بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البرافدا اللينينية

لينين

نشر المقال لأول مرة باللغة الإنجليزية، في مجلة «الاشتراكية الأممية»، عدد مارس 1974..

الجريدة كأداة ناظمة
إحدى أهم المشاكل التي تواجه الاشتراكيين الأمميين في بريطانيا في الوقت الحالي هي كيفية بناء جسر بين منظمتنا الصغيرة –لكن سريعة النمو- وبين الأعداد المتزايدة من العمال المناضلين والاشتراكيين داخل الطبقة العاملة.

صحيح أن وعي الطبقة العاملة يقع بعيداً عن جوهر الأزمة الحالية في المجتمع، لكن الأمر يمكن أن يتقدم بسرعة شديدة قد تبهرنا جميعاً، وعمال المناجم يضربون مثلاً واضحاً على ذلك. كثيراً من عمال المناجم المناضلين كانوا يجادلون بقوة في نوفمبر وديسمبر 1973 أن معركة إلغاء وقت العمل الإضافي وحدها يمكنها الانتصار، بينما أعضاء حزبنا كانوا يجادلون في المقابل من أجل انتصار العمال في مطالب الإضراب ككل. والحقيقة أن معركة إلغاء وقت العمل الإضافي قد بدأت بمبادرة من الجناح اليميني للجنة التنفيذية لنقابة عمال المناجم (NUM) وكان الهدف بالأساس هو تهميش بقية المطالب وتفريغ الدعوة للإضراب من مضمونها. وعلى الرغم من ذلك، كان مسار الصراع الطبقي أقوى كثيراً من أماني وأهداف رئيس النقابة؛ ففي خلال أسابيع صار مزاج الإضراب واسع الانتشار بين العمال، وقد صوتوا بنسبة 81% في صالح الدخول في الإضراب. وعندما حاول رئيس النقابة فض الإضراب بحجة الانتخابات العامة، حتى عمال مناجم “ديورهام” المعروفين بتأخرهم الشديد في النضال، دعوا لاستقالة رئيس النقابة. وبالتالي فإنه يمكن أن يتقدم وعي العمال خلال النضال بسرعة كبيرة حتى في ظل وجود قيادة ضعيفة لهم.

لكن على الرغم من هذا التحليل، إلا أن المشكلة الأساسية لاتزال قائم، ألا وهي: كيف يمكن لمنظمة ثورية صغيرة من بضع آلاف أن ترتبط بعشرات الآلاف من العمال الذين أصبحوا يتحركوا فجأة نحو سياساتها؟! إن عدم التناسب بين حجم الاشتراكيين الأمميين وبين حجم الشرائح العمالية المناضلة التي تتلمس طريق الاشتراكية الثورية يقف بلا شك حائلاً دون ذلك الارتباط.

لا يوجد إسلوب واحد يمكننا أن نتجاوز هذه المشكلة من خلاله، لكن هناك عدد من الخطوات التي من الضروري اتخاذها –تطوير نشاط الاشتراكيين الأمميين في النقابات وفي أماكن العمل والمصانع بالأخص، تطوير النشرات والبيانات التي يساهم الاشتراكيون في إصدارها، ومحاولة تطوير الحركة في المصانع، إلخ.

في هذه المقالة، سأحاول التعاطي مع أحد أهم الوسائل التي يمكنها ردم الفجوة بين الثوريين والعمال المناضلين ألا وهي الجريدة الثورية، حيث أننا نصدر جريدة “العامل الاشتراكي” وينبغي علينا استخدامها لكي تصبح مؤهلة للعب هذا الدور.

تم تطوير مفهوم للجريدة الثورية كناظم جماعي، نظرياً كما في الممارسة العملية، من قبل الثوري الروسي “فلاديمير لينين”. ويمكننا أن نستفيد كثيراً من خبرة استخدام لينين لجريدة “البرافدا” التي صدرت في السنوات 1912- 1914.

