بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المشهد الإيراني: من ثورة 1979 إلى أزمة 2009.. محاولة للفهم

أثارت الانتخابات الإيرانية وما أعقبها من مظاهرات ومواجهات وانقسامات في صفوف الصفوة الحاكمة الكثير من التساؤلات وردود الفعل المتباينة في أوساط اليسار العالمي. فالبعض رأى في تلك الأحداث مؤامرة بقيادة الإمبريالية الأمريكية وعملائها في إيران للتخلص من نظام أحمدي نجاد والذي يمثل بالنسبة لهؤلاء نظاماً مناهضاً للإمبريالية ومنحازاً للفقراء. ورأى آخرون أن الحركة الإصلاحية بزعامة موسوي هي بالفعل حركة ديمقراطية تحركت ضد نظام استبدادي فاسد وأنها تمثل بالنسبة لهؤلاء الأمل في تحرر الجماهير من نظام الملالي الديكتاتوري.

وبالتالي رأينا البعض يدافع باستماتة عن شرعية وصحة الانتخابات والتي أظهرت تأييد الغالبية العظمى من الإيرانيين لنجاد وسياساته ورأينا البعض الآخر يؤكد إدعاءات موسوي ومؤيديه عن تزوير الانتخابات والتدخل السافر للحرس الجمهوري والباسيج لإنجاح نجاد بالقوة.

سنحاول فيما يلي طرح تحليل بديل لهاتين الرؤيتين، ليس بالتركيز على تفاصيل أحداث الانتخابات ونتائجها ولكن بوضع هذه الأحداث في سياقها التاريخي وفهم الانقسامات بين أجنحة السلطة من جانب والتحدي الذي تمثله الحركة الجماهيرية للجناحين. ولا يمكن في واقع الأمر أن نفهم معنى الأحداث وخطورتها بدون الرجوع للجذور- للثورة التي أطاحت بالشاه في نهاية السبعينات وطبيعة النظام الإسلامي الذي وصل إلى الحكم والتطورات والتغيرات والتي طرأت على ذلك النظام منذ الثورة، فليسمح لي القارئ بالعودة قليلاً للغوص في التاريخ ربما ساعدنا ذلك على فهم تعقيدات الواقع الإيراني الحالي.

الثورة

ولد نظام الشاه الاستبدادي الذي سبق الثوره الإيرانية في انقلاب عسكري قام به كبار الجيش بالتعاون مع جهازي المخابرات الأمريكي والبريطاني في عام 1953 والذي أطاح بحكومة محمد مصدق الوطنية. كان مصدق قد وصل إلى رئاسة الوزراء بتأييد واسع من الطبقة الوسطى والمهنيين وبتأثير إضراب عام ناجح لعمال البترول بقيادة حزب “توده” الشيوعي لمطالبته بتأميم صناعة البترول وفرض السيطرة الوطنية عليها. وهذا ما فعله مصدق فور وصوله لرئاسة الحكومة في خطوة تحدي للقوى الاستعمارية هزت العالم كله ولكنها أدت في النهاية إلى الانقلاب ووصول الشاه للسلطة. وقد بدأ الشاه حكمه بهجوم عنيف على الحركة الوطنية متمثلة في الجبهة الوطنية التي كان مصدق قد شكلها وعلى الحزب الشيوعي والحركة العمالية.

وكان تحالف الشاه مع الامبريالية الأمريكية تحالفاً مطلقاً ومعلناً وأصبح يعرف بالشرطي الأمريكي في الخليج العربي.

وقد فشل الشاه في محاولاته المتتالية لخلق حالة من الاستقرار والقبول بنظامه المستبد من خلال برنامج طموح من التحديث الرأسمالي. بل كرثت سياساته الرأسمالية من سطوة طبقة ضيقة من رجال الأعمال والشركات الأجنبية على الاقتصاد الإيراني وتقليص المجال أمام شريحة التجار التقليدية وثيقة الصلة أسرياً وأيديولوجياً برجال الدين. وفاقمت من الإفقار والتشريد للعمال والفلاحين والمهنيين خالقة جيش واسع من العاطلين في المدن الرئيسية.

وقد جاءت الشرارات الأولى للثورة في 1977 حيث كان هناك ضغطاً شديداً من قبل الإدارة الأمريكية والرئيس جيمي كارتر على الشاه للتخفيف بعض الشئ من قبدته الحديدية خوفاً من انفجار متوقع. وبالفعل قام الشاه بعدد من الإصلاحات السياسية المحدودة والتي قلصت من السلطات شبه المطلقة لقوات الأمن والمخابرات وفتحت أفقاً ضيقاً من حرية التعبير والحركة. ما لم يدركه الشاه أن أخطر اللحظات التي تواجه أي نظام استبدادي هي لحظة قيامه بإصلاحات كما لاحظ المؤرخ الفرنسي توكيفيل. فالجماهير قرأت في هذه الإصلاحات علامة لضعف النظام وفرصة لكسر سطوته نهائياً.

