بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البلاشفة والإسلام

رغم أن هذه الدراسة، التي نشرت في العدد 110 من مجلة إنترناشيونال سوشياليزم (ربيع 2006)، تتناول الموقف من المسلمين والإسلاميين في سياق مختلف كثيرا عن السياق المصري والعربي، وهو سياق كون المسلمين أقلية دينية ترزح تحت الهيمنة الإمبريالية والتحيز العنصري، إلا أنها تظل شديدة الأهمية في إبراز بعض أسس المنظور الثوري للتعامل مع الدين والقوى الدينية ـ السياسية. تؤصل الدراسة، بالعودة إلى التراث البلشفي، نقدا قديما ـ حديثا للرؤية التنويرية المحدودة المناهضة للقوى الدينية على طول الخط، وتطرح موقفا جدليا يميز بين القوى الدينية الرجعية وبين الجماهير المتدينة وضرورة كسبها من خلال سياسة ستتضمن بالضرورة تحالفات عملية مؤقتة مع بعض قياداتها السياسية والروحية.
المحرر

[قبل أعوام قليلة] كان حجاب الرأس، والإسلام عامة، موضوعان أساسيان للسجال في أوساط اليسار الثوري [الأوروبي]. في هذا السجال أخذ جلبير أشقر، أحد أعضاء عصبة الشيوعيين الثوريين [الفرع الفرنسي للأممية الرابعة]، موقفا وسطيا. فقد انتقد بعض أعضاء حزبه، وكذلك موقف اليسار الفرنسي، من الحجاب، بينما اتهم حزب العمال الاشتراكي [حزب تيار الاشتراكيين الأمميين في بريطانيا] بأنه اختار التحالف انتخابيا “مع إحدى مؤسسات الإسلام الأصولي مثل الجمعية الإسلامية البريطانية”.

لكن أشقر قدم تنازلا ضخما للاعتقاد اليميني القائل إن الإسلام متفرد في اختلافه عن الأديان الأخرى. وذلك عندما دافع عن الفكرة التي تقول إن القرآن لا يحتمل أية تأويلات يسارية من النوع الذي نجده في المسيحية كـ”لاهوت التحرير”. فالقرآن، من وجهة نظر أشقر، يسجن المسلمين في تركيبة عقلية رجعية.

لكن في الواقع هناك أمثلة كثيرة على منظمات يسارية تنشأ في أوساط أناس ذوي معتقدات إسلامية. فمالكولم إكس كان أحد المؤثرين الرئيسيين على قيادات حزب الفهود السود في الستينات، بينما دافع قادة منظمة مجاهدي خلق في إيران عن صهر الماركسية بالإسلام في الكفاح المسلح ضد شاه إيران. وفي الوقت نفسه، فالطبقة الحاكمة في بلدان إسلامية كانت من حين إلى آخر تجرب استخدام الخطاب اليساري لإنعاش جاذبيتها الجماهيرية، والمثال على ذلك “الاشتراكية الإسلامية” التي ادّعاها قادة الانقلاب العسكري في أفغانستان في 1973، أو ذو الفقار علي بوتو في برنامجه للتأميم في باكستان في منتصف السبعينات.

وهكذا، فإذا كان المسلمون يمكنهم أن يتبنوا أفكارا ثورية، فماذا كانت الخبرة التاريخية للمنظمات الماركسية المبدئية التي حاولت كسبهم للاشتراكية؟

تفتقر معظم النقاشات الدائرة حول هذا الموضوع إلى فهم مسألة كيف نشر البلاشفة، تحت قيادة لينين بعد 1917، ثورتهم في أوساط شعوب الإمبراطورية الروسية السابقة، حيث كان 10% من السكان ـ حوالي 16 مليون شخصا ـ من معتنقي الإسلام.

هذا المقال المختصر يساهم في تعويض هذا النقص. سأحاول هنا أن أوضح أن سياسة البلاشفة خلال المدة من سنة 1917 وحتى منتصف العشرينات كانت مختلفة تماما عن سياسة المطاردة التي اتبعها ستالين ضد الإسلام بدءا من سنة 1927، وأنه خلال هذه السنوات المبكرة رحب البلاشفة بدخول المسلمين في الحزب الشيوعي، ومارسوا على نطاق واسع أنشطة قائمة على سياسة الجبهة المتحدة مع منظمات إسلامية.

أنا أهدف إلى إنقاذ لينين من تلويث السمعة الذي يتعرض له من اليمين، وأيضا إلى استخلاص بعض الدروس من التجربة البلشفية. إن هذه المسألة لهي ذات أهمية أكثر عمومية بالنسبة [لأي مجموعة] من اليساريين الثوريين تخرج من عزلتها بعد 30 عاما من التراجع في الصراع الطبقي. فكما يقول أليكس كالينيكوس: “إن موضوع الحجاب هو أحد أعراض المرض الحقيقي وهو: كيف نفتح أبواب حركتنا لتضم هؤلاء الموجودين في قاع المجتمع الأوروبي والذين يعانون من كل من الاستغلال الاقتصادي والاضطهاد العنصري، وكثيرين منهم، لهذا السبب بالتحديد، يلجأون لمعتقداتهم الإسلامية ليحتموا بها. إذا نحن استبعدنا أي مجموعة من المنتمين للطبقة العاملة بسبب الملابس التي يرتدونها أو بسبب معتقداتهم التي يعتنقونها، فإننا نكون قد نفينا أنفسنا إلى صحراء العصبوية. إنها ليست مبالغة أبدا أن نقول إن اليسار يحمل واجبا عالميا للوقوف بجانب المسلمين ضد العنصرية والإمبريالية.”

الإسلام وانهيار الإمبراطورية
عانى المسلمون كثيرا على أيدي الإمبريالية الروسية. وقد طفا غضبهم على السطح بعد سَنّ قانون التجنيد الإجباري في آسيا الوسطى أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما أدى التمرد الجماهيري في صيف 1916 إلى فقدان 2500 مستوطن استعماري لحياتهم. وقد تلا هذا التمرد قمع وحشي: إذ ذبح الروس حوالي 83000 مواطنا.

ولذا، جذّرت أزمة القيصرية في 1917 ملايين المسلمين الذين طالبوا بحرية العقيدة وبحقوقهم الوطنية التي كانت الإمبراطورية تنكرها عليهم.