كان الحزب البلشفي ضعيفاً للغاية خاصةً في سنوات الردة الرجعية التي تلت هزيمة ثورة 1905 في روسيا. في 1907، كان لدى الحزب البلشفي 46 ألف عضو. بعد ذلك بسنوات قليلة أصبح الحزب في وضع أكثر ضعفاً بما لا يُقاس بحيث استطاع بالكاد أن يحافظ على وجوده، كما كانت الحركة الثورية في حالة تراجع مخيف. تشير بعض الإحصاءات أن الحزب كان يحتفظ بـ1,435 عضو في موسكو في صيف 1905 و5,320 في منتصف مايو. لكن في منتصف 1908، كان لديه فقط 250 عضو في موسكو كلها. ومع نهاية العام تضاءل العدد إلى 150 عضو. أما في 1910، كانت منظمة الحزب في موسكو غير موجودة تقريباً، خاصةّ أن منصب السكرتير العام للحزب في موسكو آل إلى “كوكشكين” الذي كان عميلاً للبوليس السري القيصري.

في 1911، كتب لينين، معبراً عن تلك الحالة، أن الحزب في ذلك الوقت كان.. “مفككاً، وفي كل مكان هناك مجموعات حزبية صغيرة للغاية ومهلهلة، وأنوية عمالية تتقابل بشكل غير منتظم.. وليس هناك اتصال بين المجموعات والأنوية، ومن النادر أن نرى أي تثقيف في الحزب”. أما زينوفيف، الثوري البلشفي المقرب إلى لينين، فقد كتب بهذا الصدد أنه “في هذه الفترة العصيبة، كان الحزب يتواجد بشق الأنفس”. كان من الصعب على العمال الروس أن يتعافوا من الجراح التي تلقوها في فترة الردة الرجعية بعد هزيمة الثورة. لكن الشفاء كان يأتي سريعاً عندما تقدم العمال بثبات في الفترة بين 1911 و1912، وعلى الرغم من ذلك، ظل البلاشفة ضعيفي التواجد كمنظمة.

كان عدد الإضرابات العمالية في روسيا عام 1908 قليلاً للغاية: 60 ألف إضراب فقط. وفي 1910 صار أقل: 46,623 إضراب. لكن في العام 1911، ارتفع إلى 105,110. وكما ذُكر في مؤتمر الحزب البلشفي في 1912 فإن.. “بداية الحراك السياسي من جديد يشغل مكانة في كل الحلقات الديمقراطية في روسيا، وبالأخص في أوساط البروليتاريا. إضرابات العمال في 1910- 1911، بداية التظاهرات الكبيرة والاجتماعات العمالية، بداية حركة جديدة في أوساط البرجوازيين الديمقراطيين في الحضر (إضرابات الطلاب)، إلخ، كل ذلك يدلل على الشعور الثوري المتنامي لدى الجماهير ضد حكم الثالث من يونيو”.

اندفعت الحركة العمالية بالذات بقوة إلى الأمام خاصةً عقب المذبحة المروّعة التي اُرتكبت في حق عمال مناجم الذهب في “لينا” في 4 أبريل 1912. كانت تلك المناجم بعيدة في عمق الغابات على بُعد حوالي ألفي كيلومتر من خطوط السكك الحديدية في سيبريا. وعندما بدأ 6 آلاف عامل إضراباً عن العمل في تلك المناجم، تم إطلاق النار عليهم بأوامر من الضباط الكبار، وقد سقط 500 من العمال بين قتيل وجريح. أما كتلة الاشتراكيين الديمقراطيين في مجلس الدوما فقد قدمت استجواباً للحكومة حول أحداث العنف ضد العمال في لينا، وجاء الرد من وزير الداخلية القيصري بسخرية شديدة، قائلاً: “هكذا فعلنا، وهكذا سوف نفعل دائماً”.

كان من المدهش أن ترفع المظاهرات، التي اشتعلت عقب مجزرة لينا، شعار الجمهورية الديمقراطية، لتعكس بذلك مستوى أعلى في الوعي الجماهيري عما كان عليه الوضع في بداية 1905 التي بدأت بتقديم العرائض إلى القيصر. أي أن العمال قد بدأوا مجدداً من أعلى نقطة انتهوا إليها في الثورة من 7 سنوات سابقة.

لقد لعبت تلك الأحداث الدموية دوراً هاماً في تحفيز غضب الطبقة العاملة في كل روسيا. انطلقت المظاهرات وعُقدت الاجتماعات واشتعلت الاحتجاجات في كل مكان، وقد شارك نحو 300 ألف عامل في الإضرابات ليرتفع العدد إلى 400 ألف في عيد العمال، كما تبع ذلك موجة من الإضرابات السياسية التي خاضها العمال.

