بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مجزرة إندونيسيا المنسية

2013_10_12_ndwnysy_0

في الأول من أكتوبر عام 1965 بدأت عمليات القتل السياسي المنظم لحوالي مليون شخصًا في إندونيسيا، واستمرت لحوالي ثلاثة أعوام، وصحبت العنف حملة اعتقالات ضخمة حيث تعاقب مئات الآلاف تقريبًا على سجون مخصصة لهذا الأمر ما بين عامي 1965 و1968.

تم احتجاز ما يقرب من عشرين ألفًا في السجون والمعسكرات حتى عام 1979، وشكّل القتل والتعذيب والسجن المصحوبين بحملة دعاية متواصلة حكمًا إرهابيًا شديدًا، استهدف هذا الحكم أعضاء الحزب الشيوعي الإندونيسي ومؤيديه والجناح اليساري للحزب الوطني الإندونيسي والتنظيمات الجماهيرية المتحالفة معهم.

كما استُهدفت الأحزاب اليسارية الصغيرة مثل حزب إندونيسيا “بارتيندو” وحركة الشيوعيين الشباب “اكوما”، وكان الحزب الشيوعي الإندونيسي هو أكبر تلك القوى وأكثرها نموًا؛ فقد ازداد دعمه وعضوياته من عشرات الآلاف في بداية الخمسينيات إلى ما يزيد عن عشرين مليون شخصًا تقريبًا في عام 1965 حين كان عدد الإندونيسيين الذين لهم حق الاقتراع يتراوح ما بين 35 و 40 مليونًا تقريبًا.

خلفية المجزرة

ازدادت عضوية الحزب الشيوعي الإندونيسي والحزب الوطني الإندونيسي اليساري والدعم العام لهما بشكل كبير بين عامي 1960 و1965، ويرجع هذا لعاملين رئيسيين؛ أولهما أن الرئيس “سوكارنو” – أشهر زعماء اندونيسيا، وهو رئيس البلاد منذ عام 1945 ورمز محوري للحركة الجماهيرية ضد الاستعمار قبل الاستقلال – قد زاد من دعمه لفكرة “اشتراكية إندونيسيا”. كما كان يؤيد تحالفًا دوليًا لكافة القوى الناشئة الجديدة؛ يتألف من الكتلة الاشتراكية والدول التقدمية المستقلة حديثًا والحركات الجماهيرية الديمقراطية مثل حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وكان ينتقد رهاب الشيوعية باستمرار، وتسبب ذلك في شرعنة أيديولوجية التيار اليساري بشكل كبير.

وثانيهذه العوامل أن اليسار بقيادة الحزب الشيوعي الإندونيسي كان قد شنّ حملة ضد الفساد في الشركات المملوكة للدولة في ظل الإدارة العسكرية، وللمطالبة بتمثيل العمال في إدارة تلك الشركات وإعادة توزيع الأراضي الكبيرة على المزارعين الفلاحين المستغلين المُفقَرين المعدمين، وفي عام 1965 كانت إندونيسيا دولةً ذات اقتصاد زراعي تمامًا بلا قطاعٍ صناعي تقريبًا.

بينما كان “سوكارنو” داعما للحزب الشيوعي الإندونيسي بشكل متزايد، لم يستطِع إشراكه في الحكومة بشكلٍ جدي لأن الجيش كان معارضًا لوجوده في الوزارة، وكان الشيوعيون قد فازوا ببعض المناصب بالبلديات في المدن الرئيسية بعد الانتخابات المحلية عام 1957، وكان “سوكارنو” يسعى إلى وحدةٍ أكبر بين الحزب الوطني الإندونيسي والحزب الشيوعي الإندونيسي وجماعة “نهضة العلماء” الإسلامية وكان بانتظار أن يقوم اليسار بتجنيد عدد أكبر من المتطوعين للتدريب.

صعّد الحزب الشيوعي الإندونيسي في صُحفه حملةً لمطالبة “سوكارنو” بتعيين المزيد من أعضاء الحزب في الوزارة ومناصب أخرى، وكان الحزب الشيوعي الإندونيسي وكافة الأحزاب بحلول العام 1963 قد تخلوا عن فكرة إقامة انتخابات مرة أخرى وتنازلوا لـ”سوكارنو” عن الحق في حل مسألة أي الأحزاب ستتضمنها الحكومة.

وفي تلك الأثناء تم منع الأحزاب اليمينية الواضحة، وأسس التخلي عن الدفاع عن المكتسبات الديمقراطية للنضالات السابقة في تلك الظروف لمحاولات إيجاد حلول تآمرية للوضع.