في مايو 1917 عُقد أول مؤتمر لمسلمي عموم روسيا في موسكو. ومن ضمن 1000 مندوب حضروا المؤتمر، كانت هناك 200 امرأة. وبعد مناقشات ساخنة صوّت المؤتمر على تحديد ساعات العمل بـ8 ساعات في اليوم، وإلغاء الملكية الخاصة للأرض، ومصادرة الملكيات الكبيرة للأراضي بدون تعويض، والمساواة في الحقوق السياسية بين الرجل والمرأة، وأخيرا منع تعدد الزوجات والحجاب (البرده). وقد عنت نتائج هذا المؤتمر أن المسلمين الروس هم أول من حرر المرأة من القيود التي كانت تُفرض عليها في باقي المجتمعات المسلمة في ذلك الوقت.

على جانب آخر، كان الإسلام تحت الإمبراطورية الروسية أبعد ما يكون عن وحدة النمط. فعلى سبيل المثال لم يكن التتار والقيرغيزيون ذوي تراث في تحجيب النساء. وفي الأماكن بوسط آسيا التي كان بها حجاب وعزل للنساء، أتت هذه الممارسات في الأغلب عقب الاستعمار الروسي، وكانت من عادات النساء المدينيات من العائلات المتيسرة ماليا.

في هذه الأثناء أصبح أحد التيارات الفكرية الإسلامية بوسط آسيا ـ تيار التجديد أو رجال المذهب الجديد ـ ذو أهمية فائقة بالنسبة للثورة الروسية. فلقد سعى أنصار هذا التيار لتأويل تراثهم الإسلامي في ضوء الغزو الروسي لبلادهم.

بلور أنصار “تيار التجديد” نقدا لاذعا للإسلام كما تبدى في مطلع القرن العشرين في آسيا الوسطى، مرجعين “تدهور” و”تحلل” مجتمعاتهم إلى بُعدها عن طريق الإسلام “النقي”.

لكن “الإسلام النقي” بالنسبة للتجديديين كان يعني تأويلا عقلانيا للنصوص يشترط توفر المعرفة الحديثة التي تجعل الأمم قوية وغنية. المفكرون الرئيسيون لهذا التيار كانوا مفتونين بالتقدم والتقنية بقدر اهتمامهم بدفع مجتمعاتهم على طريق الإسلام. مثقفو الطبقة الوسطى المعادون للإقطاع هؤلاء سعوا إلى إسلام معتمد على التعليم، وأرادوا أن تلعب المرأة دورا أكثر فعالية بكثير في المجتمع.

كان التجديديون لذلك يرون الغرب كمنبر للحداثة والتقدمية، وكانوا يقفون ضد رجال الدين الإسلاميين الذين اعتبروهم سبب من أسباب تأخر المجتمع الإسلامي. وقد آمنوا بالليبرالية الروسية، ولذا فقد أيدوا الحرب سنة 1914. ولكن بمرور الوقت، ومع تراكم جثث القتلى، انقلب التجديديون على مثلهم الأعلى السابق. وقد أتت ضربة إضافية لإيمانهم بالليبرالية الروسية عندما نشر تروتسكي في عام 1918 المعاهدات السرية التي تكشف خطط الإمبريالية الغربية لتمزيق الإمبراطورية العثمانية.

بحلول هذا الوقت كان التجديدون قد بدأوا يطلقون على أنفسهم اسم “البخاريون الشباب”، نسبة إلى “الأتراك الشباب” الذين قادوا الثورة التركية 1908 (بخارى كانت مركز ديني وثقافي في وسط آسيا).

وسوف يكتب عبد الرؤوف فيترات (Abdurauf Fitrat)، وهو أكثر التجديديين تأثيرا في ذلك الوقت، في 1919 قائلا أن واجب إخراج الإنجليز من الهند “هو بنفس قداسة واجب إنقاذ صفحات القرآن من أن يسحقها حيوان بقدميه.. وهمّ يساوي في مركزيته همّ إخراج خنزير من مسجد.”

على ذلك أصبحت البلشفية بديلا جذابا لكثير من التجديديين الذين “تقاطروا إلى أجهزة الحكم الجديدة التي أسسها النظام السوفيتي.” وقد أشرفت قوميسيارية [وزارة] الإسلام في موسكو على سياسة روسيا تجاه الإسلام، بينما تبوأ مسلمون ذوي تاريخ شيوعي محدود مناصب رفيعة في هذه الوزارة.

لم يكن التجديديون من بين مسلمي الإمبراطورية السابقة هم وحدهم الذين انجذبوا إلى البلشفية. فقد كان هناك نقاشا منتشرا بين المسلمين حول التماثل بين القيم الإسلامية والمبادئ الاشتراكية. وقد دعا أنصار “الاشتراكية الإسلامية” المسلمين إلى إقامة السوفييتات. وكان من ضمن الشعارات الشعبية آنذاك: “الدين، الحرية، والاستقلال الوطني!”.. و”تحيا السلطة السوفيتية، تحيا الشريعة!”

ويمكننا أن نكتشف لمحة من المزاج العام آنذاك على يد محمد بركة الله، وهو أستاذ جامعي سابق في اليابان. وقد كان في 1919 مستشارا للتاج الأفغاني الذي كان يتهيأ للحرب ضد بريطانيا.

سافر بركة الله كثيرا في أنحاء آسيا الوسطى (وكانت تعرف آنذاك بتركستان) ليقوم بتوزيع كراسه “البلشفية والسياسة الإسلامية”. وقد كان أن وقعت نسخة من الكراس في يد المخابرات البريطانية العاملة في الهند، وقد قامت بترجمتها من الفارسية، وهي تستحق أن نورد جزءا منها فيما يلي:

“بعد الليالي الطويلة المظلمة للأوتوقراطية القيصرية، انبلج فجر الحرية في الأفق الروسي، حيث بزغ لينين كشمس مشرقة تمنح الضوء والألق ليومنا هذا المتمتع بسعادة البشرية.. لقد وُضعت إدارة الأراضي الروسية والتركستانية الشاسعة في أيدي العمال والفلاحين والجنود. لقد زالت التفرقة على أساس العرق أو الدين أو الطبقة. ولكن عدو هذه الجمهورية النقية الفريدة هو الإمبريالية البريطانية التي تأمل أن تُبقي البلاد الآسيوية في حالة من العبودية الدائمة. فلقد سيّرت الجنود إلى تركستان لاقتلاع الأشجار الوليدة لحرية الإنسان، بالضبط في اللحظة التي بدأت فيها تلك الأشجار تغرس جذورها في الأرض. لقد آن الأوان للمحمديين [أي المسلمين] في العالم، وللبلاد الآسيوية، أن يتفهموا المبادئ النبيلة للاشتراكية الروسية وأن يتمسكوا بها بجدية وحماس. عليهم أن يفهموا ويعوا الفضائل الكبرى التي يعلمنا إياها هذا النظام الجديد، وعليهم، دفاعا عن الحرية الحقيقية، أن ينضموا إلى جنود البلاشفة في معركتهم لصد هجمات المرابين والطغاة البريطانيين. عليهم، بدون أية إضاعة للوقت، إرسال أولادهم للمدارس الروسية لتعلم العلوم الحديثة والفنون الرفيعة والفيزياء التطبيقية والكيمياء والميكانيكا.. إلخ. آه يا آل محمد، أنصتوا إلى هذه الصيحة المقدسة، وتجاوبوا مع الدعوة إلى الحرية والمساواة والأخوة التي يقدمها لكم أخوكم لينين وكذا الحكومة السوفيتية في روسيا.”