الأسماء الثمانية للبرافدا
لقد عمل لينين على توظيف العديد من الأساليب لكي يتكيف الحزب البلشفي، المكون فقط من مئات من الثوريين، مع المد المتصاعد للنضالات. كان من ضمن تلك الأساليب مثلاً: دخول نواب من البلاشفة في مجلس الدوما (البرلمان المزيف الذي سمح القيصر بعقده)، والاشتراك في حملات التأمين، وإصدار جريدة يومية. وجدير بالذكر أن العدد الأول من البرافدا قد صدر في 22 أبريل 1912، أي بعد 18 يوم فقط من مذبحة لينا.

كانت الجريدة تعاني من التضييقات الأمنية الخانقة التي حاول البوليس القيصري بواسطتها منع صدورها، لذا كان عليها أن تغير اسمها 8 مرات. ومن الطريف أن كل الأسماء الثمانية قد اشتركوا في كلمة “برافدا” وتعني “الحقيقة”. لقد صدرت الجريدة باسم “الحقيقة العمالية”، و”حقيقة العمال”، و”من أجل الحقيقة”، و”الحقيقة البروليتارية”، و”طريق الحقيقة”، و”حقيقة العامل”، إلخ.

ومرة بعد أخرى كان مقر البرافدا تتم مهاجمته وتُصادر أعداد الجريدة ويُعتقل المحررون، كما كان يتم التضييق على بائعيها بشدة. لكن على الرغم من ذلك، استمرت الجريدة في الصدور. وفي 22 أبريل 1912 وحتى 8 يوليو 1914، صدر 645 عدد منها. وقد يرجع ذلك بشكل كبير إلى عبقرية فريق التحرير في المرواغة والتهرب من الرقابة، والحصول على تبرعات ودعم مالي من القراء، وكان يساعدهم في ذلك: الوصول إلى منافذ لبيع الجريدة وعدم كفاءة البوليس السياسي القيصري.

إن لغة البرافدا أيضاً، بما تمتعت به من مراوغة، سمحت لها بمناقشة القضايا المطروحة بدون التعرض لخطر المصادرة اليومية. ومنذ الوقت الذي مُنعت فيه للصدور باسم حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي، كانت الجريدة تتحدث عن برنامج البلاشفة للجمهورية الديمقراطية، ومصادرة ملكية الأراضي وتوزيعها على الفلاحين، ومطلب تحديد يوم العمل بـ 8 ساعات يومياً، ذلك المطلب المستمد من مطالب ثورة 1905. كان عضو الحزب البلشفي ديمقراطي صلب وماركسي متماسك، وقد كان العمال المتقدمين في صفوف الطبقة العاملة يعرفون كيف يقرأون ويستوعبون الجريدة البلشفية.

من ضمن التضييقات الأمنية التي تعرضت لها جريدة البلاشفة، والصحافة بشكل عام في روسيا، في ذلك الوقت، قانون يقضي بإرسال أول ثلاثة نسخ من عدد الجريدة إلى الرقيب الصحفي. بينما كان محررو البرافدا يصرون دائماً على تمرير الجريدة من أجل التوزيع سواء بموافقة ذلك الرقيب الصحفي أو بالتحايل والمراوغة في حال عدم موافقته. لذا كانوا يحاولون كسب أكبر قدر من الوقت كلما أمكن بين إرسال النسخ الثلاثة للرقيب وبين توافد رجال الشرطة للمطبعة من أجل إيقاف الطبع أو مصادرة النسخ المطبوعة. لقد استطاعوا التعامل مع تلك المشكلة بإبداع مثير للدهشة، حيث أن القانون قد اشترط إرسال أول ثلاثة نسخ يتم طبعهم للرقيب لكنه لم يحدد متى بالضبط يجب أن يصلوه (!!). ولذلك فإن المهمة اليومية لإرسال تلك النسخ للرقيب كانت موكلة لعامل عجوز في الـ 70 من عمره، وكانت خطواته البطيئة تضمن أن النسخ تصل للرقيب خلال ساعتين على الأقل. وبعد أن يصل العجوز لمكتب الرقيب، كان يمكث بعض الوقت متظاهراً أنه يستريح قليلاً من طول المسافة، لكن في الحقيقة لكي يراقب الرقيب الصحفي نفسه أثناء فحصه أعداد من جرائد أخرى بجانب البرافدا. إذا التفت الرجل لمطالعة جرائد أخرى بعد مطالعة البرافدا، يعود العجوز إلى المطبعة مرة أخرى ويُطمئن الجميع. لكن إذا استخدم الهاتف وتحدث إلى رجال الشرطة في “المقاطعة الثالثة” التي تضم مطابع البرافدا، يخرج العجوز سريعاً من المكتب ويستقل عربة مواصلات ليعود إلى المطبعة، وعندما يراه الجميع آتياً إليهم بأقصى ما لديه من سرعة، يدركون ما حدث ويعملون بأسرع ما يمكن لتخبأة أعداد الجريدة ويوقفون عملية الطبع مؤقتاً ويغلقون منفذ خروج الجريدة، إلخ. وعندما تصل الشرطة تكون أغلب النسخ المطبوعة من عدد الجريدة قد خرجت بالفعل من المطبعة بسلام.

