسماليين في الغرب. ففي ظلِّ الرأسمالية، تستغل الشركات العمال من أجل توليد الأرباح، وتبحث الشركات المتنافِسة عن طرقٍ جديدة لتعظيم هذه الأرباح. وبينما لم تكن هناك عمليًا منافسة من هذا النوع داخل نظام رأسمالية الدولة، كان هذا النظام ككل في منافسةٍ اقتصادية وعسكرية على المستوى الدولي.

أظهر برنامجٌ أُذيعَ على التلفزيون التشيكوسلوفاكي في أبريل 1968 كيف كانت هذه المنافسة تجري. استضاف البرنامج عددًا من المدراء الشيوعيين لشركاتٍ مملوكةٍ للدولة. في المشاهد الأولى للبرنامج، يظهر موقعُ بناءٍ نصف مكتمل، ويقول المُعلِّق: “لقد أقنعنا أنفسنا أن الإيقاع الذي تجري وفقه إعادة بناء المتاجر في شارع “نا موستكو” في براج، فضفاضٌ للغاية، في حين أنه في الحقيقة من المُفتَرَض أن ينتهي الأمر برمته في غضون عامٍ ونصف العام”. ويضيف: “سألنا الرئيس التنفيذي لشركة البناء ما إن كان المشروع قد ينتهي في وقتٍ أقرب إذا شاركت فيه شركةٌ أجنبية”. ردَّ الرئيس التنفيذي: “بالطبع هذه صحيح. لكن الفارق يكمن في الإمدادات بمواد البناء. لدى هذه الشركات الغربية أموالٌ أكثر، وتوقيتات تسليمٍ أسرع، واختيارات مفتوحة في استخدام مواد البناء”.

بعد ذلك، عَرَضَ البرنامج انتقاداتٍ لطريقٍ سريع افتُتِحَ حديثًا تكرَّر عليه وقوع الكثير من الحوادث لأن الأسفلت كان رديء الجودة. لكن الرئيس التنفيذي للشركة التي تولَّت مشروع إنشاء الطريق أوضح في هذا الصدد كيف كان عمل شركته منافسًا لرأس المال الغربي، قائلًا بفخر: “ليس الأمر صعبًا. كان لدينا 390 عامًا، وصار لدينا الآن 230 ونقوم بالمزيد من العمل. هذا ما يسمونه الإنتاجية الأفضل”.

كاقتصادِ رأسماليةِ دولة، كانت الأزمة والنضال الطبقي يتناميان داخل المجتمع التشيكوسلوفاكي كما في مجتمعات السوق الحرة في الغرب. وهذه التناقضات هي التي مَهَّدَت الأرض لربيع براج. كانت تشيكوسلوفاكيا واحدةً من الدول الأكثر ولاءً لروسيا منذ الخمسينيات. وكلُّ من وَقَفَ في وجه ذلك -بمن فيهم أعضاء الحزب الشيوعي أنفسهم- كان يتعرَّض لقمعٍ وحشي. لكن الاستقرار الذي كان مُتحقِّقًا في تشيكوسلوفاكيا بُنِيَ على أساس بيع المُنتجات الصناعية إلى دول الكتلة الشرقية الأكثر تأخُّرًا اقتصاديًا عنها، وفي أواخر الخمسينيات ضربت الأزمة الاقتصادية تشيكوسلوفاكيا. كيف إذن كان ردُّ فعلِ البيروقراطية؟ وكيف استجابت الطبقة العاملة لذلك؟

الحاجة إلى إصلاحات
في العام 1960، نَشَرَ الكاتب لاديسلاف مناتشكو كتابًا مثيرًا حمل عنوان “تقارير متأخرة”. وباعتباره مُحرِّرًا للصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي السلوفاكي “البرافدا”، كَتَبَ مناتشكو عن المحاكمات الصورية وحملة التطهير التي شنَّها النظام ضد المعارضين السياسيين في الخمسينيات.

روى مناتشكو في كتابه قصص الضحايا، وكَشَفَ الفظائع التي “خسفت الأرض بأفكارٍ وأهدافٍ عظيمة”. لم يكن ذلك على سبيل إحساسٍ بالذنب يضمره ضميرٌ ستاليني. ففي نفس العام الذي نُشِرَ فيه الكتاب، كان الركود الاقتصادي قد تحوَّلَ إلى كساد، وبرز مناتشكو في هذا الإطار كتعبيرٍ عن قطاعٍ متنامٍ من البيروقراطية أقرَّ آنذاك بالحاجةِ إلى إصلاحاتٍ اقتصادية.