السوفييتات والمسلمين
كانت حرية العقيدة تعتبر من أهم عناصر التحرر الوطني لشعوب المستعمرات الروسية السابقة المضطهدة. وقد اتجهت سياسة البلاشفة، بقدر الإمكان، لرأب الصدع وعلاج الجرائم التي ارتكبت في عصر الإمبراطورية ضد الأقليات القومية ومعتقداتها. تلك لم تكن فقط مسألة عدالة وديمقراطية في أبسط الصور، ولكنها كانت أيضا أمرا ضروريا لإعطاء الفرصة للانقسامات الطبقية بين المسلمين للظهور على السطح. ولذا فقد كان الاستقلال القومي والإدارة الذاتية عنصران مركزيان في السياسة الروسية. وقد نص إعلان أصدرته الحكومة السوفييتية الجديدة في 24 نوفمبر 1917، وعنوانه “إلى كل العمال المسلمين في روسيا والشرق”، على الآتي: “يا مسلمي روسيا.. يا أيها الذين دُمرت مساجدهم وبيوت عبادتهم، يا أيها الذين اضطهدوا بسبب عاداتهم ومعتقداتهم على يد قياصرة ومستبدي روسيا: إن معتقداتكم وشعائركم ومؤسساتكم الثقافية والقومية لهي في أمان دائم وممنوع انتهاكها. واعلموا أن حقوقكم، كحقوق كل المواطنين في روسيا، تحت الحماية الجبارة للثورة.”

وقد تم وضع برنامج ضخم لما يمكن أن يطلق عليه اليوم “التمييز المضـــاد” (affirmative action)، سُمي بالكورنيزاتسيا، أي إحلال السكان المحليين محل المستوطنين الروس. وقد بدأ بطرد المستعمرين الروس والقوزاق والمتحدثين باسمهم من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في تلك المناطق. وتوقفت اللغة الروسية عن الهيمنة، وعادت اللغات المحلية إلى المدارس وإلى الحكومة وإلى المطبوعات. وقد تمت ترقية السكان المحليين ليشغلوا مناصب في الدولة وفي الأحزاب الشيوعية المحلية وأعطوا أولوية حتى عن الروس في التعيينات. وقد أُنشئت جامعات لتدريب جيل جديد من القادة غير الروس.

أيضا أُعيدت الآثار والكتب الإسلامية المقدسة التي نهبتها القيصرية إلى المساجد. وقد تم تسليم القرآن الكريم المعروف بقرآن عثمان في احتفال مهيب إلى المجلس الإسلامي في بتروجراد في 25 ديسمبر سنة 1917. وقد أُعلن يوم الجمعة، يوم الاحتفال الديني بالنسبة للمسلمين، يوم الأجازة الرسمية في كل آسيا الوسطى.

كان تطبيق الشريعة الإسلامية مطلبا أساسيا للمسلمين خلال ثورة فبراير 1917. وحيث أن الحرب الأهلية اقتربت من نهايتها خلال سنتي 1920 ـ 1921، فقد أُنشئ نظام قضائي موازي في وسط آسيا وكذا القوقاز. حيث تجاورت المحاكم الإسلامية التي تطبق الشريعة مع المؤسسات القضائية السوفيتية. وكان الغرض من هذا هو منح الشعب حرية الاختيار بين العدالة الدينية والعدالة الثورية. وقد استحدثت لجنة للشريعة في قوميسيارية العدل السوفيتية للإشراف على هذا النظام. وفي 1921 تم إنشاء سلسلة من اللجان في داخل الوحدات المحلية للإدارة السوفيتية بهدف موائمة النظام القانوني الروسي مع ظروف بلدان آسيا الوسطى، مع السماح بحلول وسط بين النظامين القانونيين الإسلامي والسوفيتي حول مسائل مثل الزواج في سن صغيرة وتعدد الزوجات.

بعض أحكام الشريعة، مثل الرجم وقطع اليد، تم منعها قانونا. وكان لابد أن تحظى قرارات المحاكم الشرعية في هذه الأمور بالإقرار من مستويات أعلى في سلم العدالة. أيضا بعض المحاكم الشرعية هزأت بالقانون السوفيتي ورفضت منح الطلاق بناء على طلب الزوجة، أو قررت اعتبار شهادة امرأتين مساوية لشهادة رجل واحد. وعليه فقد صدر قانون في ديسمبر 1922 يسمح بإعادة المحاكمة أمام المحاكم السوفيتية بناءً على طلب أحد المتقاضين.

وبالمثل فإن من 30% إلى 50% من حالات التقاضي كانت تحل بمعرفة المحاكم الشرعية، وقد وصلت النسبة في الشيشان إلى 80%. وفوق ذلك، فإن عملية التأثير المتبادل بين النظامين القانونيين لم تسر في اتجاه واحد فقط: كانت هناك حالات مال فيها الموظفون الروس ناحية الشريعة، مثلا بإدانة رجال لشربهم الخمر أو لدخولهم منزل مع امرأة غير متحجبة.

وقد أُنشئ أيضا نظام تعليمي موازي. ففي سنة 1922 أعيدت بعض الأوقاف للإدارة الإسلامية شريطة أن تستخدم في التعليم. ونتيجة لهذا زادت المدارس الدينية. ففي سنة 1925 كانت هناك حوالي 1500 مدرسة دينية بها حوالي 45000 تلميذا في دولة داغستان بالقوقاز في مقابل 183 مدرسة تتبع الدولة.

وكانت نتيجة السياسات البلشفية أن انقسمت الحركة الإسلامية إلى يمين ويسار. فمن الواضح أن المؤرخين اتفقوا على أن معظم قادة المسلمين عبروا عن دعمهم المشروط للدولة العمالية، مقتنعين أن هناك فرصة أفضل لحرية العقيدة تحت السلطة السوفيتية.