كان هناك العديد من المحررين الشكليين الذين يذهبون إلى السجن، لكن المحررين الحقيقيين كانوا أحراراً. كانوا حوالي 40 محرر، والعديد منهم لم يكن مثقفاً، وفي أول عام من إصدار البرافدا، كان إجمالي الفترة التي قضاها هؤلاء المحررون في السجون حوالي 47 شهراً ونصف. ومن ضمن 645 عدد منشور من البرافدا، حاول البوليس مصادرة 155 منها لكنه فشل، بينما نجح في مصادرة 36 منهم.

كان نصف النسخ يتم بيعها في الشوارع بواسطة بائعي الجرائد، والنصف الآخر يُباع في المصانع. وبالنسبة للمصانع الكبيرة في سان بطرسبورج، كان هناك مسئول عن بيع الجريدة في كل قسم من كل مصنع، بحيث يقوم بتحصيل الأموال وجمع التبرعات على الأعداد. بينما كان التوزيع يتم بصعوبة بالغة خارج سان بطرسبورج. صحيح أن البرافدا كان لديها 600 اشتراك بريدي، لكن التوزيع لم يكن سهلاً كما يبدو. لقد كانوا يخبئون النسخ في ملابسهم الثقيلة ويمررونها عبر 5 أو 6 مكاتب بريدية مختلفة يبدلونها كل يوم لمراوغة الشرطة. وبالإضافة إلى ذلك، كانت حزم الجرائد تنتقل عبر المحافظات والأقاليم بطرق معقدة، حيث كان أعضاء الحزب والمتعاطفون الذين يعملون في خطوط السكك الحديدية يلقون بحزم الجرائد على طول السكك الحديدية في مناطق معينة حيث ينتظر بعض من رفاقهم لاستلامها. وفي إحدى المدن، كانت نسخ البرافدا تُرسل إلى مكتب البريد حيث يستلمها أحد الرفاق البلاشفة الذي يعمل هناك بنفسه.

إن دورة جريدة البلاشفة كانت مبهرة بحق، خاصةً عندما نأخذ في الاعتبار الوضع غير الشرعي للحزب الذي يصدرها. كان توزيع البرافدا يصل إلى 40 ألف نسخة في أيام الأسبوع العادية و60 ألف في أيام السبت.

وعلى الرغم من ذلك لم يكن لينين راضياً عن نسب التوزيع. ولهذا كتب في أبريل 1914 مقالة هامة تحت عنوان “مهامنا”، جاء فيها ما يلي:

يجب أن يتضاعف توزيع البرافدا (Put Pravda) ثلاث، أربع، وخمس مرات عن قدر التوزيع الحالي. يجب أن يكون للبرافدا ملحق في النقابات، وأن يكون لدينا ممثلين عن النقابات في مجموعة التحرير. كما ينبغي لجريدتنا أن يكون لديها ملحقات محلية في موسكو والأورال والقوقاز وفي البلطيق وفي أوكرانيا، إلخ. على جريدتنا أن تعمل من أجل تعميم الخبرة السياسية اليومية للعمال الواعين في الطبقة العاملة، وأن يتوسع هذا التعميم أكثر وأكثر.