وفي خريف 1977 اندلعت موجة من الاحتجاجات وظهرت إلى السطح تنويعة واسعة من المنظمات والجمعيات في صفوف المهنيين وفي مقدمتهم المحامون والقضاة واساتذة الجامعات والصحفيين والطلاب بما فيهم طلاب المؤسسات الدينية. وقد طالبت الحركة الجديدة بالحقوق الديمقراطية ونددت بحزب الصحوة الحاكم. ومن جانب آخر بدأت الحركة العمالية في النهوض بسلسلة مؤثرة من الإضرابات والاحتجاجات وقد تطورت هذه التحركات المتنوعة إلى سلسلة من المظاهرات الجماهيرية الضخمة خلال 1978 مطالبة بوقف الهجمات الأمنية على الطلاب وبحرية الصحافة واستقلال القضاء وقطع العلاقات مع القوى الاستعمارية والردوخ لمطالب العمال والفلاحين الاقتصادية.

لم يكن للحركة طابعاً طبقياً محدداً بل تضمنت تنويعة واسعة من المطالب الفئوية الاقتصادية إلى جانب المطالب الديمقراطية والوطنية العامة. وقد ساهم في استمرار الطلبع الشعبوي المبهم للحركة عاملين أساسيين. كان العامل الأول هو عدم تمكن أو رغبة اليسار الإيراني من توحيد وتنظيم حركة العمال والفلاحين الفقراء بشكل مستقل عن باقي الحركة الديمقراطية بل ساهم في خضوعها للقيادات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة في الحركة وبالتالي لم يطرح أصلاً إمكانية قيادة الطبقة العاملة لهذه الثورة الديمقراطية رغم دورها المركزي في حسم المعركة مع الشاه.

والعامل الثاني كان بالطبع الخوميني. فقد كان الخوميني أهم وأشهر المعارضين لنظام الشاه منذ الستينات وقد طور من دعايته وأفكاره خلال فترة المنفى في نجف وطرح عدد من المفاهيم الجديدة والتي لعبت دوراً محورياً في تطور شكل ومضمون الثورة الإيرانية.

وقد طرح الخوميني أن الأنظمة الملكية هي بطبيعتها معادية للإسلام وأن على المسلمين فريضة مقدسة للثورة على مثل هذه الأنظمة. وقد طور الخوميني من فكرة الثورة الإسلامية على النظام الملكي (الشاه) بأطروحات راديكالية عامة ضد سياسات الشاه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فهاجم الشاه لتحالفه مع الغرب في الحرب الباردة ولتأييده لإسرائيل في مواجهة العالم الإسلامي ولانتشار الفساد واحتكار الثروة والسلطة وعلى إهمال الزراعة والفلاحين ولغياب الخدمات العامة للجماهير من مدارس ومستشفيات ومياة نظيفة وكهرباء في القرى ولعدم توفير السكن الشعبي للفقراء والدفع بهم لحياة غير آدمية في المناطق العشوائية بالمدن ولإفلاسه لصغار ومتوسطي التجار لصالح رأس المال الأجنبي والاحتكاري واتهم سياسات الشاه بأنها السبب وراء انتشار الجريمة والخمور والمخدرات والدعارة.

وقد استخدم الخوميني مصطلحات لم تكن تستخدم من قبل إلا في ما ندر في التراث الإسلامي مثل الطبقة والصراع الطبقي والثورة الشعبية وقد تميز خطابه بنبرة راديكالية ظاهرية تجاوزت على مستوى الخطاب ما كان يطرحه الشيوعيين:

الإسلام هو دين المستضعفين وليس دين المستكبرين، الإسلام لسكان العشش وليس لسكان القصور، الإسلام ليس أفيون الشعوب بل مفجر صحوتها، الفقراء يموتون من أجل الثورة في يتآمر الأغنياء عليها،أيها المستضعفون في الأرض لنبني حزباً للمستضعفين، لا الشرق ولا الغرب بل الإسلام، نحن نناضل من أجل الإسلام وضد الرأسمالية والإقطاع، الإسلام سينهي الفوارق بين الطبقات، لن يكون في ظل النظام الإسلامي فلاحاً واحداً معدم دون أرض، دور رجال الدين هو تحرير الفقراء من سيطرة الأغنياء، ولكن في نفس الوقت دافع الخوميني باستماتة عن قدسية الملكية الخاصة وهاجم الاشتراكية والشيوعية والأفكار الداعية للمساواة الكاملة بين الناس وكان يهاجم الرأسمالية في نفس الوقت الذي يدافع فيه عن السوق والتجار.

ولم يكن الخوميني يطرح بالطبع ضرورة إستيلاء الجماهير الفقيرة على الحكم بل ضرورة أن يتبع هؤلاء رجال الدين ويوصلوهم إلى السلطة. وهنا تأتي نظرية “ولاية الفقيه” والتي طرح من خلالها أن النظام البديل للشاه وللملكية والرأسمالية هو حكم رجال الدين لمصلحة الجماهير. وقد ظل هذا الجانب من مشروع الخوميني في الخلفية في بدايات الثورة حيث كان التركيز كله في الفترة الأولى على الجانب الشعبوي الراديكالي المعادي للاستبداد الملكي والاستغلال الرأسمالي والهيمنة الإستعمارية.

وفي غياب أحزاب يسارية ثورية قادرة على طرح بديل واضح لشعارات الخوميني المبهمة والمضللة لم يكن غريباً أن يصبح الخوميني الرمز الأهم للجماهير الثائرة فسرعان ما أصبحت شعاراته واسعة التأثير والانتشار في أوساط المتظاهرين والمضربين وسرعان ما أصبح مطلب عودة الخوميني من منفاه وإسلامية الثورة على رأس مطالب الجماهير.