ومن خلال كشف التنافس الداخلي بين الشركات المملوكة للدولة، أمل الإصلاحيون في تصفية الشركات غير الكفؤة واستعادة القدرة على توليد الأرباح. في البداية، قاوَمَت القيادة الستالينية المُتشدِّدة للأمين العام للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، أنطونين نوڨوتني، تطبيق الإصلاحات، فيما لم يرِد الإصلاحيون مواجهة هذه القيادة المُحافِظة في العلن. لكن حدثين مهمين قد وقعا وكان من شأنهما دفع الإصلاحيين للتحرُّك.

أولًا، كان الغضب يتنامى في صفوف الطبقات الوسطى. في المؤتمر العام لنقابة الكُتَّاب عام 1967، ندَّدَ الروائي لودفيك فاكوليك بالنظام ككل، قائلًا: “طيلة عشرين عامًا لم تجد أيُّ مشكلةٍ إنسانية في هذا البلد طريقًا إلى الحل”. لم يكن من نوڨوتني إلا أن طَرَدَ فاكوليك وثلاثة روائيين معارضين آخرين وأغلق صحفهم، فيما ظلَّ الإصلاحيون واقفين دون حراك.

ثانيًا، بعد عدة أشهر لاحقة، أدى انقطاع الطاقة في مكتبة ستراهوف في براج إلى إشعال غضب الطلاب، فتظاهر حوالي 1500 منهم في مسيرةٍ من المكتبة حتى وسط المدينة، هاتفين “نريد نور.. نريد المزيد من النور”، وقوبِلوا بقمعٍ وحشي من الشرطة، وأُجبِرَ قادتهم على التجنيد بالجيش.

إصلاحيون ومحافظون
ظنَّ نوڨوتني أن بإمكانه قمع الغضب المتنامي باستخدام الأساليب الستالينية المُجرَّبة. لكن هذا القمع طال الكثير من أعضاء الحزب المخلصين أيضًا بنفس القدر، مثل فلاديمير سوتشانيك، الذي كَتَب: “إنه أمرٌ مفزع بالنسبةِ لي كشيوعيٍّ قديم أن تنهال قوات الأمن الاشتراكي ضربًا على مظاهرةٍ طلابية سلمية مثلما تفعل الشرطة الرأسمالية”.

جاء الخطر الأكبر على النظام بعدما بدأ الإصلاحيون البحث عن حلفاءٍ لهم خارج أروقة البيروقراطية. بدأ أنصار أليكساندر دوبتشيك بالتوجُّه إلى الطلاب والكُتَّاب، ثم شرعوا يجولون المصانع. ساعدهم ذلك في إلحاق الهزيمة بنوڨوتني وإحلال دوبتشيك محله في يناير 1968. غير أن الإصلاحيين كان عليهم مواصلة الحراك ضد خصومهم المحافظين في البيروقراطية الحاكمة.

نظَّموا تجمهراتٍ طلابية بالآلاف بهدف إقصاء نوڨوتني عن قيادة الحزب، لكن على الجانب الآخر، كانوا يحاولون وضع حركة الطلاب في إطارٍ مُحدَّد لا تخرج عنه. قال أحد الإصلاحيين البارزين في تيار دوبتشيك، وهو جوزيف سمِركوفسكي، في خطبةٍ ألقاها على الطلاب: “لكم حقٌّ وعليكم واجب بأن تكونوا أكثر ثوريةً وراديكالية منَّا نحن الجيل الأقدم”، لكنه حذَّر من أن حركتهم ينبغي أن تكون “مسئولة”.

كانت قيادة دوبتشيك للحزب تهدف دائمًا وفي المقامِ الأول لاستعادة قوة النظام المُعتل في البلاد، مع الإبقاء على قبضة النخبة الحاكمة على مقاليد السلطة. نفَّذوا بعض الوعود، كإلغاء الرقابة مثلًا، لكن الحركة انطلقت من هذا الخطاب الديمقراطي الظاهري وأرادت أن تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. في الوقت نفسه، بدأت الطبقة العاملة تتشكَّك في الخطاب الاشتراكي الرسمي للنظام، وتتساءل في مصلحةِ مَن يصب هذا الخطاب.