وعلى هذا فقد استطاع البلاشفة عقد أحلاف مع المجموعة الكازاخية الإسلامية آش ظاظ (UshـZuz) التي انضمت إلى الحزب الشيوعي في عام 1920، ومع ميليشيا حرب العصابات الفارسية الإسلامية في الجنجيليز (Jengelis)، ومع الفايسايتس (Vaisites) وهي مجموعة إخاء صوفية باطنية. وفي داغستان، تأسست السلطة السوفييتية إلى حد كبير بفضل أنصار القائد الإسلامي علي حجي أكوشينسكي (AliـHadji Akushinskii). وفي الشيشان استطاع البلاشفة كسب علي ماتاييف (Ali Mataev)، وهو رأس أحد الجماعات الصوفية القوية، وقد ترأس اللجنة الثورية الشيشانية.

وقد وظّفت موسكو قوات غير روسية، كثير منها كان من المسلمين، في الحرب في وسط آسيا، بينما تم دفع وحدات مكونة من تتار وبشكيريين وكازاخيين وأوزبكيين وتركمان للقتال ضد الغزاة المناهضين للبلاشفة. وفي الجيش الأحمر، زادت نسبة الجنود التتار في الجبهة الشرقية والتركستانية في الحرب الأهلية على 50%. وفي الجيش الأحمر بالقوقاز وصل عدد أفراد “سرايا الشريعة” التابعة للملا الكبارديني كاتكاخانوف (Katkakhanov) إلى عشرات الآلاف.

وقد كتب القائد البلشفي التتاري مير سعيد سلطان غالييف يقول: “خلال الحرب الأهلية كان من الممكن أن ترى قرى أو حتى قبائل بأكملها من شعوب الجبال تشارك في المعركة في صف القوات السوفييتية، وضد قوات بيشاراهوف (Bicharahov) ودينيكين (Denikin) فقط لأجل دوافع دينية: “السلطة السوفيتية تعطينا حريات دينية أكبر من تلك التي يعطيها البيض” هكذا كانوا يقولون.”

وفي هذا السياق استخلص بعض المسلمين استنتاجات ثورية وانضموا إلى الأحزاب الشيوعية بأنفسهم. وقد لاحظ تروتسكي في 1923 أنه في بعض الجمهوريات الجنوبية وصل عدد أعضاء الحزب من المؤمنين بالإسلام إلى 15%. وكان يلقبهم بـ”الثوريين الخام الذين يأتون ليطرقوا أبوابنا”. وفي بعض أنحاء وسط آسيا كان المسلمون يكونون 70% من أعضاء الحزب الشيوعي. وقد جلبوا معهم بعض بقايا عاداتهم ومعتقداتهم، حتى أنه في منتصف العشرينات كانت زوجات بعض الأعضاء القياديين بالحزب الشيوعي في آسيا الوسطى محجبات.

وقد ذكر المؤرخ أديب خاليد أنه عندما شُكل الحزب الشيوعي في تركستان “كانت كل الدلائل تشير إلى أن التجديديين الإسلاميين تقاطروا للانضمام إليه فور أن أصبح هذا ممكنا.”

لكن الأمر احتاج إلى معركة حقيقية لسحق الشوفينيين الروس في آسيا الوسطى الذين قفزوا إلى عربة الثورة بعد 1917، واغتصبوا شعار “سلطة العمال” وحوّلوا إياه إلى سلاح ضد السكان المحليين الذين كانوا في أغلبيتهم فلاحين. فقد تسببت الحرب الأهلية في عزل إقليم وسط آسيا عن موسكو لمدة عامين، مما مكّن هؤلاء البلاشفة الزائفون من اضطهاد السكان المحليين بيد طليقة. وكنتيجة لذلك تأسست الحركة البسمكية (Basmachi) وهي حركة تمرد إسلامية مسلحة، مما حدا بلينين إلى التحدث عن الأهمية التاريخية الكبرى لإعادة الأمور إلى نصابها. وفي عام 1920 أمر بإرسال كل الأعضاء السابقين في البوليس والجيش وقوات الأمن والإدارة، وغيرهم من الذين أفرزتهم المرحلة القيصرية، والذين تسلقوا حول السلطة السوفيتية في وسط آسيا لأنهم رأوا فيها أداة استمرار للهيمنة الروسية، إلى معسكرات الاعتقال.

وكجزء من هذا التطهير، كانت سياسة الحزب الشيوعي في آسيا الوسطى تؤكد على: “التحرر من التحيز الديني هي شرط عضوية فقط للروس”. وبحلول 1922، كان أكثر من 1500 روسي قد طردوا من الحزب في تركستان بسبب معتقداتهم الدينية الأرثوذكسية، ولكن لم يطرد مسلم واحد.

هجمة ستالين على الإسلام
الجهود البلشفية لضمان الحرية الدينية والحقوق القومية كانت دوما عرضة للتقويض بسبب ضعف الصناعة السوفيتية وما نتج عن ذلك من “كفاح” لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان. الفقر المدقع جر النظام كله إلى أسفل. فمبكرا، في 1922، اضطرت موسكو إلى تقليص دعمها لوسط آسيا، وكان لابد من إغلاق الكثير من المدارس الحكومية. وقد هجر المدرسون وظائفهم بسبب عدم قدرة الدولة على صرف المرتبات. وكان معنى هذا أن المدارس الإسلامية التي يمولها المجتمع المحلي أصبحت هي البديل الوحيد.

“عندما لا تستطيع أن توفر للناس الخبز، فإنك لا تجرأ على منع البديل”، هذا ما قاله قومسيار التعليم في النظام السوفيتي لوناشارسكي. تم سحب كل التمويل المركزي للمحاكم الشرعية في 1924. ولكن العوامل الاقتصادية كانت بالفعل قد منعت المسلمين من تقديم مشاكلهم للمحاكم. فمثلا إذا رفضت فتاة مبدأ تعدد الزوجات وامتنعت عن الزواج من رجل متزوج، فإن فرصها ستكون نادرة في الحصول على وظيفة لتقيم أودها لأنه لم تكن هناك وظائف ولم يكن هناك مكان آخر لتعيش فيه. وفي روسيا نفسها تراجعت أوضاع النساء، حيث أدت البطالة وعدم قدرة الدولة على تقديم حقوق مناسبة للأمومة إلى إجبار النساء على العودة إلى المنزل وأعادت بعث الأسرة التقليدية من جديد.