وقد واجه الشاه المظاهرات المتصاعدة بمزيد من القمع والوحشية ولكن ما أسقط الشاه فعلياً لم يكن المظاهرات وحدها بل التدخل الحاسم للطبقة العاملة حيث أظرب بشكل يكاد يكون متزامناً عمال البنوك والمصانع الخاصة والسكة الحديد والمواصلات والموانئ والمؤسسات الحكومية وجائت الضربة القاضية بإضراب عمال البترول.

وفي الحادي عشر من ديسمبر 1978 خرج 2 مليون متظاهر إلى شوارع طهران وشلت أجهزة الأمن والجيش وفر الشاه من البلاد. وفي الأول من فبراير 1979 عاد الخوميني إلى طهران وكان في استقباله 3 ملايين إيراني.

النظام الإسلامي في ظل الخوميني

لم تكن الأطروحات الإسلامية منحصرة في دعوة الخوميني أثناء الثورة، فكان هناك تأثيراً كبيراً لأفكار المفكر علي شريعاتي الراديكالية الإسلامية وللإشتراكية الإسلامية التي كان يتبناها تنظيم المجاهدين والليبرالية الإسلامية التي طرحها مهدي بازرجان وهذا كله إلى جانب الرؤى الإسلامية التقليدية والتي ظل يتمسك بها الكثير من رجال الدين.

كان الخوميني يواجه في بداية النظام الجديد عدداً من التحديات الضخمة تقف بينه وبين تثبيت سيطرته على البلاد فكان هناك أولاً الحالة الثورية التي كانت ما زالت تجتاح الطبقة العاملة وفقراء المدن والفلاحين بمطالبهم المتصاعدة وبتنظيماتها الديمقراطية القاعدية وعلى رأسها مجالس الشورى العمالية والتي كانت بشكل موضوعي.

لم يكن لدى قادة الثورة الإسلامية أي تصور واضح حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يجب أن يتبنوها. أيد بعض الملالي دوراً مركزياً للدولة فيما فضل آخرين حرية السوق.

ولكن الأحداث المتلاحقة فرضت دوراً كبيراً للدولة في العملية الاقتصادية لمواجهة الانهيار الاقتصادي الذي أدى إليه هروب كبار الرأسماليين والحصار الأمريكي وضرورة التعبئة العامة مع اندلاع الحرب مع العراق.

وقد كانت الأهداف في تلك الفترة الأولى (الثمانينات) هي درجة أكبر من توزيع الثروة وبرامج اجتماعية لتهدئة الجماهير الثائرة وإعادة استقرار التراكم الرأسمالي والتحديث الصناعي تميزت تلك الفترة بهيمنة رأسمالية الدولة من خلال الصناعات والبنوك المؤممة والمؤسسات الحكومية الضخمة والتي سميت بهيئات “البونياد” والتي ظلت تحت السيطرة الكاملة لملالي الخوميني.

مأساة اليسار

وقد ارتكب اليسار الإيراني أخطاءاً تاريخية فادحة خلال الثورة الإيرانية. فكما رأينا تحالف حزب “توده” الشيوعي مع نظام الخوميني وأيده تأييداً غير مشروطاً. وكان التبرير لذلك هو اعتبار الخوميني ومؤيديه قوة معادية للإمبريالية وتقدمية. وكما هي العادة مع مثل هذه الأحزاب الستالينية التابعة للاتحاد السوفيتي فقد قاموا بالتنظير لهذا الموقف الكارثي بل والانتحاري بفكرة المراحل الثورية. أي أن إيران يجب أن تمر أولاً بمرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية والتي اعتبروا الخوميني خير قائداً لها ثم تأتي بعد تحقيق أهداف تلك المرحلة الأولى مرحلة الثورة الإشتراكية. بل ذهب الحزب إلى أبعد من ذلك وطرح أن هناك إمكانية للتحول السلمي والسلس من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية بتبني الخوميني “للطريق اللارأسملي للتنمية” (وهي نفس التنظيرات والحجج التي استخدمها الحزب الشيوعي المصري لتبرير حل الحزب والاندماج في النظام الناصري في منتصف الستينات.

وعلى أساس هذا المنظور الساذج فبدلاً من تنظيم وتوحيد مجالس الشورى العمالية وغيرها من التشكيلات الجماهيرية الديمقراطية التي تفجرت بشكل عفوي خلال الثورة والحفاظ على استقلالية الطبقة العاملة دعى الحزب العمال للرضوخ الكامل للخوميني وعصاباته.

بقية القصة معروفة، من حظر الحزب وإعدام واعتقال عشرات الآلاف من كوادره وأتباعه وإعدام قادته التاريخيين بعد تعذيبهم وإذلالهم بالظهور على شاشة التلفزيون للإعتراف أنهم كانواعملاء للسوفييت وأنهم إرتكبوا جرائم لا تغتفر ضد الخوميني بل وضد الإسلام.