جريدة عمالية حقيقية
لم تكن البرافدا جريدة للعمال، لكنها كانت جريدة عمالية حيث كانت تختلف تماماً عن كل الجرائد الاشتراكية التي تصدرها مجموعات من الصحفيين اللامعين. وصف لينين تلك الجرائد بأنها “جرائد للعمال وليست جرائد عمالية؛ حيث لم يكن فيها أي ملمح للمبادرة العمالية أو أي اتصال مع منظمات الطبقة العاملة”. وفي المقابل، كانت البرافدا قد استقبلت أكثر من 11 ألف مراسلة وتقرير من العمال في عام واحد، أي ما يقرب من 35 مراسلة في اليوم الواحد.

بعد شهور قليلة من بداية إصدار البرافدا، وضع لينين تصوره بوضوح عن ماهية الجريدة العمالية.. “عندما يلاحظ القراء التقارير عن تبرعات العمال للبرافدا بجانب الخطابات القادمة للجريدة من المصانع من كل مناطق روسيا، فإنهم يدركون كيف تكافح البروليتاريا وتناضل في مختلف الصناعات والمناطق، كيف تستيقظ للدفاع عن ديمقراطية الطبقة العاملة”… “الجريدة العمالية تعتبر بمثابة منتدى عمالي، ويجب علينا أن نسعى لكي يطرح العمال في جريدتنا كل المسائل الخاصة بحياتهم بشكل عام، وبالأخص تلك المسائل المتعلقة بديمقراطية الطبقة العاملة نفسها”.

آمن لينين أن العمال أنفسهم يجب أن يرسموا صورة حية لنضالاتهم التي يخوضونها بشكل عام. لقد جادل بأن:

العمال، بالرغم من كل الصعوبات، يجب أن يرسموا صورة حية لنضالاتهم. يستطيع عاملان أو ثلاثة من العمال الواعين أن يضعوا وصفاً دقيقاً للإضراب الذي شاركوا فيه، متى بدأ ومتى انتهى، عدد المشاركين (وتوضيح النسب بين النساء والرجال، ومتوسط الأعمار، وهكذا)، أسباب الإضراب، ونتائجه. مثل هذا الوصف يجب أن يصل أولاً إلى النقابة العمالية المختصة، وإلى الجريدة العمالية المركزية، وأخيراً إلى النائب العمالي في مجلس الدوما من أجل تزويده بالمعلومات. فقط من خلال وصف العمال أنفسهم لنضالهم، يمكننا أن نفهم ونستوعب حركتهم بشكل أفضل، وبالتالي نساعد في ضمان نجاح أقوى لها.

لينين نفسه عرف كيف يكتب مقالات قصيرة وبسيطة للبرافدا. كانت مقالاته واقعية بحيث احتوت على كل مقالة على فكرة أساسية يجادل لينين حولها. كان يكرر أحد ملامح الفكرة مراراً وتكراراً، لكن كل مرة من زاوية مختلفة وأمثلة مختلفة وقصص مختلفة. يمكننا الإطلاع على عدد من تلك المقالات التي نُشرت بعد ذلك في أعماله الكاملة، مثل مقالة “الروس والزنوج”، في المجلد 18، ص 4-543، وأيضاً مثل مقالة “الإقطاعي والفلاح الصغير: الملكية الكبيرة للأرض في روسيا”، في نفس المجلد، ص 7-586.

سوف نجد في تلك المقالات أسلوب رائع وعرض بسيط لأفكار وتحليلات ماركسية بها الكثير من التشابك والتعقيد، الأمر حقاً يثير الاهتمام. إنه من الصعب أن نكتب للجماهير من أن نكتب للكوادر لكوادر الحزب. ففي الحالة الأخيرة تتطور الجدالات كتحليلات ماركسية نظرية، بينما في الحالة الأولى ترتكز الجدالات على خبرة العمال أنفسهم بدون الدخول في نقاط تحتاج معرفة مسبقة بالماركسية. ولقد تميز لينين في الكتابة لكل من الجماهير والكوادر الماركسية في الحزب. فبالإضافة إلى المقالات الموجهة للجماهير التي كتبها لينين، كالمثال السابق، كتب لينين العديد من المقالات الموجهة خصيصاً للكوادر البلشفية، وكانت تلك المقالات طويلة وصل بعضها من ألفان إلى ثلاثة آلاف كلمة. بالإضافة إلى كم هائل من الكتب.