وفي غمار سعيها لمركزة وتقوية سيطرتها، وجدت البيروقراطية الستالينية الصاعدة أن النزعة القومية الروسية، بتأكيدها على الاستمرارية بين الستالينية والنظام القيصري، يمكنها أن تكون أداة قوية لربط عمال الجماعة القومية الرئيسية ـ أي العمال الروس ـ بالنظام. ولهذا السبب قام ستالين بالهجوم بشكل متزايد على “الانحرافات القومية” في الجمهوريات غير الروسية، وشجع عودة الشوفينية الروسية. وقد وجد دعما لهذا التوجه في أوساط الموظفين السابقين من عهد القيصرية الذين اضطر البلاشفة إلى الاعتماد عليهم في الجيش وفي كل أجهزة الدولة والاقتصاد. وفي 1922 حذر لينين أن البلاشفة على وشك “الغرق في بحر من الرعاع الشوفينيين الروس، كما تغرق الذبابة في اللبن.”

ومع تزايد قوة هذه الميول بدءا من منتصف العشرينات، بدأ الستالينيون يخططون لهجوم شامل على الإسلام تحت راية الهجوم على “الجرائم التي تسببها العادات” مركزين على “حقوق النساء”، ومركزين في أوزبكستان وآذربيجان على الحجاب بالتحديد. شعار الحملة كان “هجوم”(hujum) ، وهي الكلمة التي تعني الانقضاض باللغة المحلية.

بعد عامين من الدعاية غير المؤثرة إلى حد بعيد، دخل الـ”هجوم” إلى مرحلة الفعل الجماهيري في الثامن من مارس 1927 ـ يوم المرأة العالمي. فقد تمت دعوة النساء في اجتماعات جماهيرية إلى خلع الحجاب: وكان المفترض أن تتقدم مجموعات صغيرة من النساء إلى المنصة وتخلع أحجبتها ثم تلقي بها في النار.

مؤلف دراسة حديثة عن الهجوم يشير إلى أنه في السنوات الأولى للسلطة البلشفية، لم تطرأ فكرة تشجيع، ناهيك عن إجبار، النساء على إدانة الحجاب، على عقول البلاشفة:

“والخلاصة أن مخاطر الحجاب الاجتماعية وآثاره الضارة كانت، في أحسن الأحوال، مسألة ثانوية قبل عام 1926. وبالفعل، فإن سياسة الحزب قبل 1926 كانت واضحة إلى حد كببر في مسألة أن خلع الحجاب لا ينبغي أن يكون قضية مركزية بالنسبة لإدارات المرأة في السلطة السوفيتية. وفي الواقع العكس كان هو الأقرب إلى الصحة ـ الكثير من البلاشفة في مواقع السلطة دافعوا بقوة ضد سياسة الترويج لخلع الحجاب، مقدرين أن هذا كان سابقا لأوانه، أو الأسوأ أنه انحراف سيضر مصالح الحزب.

في مايو 1920 قال ميخائيل فرونز، أحد قادة الجيش الأحمر، في حشد من 118 من النساء تمثلن مندوبات المؤتمر الأول لنساء التركستان، وقد كن كلهن محجبات، أنه “في أعين السلطات السوفيتية يعتبر البارانجي (paranji) الذي يرتدونه (وهو حجاب ثقيل من شعر الخيل يغطي الجسد كله ويصل تقريبا إلى الأرض) لا يحمل أي مدلول سلبي بخصوصهم أو بخصوص وضعهم السياسي.” والحق أنه في أثناء الحرب الأهلية أدى هذا النوع من الحجاب وظيفة عسكرية: فالمندوبات يمكنهن أن يساعدن في تحرير تركستان، هكذا أعلن فرونز، وأضاف: “تحت البارانجي ينبض قلب نبيل، وتحت البارانجي يمكن للمرء أن يخدم الثورة بإخلاص، وأحيانا ما يخفي البارانجي كشّاف شجاع للجيش الأحمر.”

وفي 1923 هاجم قادة الحزب في وسط آسيا أولئك الذين طالبوا النساء الأوزبكيات بخلع الحجاب على أنهم مدانين بـ”الانحراف اليساري”. وحتى في وقت متأخر كـ1925 وصفت المتحدثة الرئيسية في اجتماع اللجنة النسائية لعموم أوزبكستان الدعوة لخلع الحجاب على أنها أمر غير بلشفي، محاججة أن “توفير الأمان المادي والاقتصادي للنساء هو الوسيلة الرئيسية لحل “مشكلة المرأة”. وعلى البلشفي أن يعارض فهم التجديديين لتحرر النساء بوصفه خلعا للبارانجي، وأن يدعو على العكس إلى الفكرة القائلة بالتحرر الاقتصادي والسياسي الكامل للنساء.”

في المقابل، دافعت السياسة المسماة بـ”الهجوم” عن قلب الممارسة الماركسية على رأسها: بدلا من تشجيع النساء على زيادة استقلالهن بتوفير فرص للدراسة والعمل والعيش خارج الأسرة التقليدية لهن، عزمت سياسة “الهجوم” على تحريرهن بـ”قوة الدعاية” مع تجريم تعدد الزوجات والزواج تحت السن القانوني ومهور العرائس.

هدف حملة “هجوم” كان ليس أقل من التبديل الفوري للعلاقات الجنسية والحياة الأسرية. بالإضافة إلى هذا استهدف الحزب تحقيق أهداف الحملة سريعا، بالرغم من الغياب شبه الكامل لكوادر حزبية من النساء المحليات لقيادتها. ففي 1926، كان 93.5% من أعضاء الحزب الشيوعي في أوزبكستان من الرجال؛ وفي يوليو 1927 كانت هناك 426 امرأة أوزبكية فقط في الحزب، وهو ما يمثل أقل من ربع العضوية النسائية للحزب. هذا بينما كان عدد سكان الجمهورية آنذاك يفوق الخمسة ملايين شخصا.

حتما كانت النتيجة أن رأت الأغلبية الساحقة من السكان المحليين في الـ”هجوم” سياسة غريبة عنهم، شيء مفروض عليهم من المستعمرين الروس. وكما لو كان بقصد تأكيد هذا التصور، كان الاختيار الروسي لمن يقودون تلك السياسة هو رجلين من الروس كان سجلهم يؤهلهم لأن “يعدوا من ضمن الذين وصفهم لينين بارتياب على أنهم شوفينيين روس كبار.” بالنسبة لبيروقراطيين كهؤلاء، كان الاهتمام بمسألة النساء المسلمات له علاقة ضعيفة بالأفكار التحررية السامية، بل الأغلب أنهم كانوا مهتمين بالنساء بوصفهم مصدرا للعمالة غير مستخدم بالكفاءة الكافية!