ونحن لا نتحدث هنا عن مجموعة صغيرة أو غير مؤثرة في الساحة السياسية الإيرانية. فقد كان للحزب تاريخاً طويلاً من النضال ضد نظام الشاه سواء رضا شاه أو محمد شاه. وقد وصلت عضويته في منتصف الأربعينات إلى خمسون ألف كادراً ومئة ألف منخرطين في مؤسسات الحزب وكانت جريدته اليومية يزيد توزيعها عن المئة ألف وكان له جذوراً عميقة في كافة قطاعات الطبقة العاملة الإيرانية خاصة في القطاعات المحورية مثل البترول والنقل والصناعات الثقيلة وغيرها ولعب الدور الأكبر في إنشاء النقابات العمالية واحتل كوادره العمالية غالبية مقاعد مجالس النقابات الممثلة لأكثر من ٣٠٠ألف عامل. كل ذلك التاريخ والنضال والجذور ذهب في مهب الريح عندما واجه الحزب إختبار الثورة واختار التنازل عن استقلالية وقيادة الطبقة العاملة وارتمى في أحضان الخوميني.

أما تنظيم المجاهدين اليساري الإسلامي فقد تحالف في البداية مع المعارضة الليبرالية ثم تحول بشكل سريع إلى حملة من الإغتيالات ضد النظام وقد تحطم التنظيم تماماً في المواجهة المسلحة مع نظام الخوميني وانتهى الأمر بفلول التنظيم بالهروب إلى العراق والتحالف مع صدام حسين في حربه المدعمة أمريكياً ضد إيران في نهاية مأساوية لتنظيم يساري كان قد لعب دوراً أساسياً في بدايات الثورة. أكثر من 12 ألف من المعارضين اليساريين للنظام إما تم إعدامهم أو استشهدوا في المعارك المسلحة مع عصابات الخوميني بين 1981 و1985 وآلاف آخرين تم إعدامهم دون محاكمات في السجون والمعتقلات في صيف 1988.

واجه الخوميني بعد سقوط الشاه عقبتين أساسيين أمام سيطرته الكاملة على السلطة وعلى مسار الثورة. كانت العقبة الأولى هي التنظيمات الجماهيرية الديمقراطية التي تكونت خلال الثورة (مجالس الشورى العمالية ومجالس الأحياء والتنظيمات الشبابية والنسائية إلخ) وقد ارتبط هذه الموجة الجماهيرية بتنظيمات اليسار.

أما العقبة الثانية فتمثلت في الجناح الليبرالي البرجوازي للثورة بقيادة مهدي بازرجان والذي تولى رئاسة الوزراء في الحكومة الانتقالية.

وقد بدأ الخوميني باحتواء الليبراليين وقبوله بتشكيل بازرجان للحكومة. ولكنه في ذات الوقت كون سلطة موازية من خلال تشكيل لجنة ثورية ولجنة مركزية من رجال الدين والمقربين من الخوميني للإشراف على الحكومة الانتقالية. وقد سيطرت هذه اللجان على قوات البازدران (حرس الثورة) والتي كانت موالية لرجال الدين التابعين للخوميني.

تحالف الخوميني في البداية مع بازرجان وذلك لتهميش اليسار في الجامعات وللقضاء على مجالس الشورى العمالية وغيرها من التشكيلات الديمقراطية الجماهيرية التي انتشرت خلال الثورة واستبدالها بجمعيات دينية يتحكم فيها ملالي الخوميني.

وقد تحرك الخوميني وأتباعه بشكل سريع للقضاء على منظمات اليسار بمنع و قمع مظاهراتهم وتدمير مقراتهم.

وقد تزامن ذلك مع الهجوم على حقوق المرأة وفرض الحجاب وإطلاق عصابات الباسيج لترهيب الجماهير مع عدوان الحرس الثوري على الحركة الوطنية الكردية. جاءت المواجهة بين بازرجان والخوميني حول الدستور الإسلامي الجديد. كان بازرجان يريد دستوراً على شاكلة الدستور الفرنسي. أي دستور يقنن لجمهورية برلمانية ديمقراطية وإن أخذت شكلاً إسلامياً. أما الخوميني فأراد بالطبع دستوراً إسلامياً خالصاً يفتح المجال لولاية الفقيه والحكم المباشر لرجال الدين. وقد تمكن الخوميني من فرض رؤيته وطرح مشروع الجمهورية الإسلامية (دون إشارة للديمقراطية) لاستفتاء شعبي حصل على تأييد 99٪ من الأصوات.

وعلى الفور طرح الخوميني إنتخاب “مجلس الخبراء” من 73 عضواً لصياغة الدستور الجديد وقد تمكن من التحكم الكامل في تسمية المرشحين لهذا المجلس من خلال تدخل “اللجنة المركزية” وكانت النتيجة انتخاب مجلساً غالبية أعضاؤه من رجال الدين التابعين مباشرة للخوميني وقد صيغ الدستور بشكل يمزج ظاهرياً بين الحقوق الديمقراطية وبين ولاية الفقيه ولكنه في مضمونه يميل بقوة لولاية الفقيه.

أكد الدستور على حقوق الإنسان ولكن دون التعارض مع الحق الإهي وعلى الديمقراطية طالما لم تتعارض مع حكم رجال الدين.

وقد تضمن الدستور في مقدمته على كون الخوميني الفقيه الأعلى والقائد الأعلى للثورة ومرشدها ومؤسس الجمهورية الإسلامية وملهم المستضعفين وإمام الأمة الإسلامية.