ومن الناحية العملية، كان لينين يدير البرافدا عن كثب؛ فالسياسة التحريرية الأساسية للجريدة كان هو الذي قام برسمها ووضع الأعمدة الرئيسية لها. وفي كل يوم، كان لينين يرسل مقالات وسجالات وكتابات نقدية وتصحيحات، إلخ.

الناظم
لم تلعب البرافدا دورها كناظم جماعي لأن آلاف العمال كانوا يقرأونها ويكتبون لها ويبيعونها فحسب، لكن أيضاً لأنها حفزت تشكيل مجموعات عمالية لجمع المال من أجلها.

كانت كلاً من البرافدا (جريدة البلاشفة) ولوتش (جريدة المناشفة) تنشران تقارير يومية على صفحاتهما عن التبرعات التي تم جمعها من أجلهما. وفي عدد البرافدا الصادر في 12 يوليو 1912، كتب لينين:

من زاوية مبادرة وقدرة العمال، نستطيع أن نقول أننا عندما نجمع 100 روبل من 30 مجموعة عمالية مثلاً، أهم بكثير من جمع 1000 روبل من عشرات وعشرات من المتعاطفين.

وبعد يومين، أضاف أن:

علينا أن نكافح من أجل أن تصبح لدى كل عامل تلك العادة اليومية: أن يدفع كوبيك من أجر يومه لشراء البرافدا. علينا أن ندع اشتراكات الجريدة تصير مثل العادة، وأن ندع من يدفعون تبرعات أن يفعلوا ذلك كما فعلوا من قبل. إنه لأمر فائق الأهمية أن نرسّخ عادة “كوبيك يومي للجريدة العمالية” وأن نسعى لنشر هذه العادة.

في 1912، استقبلت “البرافدا” البلشفية أمولاً من 620 مجموعة عمالية، بينما استقبلت “لوتش” المنشفية أموالاً فقط من 89 مجموعة. وعلى مدار العام 1913، استقبلت البرافدا 2181 إسهام مالي من مجموعات عمالية كثيرة، بينما استقبلت لوتش 661 فقط. وحتى 13 مايو 1914 كان هناك 2873 مجموعة عمالية تدعم البرافدا مالياً، لكن على جانب المناشفة، كان هناك فقط 671. وهكذا استطاع محررو البرافدا تنظيم 77% من المجموعات العمالية في روسيا عام 1913 و81% عام 1914. كان تشكيل مجموعات عمالية لجمع المال للبرافدا يعوّض عدم شرعية الحزب. وهكذا استنتج لينين بوضوح أن “أربعة أخماس العمال كانوا يقبلون قرارات محرري البرافدا بأنفسهم، وبهذا فهم يثبتون جدارة البرافدا ويلتفون حولها”.

كان إجمالي عدد المجموعات العمالية التي ساهمت بتبرعات من أجل البرافدا من أبريل 1912 وحتى 13 مايو 1914: 5674 (بالتأكيد كان هناك تفاوت بين تبرعات المجموعات العمالية المختلفة لكن ليس هناك معلومات مفصلة حول ذلك). كان متوسط حجم التبرعات القادمة من المجموعة العمالية الواحدة في الفترة بين 1 يناير إلى 13 مايو 1914: 6,59 روبل، أو ما يساوي متوسط أجر اسبوع عمل للعامل في سان بطرسبورج.

كانت البرافدا تعتمد بالأساس على الدعم المالي القادم من العمال ؛ فمثلاً كانت التبرعات المالية من1 يناير إلى 13 مايو 1914، 78% منها قادم من العمال و13% من غير العمال. بعكس جريدة المناشفة التي استقبلت 44% فقط من الدعم المالي من العمال و56% من غير العمال.