وهكذا سارت الحملة في إطار من التوتر العنصري العميق بين الروس والسكان المحليين لآسيا الوسطى. وكما يعلق مؤلف أحد الكتب القيمة حول تاريخ المسألة القومية في تلك الفترة:

أغلب الصراع، بالطبع، لم يكن عنيفا. الأكثر حدوثا كانت حالات العنف الرمزي. فعلى خلفية الصراع حول من يحق له اعتبار جمهوريات وسط آسيا ملكا له، اتخذت الأمور الرمزية أهمية خاصة.. على أن أكثر أفعال العنف الرمزي التي تم رصدها كانت قيام الروس بدعك دهن الخنزير على شفاه المسلمين أو إجبارهم على أكل لحم الخنزير.

الجنون الإرادوي لسياسة الـ”هجوم”، وهو كان من النذر المبكرة لسياسة ستالين في التجميع القسري، كان كارثة للنساء وللحزب الشيوعي معا. فأولا فشلت سياسة نزع الحجاب فشلا ذريعا: الأغلبية العظمى من النساء اللواتي خلعن الحجاب علنا عدن للبسه مرة أخرى سريعا، وتلك حقيقة تم الاعتراف بها تقريبا في كل الوثائق الداخلية للحزب.

ثم أتى رد الفعل على الحملة معبرا عن نفسه في موجة الخوف والعداء وأخيرا العنف. إذ كان هناك تزايد كبير في معدلات حضور الصلوات والاجتماعات في المساجد، وأيضا انسحاب واسع النطاق للتلاميذ المسلمين، خاصة الفتيات، من المدارس السوفيتية، وازدياد في الاستقالات الشباب المحلي من عضوية عصبة الشبان الشيوعيين. في حين تعرضت النساء غير المحجبات لتحرش وإهانة متزايدين في الشوارع. وفي بعض القرى تم اغتصاب النساء بواسطة عصابات من الشباب وتم قتل أعداد متزايدة منهن، غالبا بواسطة أحد أقربائهن. وفي منتصف عام 1928 وصل العنف إلى قمته مستهدفا أي شخص، رجلا كان أم امرأة، مرتبط ولو حتى من بعيد بـ”الثورة الثقافية”. هلك الآلاف. وعندما كان يتم القبض على القتلة ويتم عقابهم، كانوا غالبا يصبحون شهداء من وجهة نظر السكان المحليين.

وقد توافق معظم المؤرخين الرئيسيين للـ”هجوم” أن أثره كان زيادة قوة الإسلام في الاتحاد السوفيتي. على خلاف الوعد والتوقع ببذل الجهد لمدة ستة أشهر لمحو الحجاب، استغرق الأمر من الحزب عقودا لتنفيذ وعده باجتثاث البارانجي. فليس قبل الخمسينات أو الستينات أن أصبح الحجاب نادرا في شوارع وسط آسيا. وعندما انفصلت أوزبكستان عن الاتحاد السوفيتي في 1991، عاد الحجاب بسرعة بدون أي تعضيد من الدولة، وذلك كرمز للاستقلال الوطني.

النظرية والتطبيق
يصر النقاد اليمينيون، عندما تتم مواجهتهم بسجل البلاشفة فيما يخص الديمقراطية الدينية، أن لينين كان فقط يكسب وقتا، مخفيا نوايا النظام الحقيقية بسبب ضعفه آنذاك، ومتحينا الفرصة للهجوم.

ولكن على العكس من ذلك، فإنه كانت هناك استمرارية قوية بين كتابات لينين وممارساته السياسية قبل الثورة وفي السنوات التي تليها. الأحزاب الشيوعية بدأت تنحرف عن هذا التراث فقط بدءا من منتصف العشرينات مع تصاعد مد الثورة المضادة، وانتهى بها الحال إلى إعطاء ظهرها كلية للينينية مع اقتراب العشرينات من نهايتها.

إذا كان اهتمام البلاشفة بالفعل فقط بخداع الأقليات الدينية حتى تدعم السلطة السوفيتية، فهم، إذا كان هذا صحيحا، لم يكونوا يحتاجون إلى إقرار نظامي المحاكم الشرعية والمدارس الدينية بعد انتهاء الحرب الأهلية. فتأسيس نظم تعليمية وقضائية موازية سحب مواردا كبيرة من جهاز الدولة المركزية، وهو أيضا ما فعله برنامج “التمييز المضاد” الذي اتبعه البلاشفة والذي أعطى الأولوية للسكان المحليين في الوظائف، ونبذ الأبجدية السيريلية (السلافية)، وأعاد توطين المستعمرين الروس، ونقل مصانع بكاملها إلى مناطق نائية في الإمبراطورية السابقة. وإذا كان البلاشفة يخفون نية سرية للهجوم على أي شخص له إيمان ديني، فإنه لم يكن منطقيا كونهم أعفوا ذوي النزعة السلمية من رافضي الحروب لأسباب دينية من الخدمة العسكرية بدءا من 1918 فصاعد.

هذا لا يعني أنه لم يكن يوجد نقاش في داخل الأوساط البلشفية فيما يتعلق بالموقف من الدين، وهو نقاش كان مرتبطا بشكل وثيق بالنقاش حول المسألة القومية. عدد لا يستهان به من البلاشفة، ومن ضمنه أعضاء في القيادة، اختلف مع لينين وتروتسكي الذين هيمنت سياساتهما برغم ذلك في السنوات المبكرة للثورة. هؤلاء الرفاق لم يميزوا بين النزعة القومية لدى من يمارس الاضطهاد والنزعة القومية لدى من يقع عليه الاضطهاد. بالنسبة لهؤلاء كل الدين كان عدوا. وقد فهم لينين مبكرا جدا أن هذه المعارضة المجردة للحقوق الدينية والقومية يمكن أن تعضد الشوفينية الروسية المتصاعدة.

ظهر هذا الخلاف على السطح بعد أن اختلف لينين مع ستالين حول المسألة القومية. الخلاف كان مسألة مبدأ سياسي أساسي، وكان موضوعا للمحاججة التفصيلية في اجتماع مغلق للبلاشفة القياديين في الجمهوريات النائية تم في موسكو في يونيو 1923. وقد تطرق النقاش، من أوله إلى آخره، إلى مسألة الدين، خاصة الإسلام.

المرة تلو المرة قام اليساريون المتطرفون، الذين دعموا موقف أوردزونيكيدزه (Ordzhonikidze) (الذي كان يحمل راية موقف ستالين)، بمزج نقدهم لسياسة لينين إزاء المسألة القومية بنقدهم لسياسة الحزب “الليبرالية” إزاء الأديان. فعلى سبيل المثال، هاجم فيردايفز (Firdyevs)، وهو من تتار القرم، خودزانوف (Khodzhanov)، وهو قائد تركستاني، على حديثه حول تأسيس “المسجد الحي” في وسط آسيا جنبا إلى جنب مع مساجد التجديديين. وهاجم أيضا الإصرار البلشفي على تعليم المسئولين الشيوعيين في الشرق اللغات المحلية بوصفه “نمطا جديدا من الاضطهاد” للأغلبية القومية، أي الروس!