وقد أعطى الدستور القائد الأعلى صلاحيات استثنائية واسعة النطاق. فهو الذي يحدد مصلحة الإسلام والخطوط العريضة لسياسات الجمهورية الإسلامية ويشرف على تنفيذها ويتوسط بين السلطات التشريعية والتنفيذية القضائية وله الحق في تعبئة القوات المسلحة وإعلان الحرب أو السلام وتعيين قائد الجيش، إلخ.

كان النظام الجديد به بعض العناصر الديمقراطية، فالشعب هو الذي ينتخب البرلمان ورئيس الجمهورية ومجلس الخبراء ولكن في ذات الوقت يعين المرشد الأعلى القضاة ومجلس الأمناء (بمشاركة محدودة وموجهة من البرلمان) ومجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام. ويحق لهذه المؤسسات غير المنتخبة في تحديد المرشحين للرئاسة ولعضوية البرلمان ومجلس الخبراء.

وبعد القضاء على المعارضة الليبرالية واليسارية وبعد القمع الوحشي لكافة التنظيمات الجماهيرية على يد قوات الباسيج، إستقر الحكم للخوميني ورجال الدين مع ديمقراطية شكلية لا تشكل خطراً على السلطة الدينية طالما ظلت هذه السلطة موحدة. وقد ساعد الخوميني على توحيد الصفوف في النظام الجديد أزمة الرهائن الأمريكية والحرب مع العراق حيث ظل التهديد الخارجي يمثل تبريراً دائماً لوحدة النظام ولقمع كافة أشكال المعارضة.

خامنئي ورفسانجاني والتحول إلى الليبرالية الجديدة

ومع نهاية الحرب مع العراق في 1988 وموت الخوميني في 1989 تم اختيار علي خامنائي كمرشد أعلى للثورة (كان رئيساً للجمهورية بين 1981 و1989) وانتخب هاشمي رافسنجاني رئيساً للجمهورية (1989-1997) وقد شكل الزعيمين تحالفاً حاكماً قوياً عرف بالحكم الثنائي.

وقد تميزت فترة حكم الثنائي بالتراجع عن كافة السياسات الشعبوبية الاقتصادية التي دشنتها الثورة والتحول لبرنامج ليبرالي جديد للإصلاح الاقتصادي بما يشمله ذلك من إلغاء الدعم وتقليص الخدمات العامة وخصخصة الشركات التي كانت الثورة قد أممتها وفتح المجال أمام رأس المال الأجنبي والمحلي وتحرير التجارة وتغيير قوانين العمل لصالح رأس المال.

وقد نشأت في تلك الفترة برجوازية جديدة سميت بمليونيرات الملالي في التقاطعات بين القطاع الخاص التجاري (البازار) من جانب وقمة القطاع العام وهيئات البونياد ولعل عائلة رافسنجاني نفسه أكبر مثال لبروز ونمو هذه الطبقة البرجوازية الجديدة بعد الثورة. فحصل أحد إخوته على إدارة أكبر منجم نحاس في البلاد في حين سيطر أخ آخر على شبكة الإذاعة والتلفزيون، في حين حصل أحد أقربائه على شركة تصدير الفسدق والتي قدرت صادراتها بـ400 مليون دولار سنوياً في حين تسيطر عائلة رافسنجاني على أحدى أكبر الشركات الهندسية في قطاع البترول بالإضافة لمصنع سيارات “دايوو” وأهم شركات الطيران الخاصة في إيران. أما إبن رافسنجاني الأصغر فيملك مزرعة للخيول على ثلاثين فدان في أرقى أحياء طهران حيث يقدر سعر الفدان بأكثر من ٤ملايين دولار.

وفي 1990 تم الإتفاق بين حكومة رافسنجاني والبنك الدولي على حزمة الإصلاحات المعروفة: تحرير التجارة الخارجية وتحرير الأسعار وإلغاء الدعم والخصخصة وتشجيع الاستثمار الأجنبي وإنشاء مناطق تجارية حرة وإعادة تنظيم البنوك والقطاع المالي لخدمة رأس المال الخاص والأجنبي.

وقد أدت “إصلاحات” رافسنجاني الاقتصادية إلى زيادة أسعار السلع الاستهلاكية بين 1993 و1994 بنسب تتجاوز 300٪ وزاد الدين الخارجي من ٧.٦٪ من إجمالي الناتج المحلي إلى ٥٨٪ في نفس الفترة. وأدت الخصخصة إلى تشريد عشرات الآلاف من العمال ومضاعفة البطالة وتركيز للثروة مع إزدياد مطرد في فقر الغالبية من السكان.

ومع نهايات الفترة الثانية لرئاسة رافسنجاني (1993-1997) أصبح من الواضح أن سياسات التحرير الاقتصادي التي تبنتها حكومته لم تؤدي إلى استقرار النظام بل إلى زعزعة العقد الاجتماعي الشعبوي والذي مثل بمثابة العمود الفقري للنظام .

وكنتيجة للسياسات الاقتصادية بدأت الشروخ تظهر في أوساط النخبة الحاكمة. فإصلاحات رافسنجاني أدت من جانب إلى تآكل في شرعية النظام في صفوف الطبقة العاملة والفقراء وبعض قطاعات الطبقة الوسطى وغيرت من التركيبة الاجتماعية للنخبة الحاكمة حيث تبلور جناحاً ترتبط مصالحه بالقطاع الخاص والشركات الأجنبية وجناحاً آخر ترتبط مصالحه بالاحتكارات الحكومية والقطاع العام ونفوذ الحرس الثوري واستثماراته الضخمة. وبالإضافة لذلك أدى اسمرار تحكم الباسيج في الشارع الإيراني والقوانين الدينية المتزمتة والمقيدة للحريات الشخصية إلى حالة من التذمر المزمن في أوساط الشباب والطبقة الوسطى الحديثة.