المؤامرة

كانت الذريعة وراء تدشين حملة القتل الجماعي هي حركة فاشلة قامت بها حركة “الثلاثين من سبتمبر” بقيادة ضباط جيش ذوي رتبٍ متوسطة، ولكن نظمها “دي. إن. ايديت” رئيس الحزب الشيوعي الإندونيسي ومكتب خاص بالحزب يقدم التقارير لـ”ايديت” فقط، ولم يعلن “ايديت” قط عن عضويته في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الإندونيسي.

قام الضباط بحشد القوات المسلحة ذات التوجه اليساري في محاولةٍ لتنحية اللواءات اليمينيين من على قمة التسلسل الهرمي للجيش.

قام رئيس القيادة الاستراتيجية العسكرية، اللواء “سوهارتو”، بحشد جنوده لسحق تلك الخطة، وبعدما فشلت خطة الضباط قاموا بإعدام عدة لواءات، وحينما علم الرئيس “سوكارنو” بما يحدث طلب من الضباط التوقف، وتكشفت المؤامرة ولكن أصدر قادتها تصريحًا عديم الجدوى مطالبًا بعزل “سوكارنو” ووزارته.

سرعان ما ألقت قوات “سوهارتو” القبض على كل المشاركين في الخطة، وزعم “سوهارتو” أن الحزب الشيوعي الإندونيسي قد حاول الانقلاب على الحكومة، وشنّت جماعة “سوهارتو” على الفور حملةً دعائية وبدأت في عمليات القتل والإرهاب ضد الحزب الشيوعي الإندونيسي واليسار.

وعلى مدار السنوات الثلاث التالية كانت القيادة السياسية لجماعة “سوهارتو” مدعومة بحشود عسكرية في تنظيم عمليات القتل الجماعي، وكان يقوم بتنفيذ القتل إما الجيش أو فرق موت مؤلفة من عناصر مدنية عامة أو من أسر ملاك الأراضي الريفيين ومؤيديهم.

انتقد “سوكارنو” علنًا اضطهاد الحزب الشيوعي الإندونيسي واليسار وإرهابهم وقتلهم في كل فرصةٍ ممكنة، مدافعًا عن حقهم في الانخراط في السياسة، وعندما انتشرت عمليات القتل لتستهدف مجموعاتٍ عرقية انتقد هذا الأمر كذلك بقوة.

ولكن لم تعد خطاباته تُذاع على الراديو أو تُنشر في الإعلام، بل أنه كان في الواقع رهن الاعتقال، وتم إجباره تدريجيًا على التنازل عن السلطة الفعلية لصالح “سوهارتو” الذي حصل على تفويضٍ رسمي لاستعادة النظام والأمن، وتم منع كافة أنشطة الحزب الشيوعي الإندونيسي وكل مطبوعات وكتابات “سوكارنو” والحزب الشيوعي الإندونيسي واليسار، وفيما بعد تم اعتقال “سوكارنو” بشكل رسمي.

وسرعان ما تم اعتقال وقتل معظم قيادات الحزب الشيوعي الإندونيسي، والحزب الوطني الإندونيسي، وحزب إندونيسيا “بارتيندو”، وحركة الشيوعيين الشباب “آكوما”، والاتحادات العمالية، والتنظيمات الجماهيرية المتحالفة معهم، ونجا القليل من القيادات من القتل ولكنهم سُجنوا.

تم القبض على معظم القيادات بشكل مفاجئ تمامًا، ولم يكونوا على استعداد للهجوم الذي تعرضوا له، ولم يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم أو حتى تنظيم أنفسهم للاتجاه للعمل السري، واستطاعت قلة منهم القيام بأنشطة سرية فعالة ضد الحكومة حتى عام 1968.

احتفت حكومات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وأستراليا، وحكومات أخرى، بعمليات القتل. واعترف عملاء وكالة الاستخبارات المركزية السابقين فيما بعد بأن سفارة الولايات المتحدة قد منحت حكومة “سوهارتو” قوائم بأعضاء الحزب الشيوعي الإندونيسي.

أدلى “هارولد هولت” رئيس الوزراء الاسترالي في يوليو من عام 1966 في جريدة “نيويورك تايمز” بالتصريح التالي: “بعد القضاء على ما يتراوح بين خمسمائة ألف ومليون متعاطفًا مع الشيوعية، أعتقد أنه يمكننا افتراض أنه قد حدث بالفعل إعادة توجيه للبلاد”.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 1 أكتوبر 2013 بجريدة “الراية الحمراء”، تصدرها منظمة البديل الاشتراكي الأسترالية

التعليقات