كلمة خودزانوف في الاجتماع تكشف أنه هو أيضا كان متأثرا بالفكرة القائلة أن إعلانات الحزب بصدد المسألة القومية كانت فقط “ألاعيب سياسية خارجية” وليست مسألة مبدأ. ولكن محضر الاجتماع يكشف أن تروتسكي تدخل ليصحح خودزانوف بهذا الصدد. لكن تظل ملاحظات هذا الأخير حول السياسة الدينية في تركستان قادرة على التعبير عن مجهودات الحزب لتطبيق تكتيكات لينين:

“بمساعدة التجديديين الليبراليين، بدأ المسجد الحي يظهر. الصراع الملموس مع العناصر الكهنوتية، مع العلماء (القادة الدينيين) لابد أن يتم التعبير عنه في صورة صراع من أجل تفعيل مؤسسة القضاة الشرعيين. في هذا الشأن على التجديديين أن يساعدوا في ضمان أن يكون هؤلاء ليبراليين، وليسوا رجال دين رجعيين. نحن نحتاج إلى تفعيل مؤسسة قضاة الشعب الشرعيين بين الشعب القيرغيزي بفيرجانا، وهذا يعني أن علينا أن نكسب موقف الاعتماد على العناصر الأكثر يسارية. ثم هناك مسألة إدارة وتسيير الملكيات الوقفية. في هذه المسائل نحتاج إلى التحالف مع العناصر اليسارية في أوساط الإنتلجنسيا غير المنتمية للحزب، مع الليبراليين.”

في نفس السياق تحدث أخوندوف (Akhundov) من آذربيجان عن حملة لنزع الثقة عن النخب الإسلامية المحافظة بإقناع الملالي الليبراليين إلى حد ما بإصدار التماس إلى المسلمين خلال شهر رمضان لتقديم معونات لمساعدة ضحايا المجاعة في الشرق، بدلا من أن تذهب الأموال كالعادة إلى التراتبية الدينية. بهذه الطريقة كان الشيوعيون الآذريين يأملون في إحداث انشقاق في مسجد خودانوف الحي لإخراجه من تحت سيطرة القادة الإسلاميين التقليديين. وفي المقابل، أشار إيلدرخانوف (Elderkhanov) من الشيشان إلى النتائج الكارثية لإهانة المشاعر الدينية والقومية:

“الخطب الحلوة إلى درجة مقرفة، وتوزيع الابتسامات على العمال، في نفس وقت نزع لحى الملالي وتحصيل الضرائب على أسنة الرماح، وهو ما نتج عنه تحصيل من 5 إلى ستة بالمائة من المستهدف، والوسائل العسكرية المفرطة التي عانى منها الشعب المسالم بينما هرب قطاع الطرق إلى التلال ـ كل هذا جلب في نهاية المطاف العداء للسلطة السوفيتية.”

ترديدا لمقولات النقاد اليمينيين للبلاشفة، هناك البعض من أوساط اليسار اليوم الذين يدعون أن البلاشفة قدموا تنازلات للمشاعر القومية والدينية، وتراجعوا عن المبادئ الماركسية بسبب الاحتياجات التي فرضتها الحرب الأهلية. السجل التاريخي يجعل من الواضح أن هذا لم يكن ما فعله لينين وتروتسكي، وأن البلاشفة الذين اختلفوا معهم أخذوا موقف ستالين في الصراع.

الأهم أن هذا المفهوم البليد الذي يقول أن البلاشفة بلعوا مبادئهم لأنهم كانوا في حاجة إلى الدعم المؤقت من جانب أناس هم كانوا مختلفين معهم، هذا المفهوم يستبعد أي إمكانية للجبهة المتحدة من أي نوع. في الجبهة المتحدة، يوافق الثوريون على النضال المشترك مع آخرين حول قضية محددة، بغض النظر عن الخلافات الأوسع مع الحلفاء، مع احتفاظهم بحق الاستقلال التنظيمي والسياسي. فكرة أنك يمكنك أن تؤسس جبهة متحدة فقط مع أشخاص أنت متفق معهم، خوفا من هجرانك للمبادئ الماركسية، تنتمي إلى مادية مدارس الأطفال.

من ناحية أخرى، فبعيدا عن أن يكون التأييد البلشفي للحقوق القومية معناه هو التأييد المطلق للانفصالية، أوضح لينين الحاجة إلى تقدير سياسي ملموس للواقع الملموس بغرض تعظيم وحدة العمال من قوميات مختلفة في نضالهم ضد طبقاتهم الحاكمة.

في كتاباته حول المسألة القومية لم يعط لينين اهتماما كبيرا لمسألة الدين، ولكن يمكننا أن نفترض بثقة أن هذا كان بسبب أنه لأمر واضح بشكل مطلق أن حرية الأديان هي مطلب جوهري للحركات القومية المناهضة للقيصرية. وباختصار كان موقف لينين كالتالي: هل نناضل ضد كل أشكال الاضطهاد بسبب المعتقد الديني؟ بالطبع. هل نناضل من أجل أي تطوير ديني، أو دفاعا عن الثقافة الدينية على وجه العموم؟ بالطبع لا. أما السؤال حول ما إذا كان واجب الماركسيين أن يتبنوا بشكل عملي مطالب تخص الحرية الدينية، فإن هذا أمر يعتمد على الوضع الملموس وليس على الشعارات المجردة. فالتسامح البلشفي إزاء الشريعة كان مصدره أن مواجهة التيارات الإسلامية المحافظة لم تكن أمرا ممكنا بدون إحداث قطيعة مع السياسات الشوفينية لروسيا الأم، مما يؤدي بالتالي إلى إضعاف قدرة النخبة الدينية على توحيد الطبقات حول المسجد، وإلى إرساء الأساس لظهور الانقسامات الطبقية في المجتمع المسلم على السطح.

كانت هناك في أحيان كثيرة اختلافات بين السياسات التي أُقرت بواسطة القيادة البلشفية في موسكو، والطريقة التي كان يتصرف بها الرفاق غير ذوي الخبرة في المناطق البعيدة. حيث سببت الشوفينية في أوساط الروس، أو اليسارية المتطرفة في أوساط النشطاء المحليين، مشاكل دائمة. نزع لحى الملالي كان يمثل نقضا لسياسة البلاشفة، تماما كما كان قرار محكمة سوفيتية بتغريم الرجال بسبب شربهم الخمر يمثل نقضا لتلك السياسة.