صعود خاتمي

وعلى المستوى السياسي أدى التخوف من فقدان النظام لشرعيته لظهور تيارين متنافسين على السلطة كلاهما جزء لا يتجزء من النخبة الحاكمة. التيار الأول وهو ما عرف بالتيار الإصلاحي يرى أن المخرج من أزمة النظام تكمن في تبني سياسات تخفف من وطأة الحكم الديني المباشر بتوسيع نطاق الحريات الشخصية والثقافية والسياسية مع مرونة و”واقعية” أكبر في التعامل مع الغرب. أما التيار الثاني “المحافظ” فكان يرى مواجهة تآكل شرعية النظام من خلال إعادة إحياء مبادئ الثورة والتأكيد على استمرار نهج الخوميني والتصعيد في مواجهة الغرب وتعبئة الشعور القومي المعادي للامبريالية>

وقد تمكن الإصلاحيين بقيادة محمد خاتمي (وزير الثقافة خلال الثمانينات) من تعبئة قطاع واسع من الجماهير (في مقدمتهم الشباب والطبقة الوسطى الحديثة) في انتخابات الرئاسة عام 1997 والتي فاز بها خاتمي ب70٪ من الأصوات. وقد تمكن الإصلاحيين أيضاً من الفوز في الانتخابات البرلمانية والمحلية بفارق كبير مما خلق توقعات واسعة في صفوف الجماهير أن وقت “التغيير” قد حان.

وقد فجرت هذه التوقعات حركة طلابية جديدة في الجامعات في 1999 تطالب بالحريات الديمقراطية وتقليص نفوذ قوات الباسيج. ولكن خاتمي، كونه جزء لا يتجزء من النظام الحاكم، أحبط توقعات التغيير ورغم بعض الأصلاحات في صالح المرأة والشباب وحرية التعبير إلا أن إصلاحاته لم تمس جوهر النظام الديني ولا سطوة مؤسساته. فالخوف من حركة جماهيرية خارجة عن سيطرة الجناحين كان دائما أكبر وأهم من التناقضات والخلافات داخل صفوف النظام. كان موقف خاتمي المتخاذل من مظاهرات الطلبة والتي وصفها بالفوضى والخروج عن النظام وأصر على عدم الخروج عن الأطر الشرعية (شديدة المحدودية) وعدم رغبته في إحداث أي تغييرات جوهرية مصدراً لتآكل جماهيرية خاتمي.

وقد استمر خاتمي على نفس السياسات الاقتصادية الرأسمالية التي بدأها رافسنجاني فخفض الدعم والتأمين الاجتماعي وزاد من وتيرة الخصخصة. وطبقاً للإحصائيات التي أعلنتها هيئة الخصخصة التي أنشأها خاتمي كانت حصيلة الخصخصة بين 1991 و2007 تتجاوز 16 مليار دولار. أكثر من 25٪ من هذه القيمة تحققت في فترة حكم رافسنجاني و43٪ منها في فترة خاتمي و38٪ في فترة نجاد.

تميزت الفترة الأخيرة من حكم رئاسة خاتمي بموجة حادة من الاحتجاجات والإضرابات العمالية ففي يناير 2003 نشرت الجريدة اليومية بيت العمال بياناً ضد وزير العمل تطالب فيه بالاعتراف بحق العمال في الإضراب و مناهضة العولمة كشكل جديد للاستغلال وبوقف عملية الخصخصة.

بدأت من 2004 سلسلة من الإضرابات العمالية الهامة. كان أولها لعمال بناء يشيدون مصنعاً لصهر النحاس وقبل افتتاح المصنع مباشرة تم فصل عمال البناء البالغ عددهم 250 عاملاً. قام العمال وعائلاتهم بمحاصرة موقع المصنع ومواجهة قوات الأمن التي تصدت لهم بهمجية شديدة حيث أصيب 300 وقتل إثنان من العمال.

في نفس الشهر قام عمال شركة إيران خودرو كبرى شركات إنتاج السيارات بإضراب ضخم للمطالبة بوقف العقود المؤقتة ودفع الأجر الإضافي للعمل الليلي. وكان قد فجر الإضراب وفاة عاملين بأزمات قلبية. وقد تكررت الإضرابات في مايو ويونيو من 2005 وديسمبر 2005 ومارس 2006 ليصبح عمال إيران خودرو في طليعة الحركة العمالية الجديدة في إيران.

وفي مايو 2005 تظاهر آلاف العمال بمناسبة عيد العمال رافعين شعارات مناهضة للخصخصة والهجوم على حقوق العمال والفقراء وبالطبع واجهتها عصابات البسيج بالقمع والاعتقال والتعذيب .

أحمدي نجاد وعودة المحافظين

وقد فاز أحمدي نجاد ذو الصلات القوية بالحرس الجمهوري برئاسة الجمهورية على أساس حملة انتخابية وعدت بتقوية الأمن القومي ومواجهة صارمة للاستعمار الأمريكي والصهيوني من جانب والعودة إلى السياسات الشعبوية الاجتماعية والاقتصادية والتي كانت شعار المحلة الخومينية. وقد وصف نفسه بنصير المستضعفين والرئيس المبدئي عدو الفساد.