قاوَمَ الإصلاحيون بصورةٍ متزايدة النضال المستقل من أسفل. وحين نَشَرَ فاكوليك بيانًا دعا فيه الشعب لتطهير الحزب من المحافظين، ندَّدَت قيادة دوبتشيك بذلك.

تراجع الإصلاحيين واستمرار النضال
في تلك الأثناء كان حُكَّام روسيا يتابعون تصاعد الموقف والهلع يتملَّكهم، إذ كانت الأمور تنفلت من بين أيدي الإصلاحيين الذين تقلَّدوا سلطة الحزب الشيوعي، وفي النهاية أرسلوا دباباتهم لحسم الأمور.

كان مستوى المقاومة التي أبدتها حركة العمال والطلاب تعني أن على الحُكَّام الروس أن يُمهِلوا وقتًا ويعيدوا فرض النظام ببطء. وهكذا سمحوا لدوبتشيك بالبقاء في منصب الأمين العام للحزب الشيوعي حتى أبريل 1969.

لكن قيادة دوبتشيك توصَّلَت إلى أن على حكومتها أن تصبح أكثر تعاونًا من أجل منع الخصوم المحافظين من العودة إلى مناصبهم. وفي محاولةٍ منها للحفاظ على الإصلاحات الاقتصادية، وقَّعت “بروتوكولات موسكو”، وتخلَّت عن الإصلاح السياسي. وضعها ذلك في مواجهةٍ مباشرة مع حركة العمال والطلاب، فهاجَمَت الإصدارات الطلابية بروتوكولات موسكو، معتبرةً إياها “استسلامًا”، وأن الحكومة “خانت الجمهورية”.

ذَكَرَ اتحاد نقابات العمال في صحيفته آنذاك: “فجأة اندلعت حركةٌ اجتماعيةٌ جديدة … لم يُدشِّنها الصحفيون ولا أساتذة العلم. هذه الموجة الجديدة إنما تُطلِقها الأصوات الجلية القاطعة للمصانع، وللأغلبية الساحقة من الطبقة العاملة”. لكن، في حين صارت النقابات العمالية المنبع الرئيسي لمناهضة غزو الدبابات السوفييتية، لم يكن قادة هذه النقابات قادرين على الحفاظ على استقلالية المطالب عن بيروقراطية الدولة الحاكمة.

ثم جاءت نقطةُ تحوُّلٍ رئيسية حين أقال دوبتشيك سمِركوفسكي، الذي كان عضوًا إصلاحيًا بارزًا في الحزب. ردَّ سمِركوفسكي على ذلك بأن توجَّه إلى نقابة عمال المعادن، التي هدَّدَت بإضرابٍ عام إذا ثبتت إقالته.

تدخَّلَ دوبتشيك وهدَّدَ في المقابل باتخاذِ إجراءاتٍ “قد تبدو غير ديمقراطية، لكنها ستكون في صالح الديمقراطية”. فتراجَعَ سمِركوفسكي ونأى بنفسه عن حركة العمال، وسَحَبَت النقابات تهديدها بالإضرابات.

في الذكرى الأولى للغزو، أغسطس 1969، انتشرت الإضرابات العمالية في البلاد على نطاقٍ واسع، وخرج ما لا يقل عن 100 ألف متظاهر في الشوارع وسط قنابل الغاز والضرب بالهراوات، لكن سرعان ما تبدَّد الغضب كالبخار. صحيحٌ أن ربيع براج آل في نهاية المطاف إلى الهزيمة، لكنه خَلَقَ موجاتٍ من الصدمة هزَّت الاشتراكيين حول العالم، إذ فَضَحَ “اشتراكية” روسيا الستالينية، وفَتَحَ الباب أمام إمكانية بناء بديل اشتراكي حقيقي من أسفل.

هوامش:
(*) أشعل الطلاب النيران في بعض الدبابات، وسقط في النهاية ما يقرب من 100 قتيل من المتظاهرين التشيكوسلوفاك – المترجم.

– هذا المقال مترجم عن صحيفة العامل الاشتراكي البريطانية.

   

التعليقات