لكن لينين لم يقنع بذلك أيضاً. وقد كتب في 1914:

إن 5674 مجموعة عمالية تلتف حول البرافدا، هو بالتأكيد عدد كبير، خاصةً في ظل القمع الذي تعيش فيه روسيا. لكن هذا ليس إلا بداية، فنحن نحتاج ليس فقط آلاف بل عشرات الآلاف من المجموعات العمالية لتلتف حول جريدتنا. لذا لابد أن نكثّف جهودنا عشرات المرات.

لسوء الحظ، اندلعت الحرب بعد أسابيع قليلة ولم تستطع البرافدا إنجاز الهدف الذي وضعه لينين. لكن على الرغم من ذلك استطاعت البرافدا على أي حال أن تلعب دوراً مركزياً في تحويل الحزب البلشفي إلى حزب جماهيري في عام 1914، وتحولت منظمات الحزب من خانة المئات والآلاف القليلة إلى عشرات الآلاف من الأعضاء ومئات الآلاف من المؤيدين.

الاستنتاج
إن الحركات الثورية اليوم يمكنها تعلم الكثير من استخدام لينين للبرافدا. ونحن اليوم في بريطانيا، نواجه وضعاً يطرح إمكانيات يجب استغلالها، فقراء جريدتنا الأسبوعية، جريدة العامل الاشتراكي، أكثر بكثير من عضوية منظمتنا، منظمة الاشتراكيين الأميين. ولهذا السبب قررت اللجنة المركزية للاشتراكيين الأميين في اجتماع شهر فبراير السابق، بذل مجهود كبير في محاولة تحويل مشتري وقارئي جريدتنا إلى بائعين لها، وذلك بالأساس لتوسيع دائرة بائعي وداعمي الجريدة. يجب أيضاً أن نطلب من العمال المتعاطفين مع منظمتنا أن يبيعوا الجريدة إلى زملائهم في العمل وجيرانهم، وفي الاجتماعات النقابية، إلخ. كما أن جمع التبرعات للجريدة يجب أن يكون هو الآخر على أوسع نطاق. وأخيراً وليس آخراً، تحتاج جريدتنا لآلاف من العمال الذين يتواصلون معها بمراسلات وتقارير عن نضالاتهم وعن أحوال وظروف عملهم، إلخ.

أما إنجاز تلك المهام، فذلك لن يكون سهلاً على الإطلاق؛ فإشراك غير الأعضاء في توزيع الجريدة والكتابة إليها يحتاج الكثير من الإصرار والمثابرة من قبل أعضاء منظمتنا. لكن بدون إشراكهم في ذلك ستبقى الفجوة بيننا وبين النضال المتصاعد لقطاعات واسعة من الطبقة العاملة.

لا تعد تلك الأهداف بديلاً عن بناء منظمة الاشتراكيين الأميين، بل على العكس؛ إنها مفتاح الحل لتوسيع تأثير ونفوذ المنظمة. إن تلك الأهداف مبنية على أساس الخبرة التاريخية التي نجنيها من تجارب التاريخ الغنية – كتجربة البرافدا البلشفية. وتلك الخبرة سترينا كيف يمكن دمج الشبكة المأمول تشكيلها من بائعي جريدة العامل الاشتراكي، مع الهيكل التنظيمي للاشتراكيين الأميين. كما ستعلمنا كيف نتعامل مع التغيرات التي قد تطرأ. ولكن ذلك مرهون أيضاً بقدرتنا على التواصل المستمر مع أولئك العمال الذين يأخذون بضع نسخ من الجريدة كل أسبوع، وعلى جمع أموال الجريدة وتبرعات لها في المصانع، وأيضاً على عملنا في النشرات العمالية وعلى عملنا في النقابات.

ستكون التجربة أفضل معلم لنا، ولا شك أن هناك من المشاكل والمصاعب التي ستواجهنا أثناء محاولاتنا خلق وتطوير شبكة البائعين/ الداعمين. لكن الماركسية كمرشد للعمل وللنضال، ليست فقط علم، لكنها أيضاً فن، وعندما نسعى لتطبيق الماركسية على مستوى تنظيم العمل اليومي، فإن الأمر يتطلب بالتأكيد قدر من المبادرة والجرأة، والارتجال أحياناً. فيما يجب علينا أن نتحلى بالدأب والإصرار في سعينا إلى هدفنا النهائي: بناء سلطة العمال والاشتراكية.

         

التعليقات