وقد وعد نجاد بزيادة الأجور والرواتب وتقليص الفقر ومواجهة البطالة وأزمة السكن وبشكل عام تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الفساد.

وقد ساعده في هذه الحملة الدعائية كونه هو شخصياً من عائلة عمالية فقيرة إلى جانب مظهره البسيط وشعاراته الشعبوية.

ولكن هناك هوة واسعة بين خطاب نجاد ووعوده وبين واقع حكمه.

تؤكد الإحصائات الرسمية الإيرانية أنه في الفترة الأولى لرئاسة أحمدي نجاد لم تكن هناك أي زيادات حقيقية في الإنفاق على التعليم والصحة والإسكان على الرغم من الزيادة الضخمة في أسعار البترول وعلى نقيض شعارات نجاد حول الفقراء وانحيازه لهم ولمصالحهم.

وقد ارتفعت تكلفة المعيشة بنسبة 200٪ خلال فترة نجاد الأولى في حين لم ترتفع الأجور إلا بنسب تتراوح بين 25 و50 بالمئة في نفس الفترة في حين وصل عدد العاطلين عن العمل إلى 4 ملايين أي 18٪ من قوة العمل.

أظهرت بيانات البنك الدولي لعام 2006 أن نصيب أغنى 10٪ من السكان من الدخل القومي بلغ 33.7٪ في حين نصيب أفقر 10٪ من السكان لا يتجاوز 2٪ من الدخل القومي.

وقد استمر نجاد في نفس سياسات الخصخصة والتحرير الاقتصادي التي بدأها رافسنجاني وعمقها خاتمي بل أن ما تم خصخصته تحت إدارة نجاد بين 2006 و2007 يفوق ما تم خصخصته طوال رئاسة رفسنجاني بين 1989 و1997.

وإلى جانب الخصخصة زاد نجاد من الهيمنة الاقتصادية للحرس الجمهوري حيث ارتفعت قيمة العقود الاستثمارية التي ذهبت إلى الحرس من 4 مليار دولار إلى 12 مليار دولار في فترة رئاسة نجاد الأولى.

في الفترة بين 2007 و2009 قام زحمدي نجاد بخصخصة 400 شركة كبرى في بما في ذلك قطاع الاتصالات وأكبر مصانع الحديد والصلب والصناعات البترولية في أصفهان وشركة الأسمنت في كردستان وكبرى البنوك وشركات التأمين والغاز في البلاد. وقد هنأ حكومته صندوق النقد الدولي لحسن إدارتها للاقتصاد الإيراني.

وقد وصل الاستثمار الأجنبي في إيران إلى أكثر من 10 مليار دولار في عام 2007 بالمقارنة ب4مليار عام 2005 و2 مليون في 1994. وقد تضاعف حجم الاستثمارات الأمريكية في 2008.

وعلى عكس خطابات نجاد والتي أكد فيها أنه نصير العمال فلم يكن أقل وحشية وقمعاً عن سابقيه في مواجهة الحركة العمالية.

ولعل أشهر النضالات العمالية في السنوات الأخيرة في إيران كان تكوين نقابة عمال النقل العام بطهران والتي أعلنت كنقابة مستقلة في 2006. وكان رد الفعل الحكومي منذ ذلك الإعلان وحتى اليوم هو القمع والاعتقال والمنع حيث اعتقل المئات من أعضاء النقابة بما فيهم رئيسها الذي اعتقل وتعرض لتعذيب وحشي وحكم عليه بالسجن عام 2007 لمدة 5 سنوات.

وحين حاول العمال في أول مايو 007 تنظيم مظاهرة في مدينة سنتندار تم قمعهم بوحشية وحكم على 10 من القيادات العمالية بالجلد والغرامات واعتقل 150 عامل.

وعلى الرغم من شعارات نجاد المدوية حول مواجهة أمريكا وإسرائيل وعلى الرغم من دعمه لحزب الله وحماس واستمرار مواجهته للدول الغربية حول حق إيران في تخصيب اليورانيوم والمضي قدماً في المشروع النووي لا يجب أن ننسى أنه لا يمثل الجماهير الإيرانية بل جناح من النظام له مصالحه الاقتصادية البرجوازية وإذا قارنا على سبيل المثال بين موقف النظام الإيراني من المقاومة الفلسطينية واللبنانية وبين موقفه من المقاومة في كل من أفغانستان والعراق سنرى تناقضات المصالح وليس موقفاً مبدئياً من الإمبريالية. ومن ينتظر من نظام برجوازي يطبق الليبرالية الجديدة ويقمع الإحتجاجات العمالية بوحشية أن يتمكن من مواجهة الإمبريالية على المدى الطويل أو بشكل مبدئي فهو واهم مهما كانت الشعارات ومهما تصاعدت حدة المواجهات حول المسألة النووية.

المحافظين والإصلاحيين ومظاهرات صيف 2009

لم تكن الانتخابات الرئاسية في إيران لها أي سمة ديمقراطية أياً كان الجدال حول نتائجها فمن بين 475 مرشح للرئاسة تم الموافقة فقط على أربعة مرشحين كلهم ينتمون قلباً وقالباً للمؤسسة الحاكمة (نجاد وهو رئيس الجمهورية، موسوي والذي كان رئيس الوزراء بين 1981 و1989 وكاروبي الرئيس السابق للبرلمان الإسلامي ورزاي القائد السابق لقوات البازدران.