لكن الحرية الدينية لم تكن تعني إعطاء الحرية لمجموعات صغيرة من المتعصبين ليفعلوا ما يحبون باسم الدين: لذا أتت التقييدات على التأويلات الأكثر تطرفا للشريعة. كما أن نساء اللجان النسائية أحيانا ما دفعن حياتهن ثمنا لمحاولاتهن محاربة النظرة الدونية للمرأة التي كانت شائعة في المجتمعات الإسلامية.

في مؤتمر باكو لشعوب الشرق في سبتمبر 1920 أصدر كل من زينوفييف ورادك دعوة للحرب المقدسة (الجازافات) ضد الإمبريالية الغربية. الحكم ما إذا كان هذا الشعار انتهازيا يمكن أن يكون صحيحا فقط بالوضع في الاعتبار الظرف السياسي الذي أطلق فيه. الحزب البلشفي كان آنذاك يعاني من مسحة قوية من اليسارية المتطرفة، وأيضا من اختراق العناصر الشوفينية في جمهوريات المستعمرات السابقة.

أيضا كانت القيادة تحاول أن تتحدث بلغة يمكن أن يفهمها الملايين. إذا كنت تحرض الناس على أن يحاربوا ويموتوا من أجل السلطة السوفيتية، وأنت تعلم أن الكثيرين سوف يرون قرارهم بالحرب والموت بمنظور ديني، فإنه يبدو أنه لا معنى لأن تدعي أن الحرب لن تكون جزئيا حربا دينية بالنسبة لهؤلاء. وفي نفس الوقت أكد زينوفييف ورادك مرارا أن الحرب كانت حربا طبقية أيضا وسوف تتضمن محاربة الملالي الرجعيين: “لقد سمعتم كثيرا الدعوة إلى الحرب المقدسة من جانب حكوماتكم، ولقد سرتم وراء الرايات الخضراء للرسول، ولكن كل هذه الحروب المقدسة كانت حروبا مخادعة تخدم فقط مصالح حكامكم الباحثين عن ذواتهم، وأنتم، الفلاحون والعمال، بقيتم في عبودية وعوز بعد انتهائها.. نحن ندعوكم إلى حرب مقدسة من أجل صالحكم أنتم، من أجل حريتكم أنتم، من أجل حياتكم أنتم!”

وبالفعل عندما انضم المسلمون المحافظون إلى قوات الثورة المضادة التي هاجمت النظام السوفيتي، لم يلاقوا أي رحمة. الإمام نجم الدين جوتسينسكي (Najmuddin (Gotsinskii قاد انتفاضة مسلحة ضد البلاشفة في داغستان في سبتمبر 1920. وقد عبر سلفه أوجون هاج (Ujun Haji) عن أسلوبه خير تعبير: “أنا أغزل حبلا لأشنق به المهندسين والطلاب، وبوجه عام كل من يكتب من اليسار لليمين (أي بالأبجدية اللاتينية أو السيريلية).” وقد تم إخماد الانتفاضة فقط بعد إراقة دماء كثيرة، عندما تم القبض على جوتسينسكي في 1925.

الخاتمة
في ظل لينين وتروتسكي كانت القيادة البلشفية أمينة لفهمها الماركسي أن الحزب الثوري لابد أن يكون ملحدا بالقول فقط وليس الفعل، بينما لابد أن تكون الدولة لا دين لها ولكن ليست مناهضة للدين. المجتمعات الدينية أعطيت حريات ملحوظة في ظل الثورة، مع الوضع في الاعتبار أن دين الإمبراطورية القيصرية كان هو الأكثر احتمالا في التضييق عليه بسبب صلاته القوية بالطبقة الحاكمة السابقة. ذوي الاعتقاد الديني، بما فيهم المسلمين، الذي اعتبروا أنفسهم ثوريين تم الترحيب بهم في أوساط البلاشفة. وبالمثل فإن المؤمنين غير الشيوعيين الذي أيدوا الثورة احتلوا مواقعا قيادية في جهاز الدولة. وبعض المنظمات الإسلامية الكبرى انضمت إلى الأحزاب الشيوعية بكليتها أو تحالفت مع البلاشفة للدفاع عن الثورة.

مطالب المسلمين بالحرية الدينية ارتبطت بشكل وثيق بمطالب الحقوق القومية. وقد حارب البلاشفة جنبا إلى جنب مع المسلمين لكسب تلك الحقوق من أنصار القيصرية ومن المستعمرين الروس، بل أيضا من المتطرفين اليساريين من الشيوعيين. لقد تم النضال من أجل هذه الحقوق، وتم كسبها، كجزء من الثورة، ولم يتم منحها كتنازلات من نظام مناهض للأديان كان متربصا لحين الانقضاض على المتدينين.

الهجمات على تلك الحقوق بدأت من جانب الشوفينيين الروس المنتمين للنظام القديم، وكثير منهم كانوا رجال عسكريين دخلوا بكثافة جهاز الدولة بعد الحرب الأهلية وبالتدريج بدأوا في رؤية ستالين كقائد للثورة المضادة. لكن هذه العناصر تم دعمها بواسطة تيارات يسارية متطرفة قوية في أوساط البلاشفة أنفسهم؛ أولئك الذين رفضوا سياسة لينين واحتقروا الحديث عن الحقوق الدينية والقومية. (وقد قضى ستالين على كل هؤلاء الرفاق في ظل سلطته.)

الحجاب الإسلامي لم يكون موضوعا ذو شأن بالنسبة للبلاشفة في ظل سلطة لينين. الهجوم الواسع على الحجاب بدأ في 1927 بواسطة الشوفينيين الروس والستالينيين، كنذير مخيف لكارثة التجميع القسري بعد ذلك ببضعة سنوات. خلع الحجاب الإجباري كان سياسة ستالينية قلبت اللينينية على رأسها. ولذا ففي الوقوف دفاعا عن حق النساء المسلمات في ارتداء الحجاب في أوروبا اليوم، وفي التظاهر جنبا إلى جنب مع المسلمين ضد احتلال العراق وفلسطين وأفغانستان، وفي الدفاع عن حق المسلمين في محاربة القوى المحتلة بالقوة، وفي المشاركة مع المسلمين في تحالفات يسارية مثل حزب ريسبكت، فإن الاشتراكيين يتمسكون بتراث يمتد إلى أيام لينين وتروتسكي.

ملاحظات:
* الترجمة مختصرة بعض الشيء. فهي لا تتضمن القسم الأول الذي يتحدث عن سياسة البلاشفة إزاء المسيحيين، ولا تتضمن أيضا الهوامش.

      

التعليقات