كان الإختيار إذا بين الجناح المحافظ وبين الجناح الإصلاحي في نفس النظام. بين مرشح يمثل المؤسسات الرأسمالية التابعة للحرس الثوري والملالي المتربحين منها وبين مرشح يمثل الملالي المليونيرات المرتبطين برأس المال الخاص والتجارة العالمية.

لا يجب أن ننسى أن موسوي والذي يبدو أنه اكتشف الديمقراطية فجأة أشرف بنفسه على أكبر موجة من الإعدامات والمجازر والاعتقالات والتعذيب تفوقت في وحشيتها مجازر السافاك في عصر الشاه لصالح نظام الخوميني.

فالمواجهة ليست بين الديمقراطية والاستبداد الديني وليست بين جناح تقدمي منحاز للجماهير وبين جناح يميني يمثل رأس المال وليست حتى بين جناح يريد المصالحة مع الإمبريالية وجناح يريد الخضوع لشروطها بل بين جناحين في نظام تآكلت شرعيته. نظام إنقسمت نخبته الحاكمة بين مختلف فصائل برجوازية الملالي المهيمنة ووصل الشرخ في النظام إلى طريق مسدود لا يستطيع أياً من الفصيلين حسمه على المدى الطويل.

وهذا لا يعني بالطبع أن الإمبريالية ليس لها تفضيل بين التيارين فقد أيدت الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي علناً تيار موسوي وأحدثت ضجة إعلامية كبرى حول نتائج الإنتخابات وصورت موسوي ومؤيديه كأبطال لثورة ديمقراطية ملونة (خضراء في هذه الحالة) قادرة على إحداث التغيير المنشود وهو عودة إيران للخضوع الكامل للسيطرة الأمريكية الأوروبية كمثيلاتها في المنطقة.

التدخل الإمبريالي في إيران لم يتوقف طوال القرن العشرين ولن يتوقف خلال القرن الحالي طالمة بقيت إيران عائمة على بحر لا ينضب من البترول.

لا يجب أن ننسى أن الاستعمار البريطاني ومن بعده الأمريكي قد شارك بشكل مباشر من خلال أجهزة مخابراته في ثلاث انقلابات عسكرية في إيران خلال القرن العشرين (1908، 1921، 1953) ولا يجب أن ننسى أيضاً أن إدارة بوش قد وضعت ميزانية تقدر بـ400 مليون دولار سنوياً لزعزعة النظام الإيراني بتعبئة الأقليات (خاصة السنية والعربية) ضد النظام وبالعمليات الاستخاراتية وبالاغتيالات والتفجيرات. وهو أمر لم يتراجع عنه أوباما .

ولكن أن نعتبر المظاهرات الضخمة (2 مليون في طهران ومئات الآلاف في المدن الكبرى الأخرى) التي اندلعت في كافة المدن الإيرانية بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات كمجرد نتيجة لمؤامرات استعمارية تريد زعزعة نظام معادي للإمبريالية ليس فقط قراءة خاطئة للأحداث بل احتقار لوعي ونضالية واستقلالية الجماهير الإيرانية التي شاركت في المظاهرات والاحتجاجات.

وأيضاً أن نعتبر أن هذه الكتل الجماهيرية الضخمة خرجت كلها دفاعاً عن موسوي هو إهانة لذاكرة الجماهير الإيرانية. نعم هناك قطاع من الشباب خاصة من الطبقة الوسطى أيد بحماس موسوي ولكن الحركة الجماهيرية خرجت سريعاً من هذا الإطار الضيق وعبرت عن مطالب اقتصادية واجتماعية وديمقراطية موجهة ضد النظام ككل بجناحيه. فقد سئمت الجماهير من الوعود الكاذبة للجناحين وخرجت للشوارع رغم البطش والقمع باحثة عن بديل ثالث يعبر عن مصالحها في مواجهة نظام الملالي والمليونيرات. ولذا فعلى اليسار أن يدعم حركة الجماهير والتي رغم تراجعها الحالي ما من شك أنها ستندلع من جديد.

فالنظام ما زال يتبنى سياسات الإفقار النيوليبرالية والشرخ بين أجنحته سيستمر ويتعمق وكلما إزداد هذا الشرخ وضوحاً كلما أحس الجماهير بضعف النظام وبتآكل شرعيته وبإمكانيات الحركة ضده.

هذا لا يعني بالطبع عدم الوقوف بحزم مع الشعب الإيراني ضد الحصار وضد محاولات منعه من تملك التكنولوجيا النووية وضد أي محاولة للهجوم العسكري ضد إيران أو التآمر ضدها من قبل الإمبريالية الأمريكية والصهيونية والأنظمة العربية العميلة.

بل أن تأييد حركة الجماهير (وليس مسرحية موسوي) ضد قمع نظام الملالي والبداية على طريق ثورة إيرانية جديدة تطيح برأسمالية الملالي وتضع السلطة في أيدي الجماهير هو في الواقع الضمانة الوحيدة لمناهضة مبدئية ومؤثرة وناجحة ضد الإمبريالية.

      

التعليقات