بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خبرات ثورية

عشرون عاماً على ثورات أوروبا الشرقية:

من جحيم رأسمالية الدولة إلى جحيم الليبرالية الجديدة

9-11-1988

منذ عشرين عاماً، اكتسحت الحركات الجماهيرية أوروبا الشرقية بأسرها، ونجحت في إسقاط نظم الحكم الستالينية التي ادعت الاشتراكية، والتي بدت حصينة تماماً طوال أربعة عقود ونصف. مهدت ثورات أوروبا الشرقية 89-1990 بشكل مباشر إلى الإعلان رسمياً عن تفكك الاتحاد السوفيتي في نهاية 1991. عندها، هلل منظرو البرجوازية مدعين سقوط الاشتراكية، وانطلقت أبواق الرأسمالية لتبشر البشرية بالرخاء في جنة السوق الحر. بينما في الحقيقة لم تسقط سوى الأنظمة الشمولية الستالينية المستبدة، ولم يعش البشر في ظل السوق الحر إلا سلسلة من الأزمات التي يدفع ثمنها فقراء العالم.

أثارت الموجة الثورية في أوروبا الشرقية أيضاً ردود أفعال متباينة في صفوف اليسار العالمي بأطيافه المختلفة، فقد دفعت الأحداث بعض فصائل اليسار الستاليني التقليدي إلى التخلي عن مفهوم الثورة والتوجه نحو إصلاح وتذيّل النظام الرأسمالي العالمي، بينما أجرت فصائل أخرى مراجعات انهزامية فيما يخص التراث البلشفي الثوري وتراث الثورة الروسية برمتها. كما أن النضالات العمالية، التي لعبت دوراً مركزياً في إزاحة تلك الأنظمة، قد سددت ضربة قاضية إلى التحليل التروتسكي الأرثوذكسي الذي كان يرى روسيا وبلدان أوروبا الشرقية دولاً عمالية بيروقراطية. في حين أثبتت الأحداث صحة وواقعية التحليل الذي رأى أن تلك الأنظمة قد مثلت ديكتاتوريات لرأسمالية الدولة المبنية على التراكم التنافسي والاستغلال الرأسمالي.

ومنذ سقوط أنظمة الكتلة الشرقية، جرت العادة أن تحتفل الجماهير سنوياً في مسيرات كبرى بذكرى إسقاطهم تلك الأنظمة الشمولية التي حكمتهم على مدى عقود بالحديد والنار. لكن الآن وبعد مرور عشرين عاما، تطغي الأزمة الاقتصادية التي تضرب أوروبا الشرقية بعنف، على صخب الاحتفال.

الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المأزومة التي تعيش في ظلها جماهير أوروبا الشرقية حالياً تثير العديد من التساؤلاتحول الثورات التي قامت نفس الجماهير بها منذ عشرين عاماً، وحول التحولات التي اندفعت تلك الثورات تجاهها، والثمار التي حصدتها. مما قد يجبرنا للعودة إلى ما قبل ذلك بكثير، منذ إرساء هيمنة السوفييت على أوروبا الشرقية مروراً بتاريخ التمردات الشعبية ضد الاتحاد السوفيتي، تلك التمردات التي قد انهزمت وانكسرت كثيراً لكنها مهدت في نهاية الأمر إلى زلزلة السلطة الشمولية وإسقاطها.

سلطة الدبابة “الحمراء”

انضمت دول أوروبا الشرقية إلى الحظيرة السوفيتية نتيجة لغزو القوات السوفيتية لهذه البلاد خلال المراحل الأخيرة من قتالها ضد جيوش هتلر المنسحبة في الحرب العالمية الثانية. وكان نصيب الاتحاد السوفيتي من غنيمة هذه الحرب هو أن يقيم حزاماً من الدول ذات الأنظمة المؤيدة له والمندمجة فيه عن طريق “تعيين” الأحزاب الشيوعية في الحكم. وقد كان وجود القوات أو “الحاميات” السوفيتية في هذه البلاد هو السند الأساسي لهذه الأنظمة وهو الذي يقيها سخط الجماهير في أوقات الشدة.

وفي الحقيقة لقد وجد ستالين في المشاركة بالحرب العالمية الثانية فرصة هائلة لتوسيع رقعة السيطرة السوفيتية، وبالتالي تدعيم رأسمالية الدولة الروسية اقتصادياً وسياسياً. وبالتأكيد كان ذلك مختلفاً بشكل جذري مع تلك المبادئ التي قد أرستها الثورة البلشفية في أكتوبر 1917. ولكي ندرك مدى التناقض، يكفي فقط أن نتذكر أن الثورة الروسية قد قضت على الامبريالية القيصرية الروسية وساهمت في إنهاء الحرب العالمية الأولى (صلح بريست- ليتوفسك، نوفمبر 1918)، كما أطلقت حق تقرير المصير لتلك الأمم التي قبعت تحت السيطرة القيصرية على مدى عقود وقرون.

صعدت الستاينية في روسيا على أنقاض تلك المبادئ وعلى الثورة الاشتراكية وعلى الطبقة العاملة الروسية التي حملت ثورتها شعارات “الخبز والسلام” لجماهير العالم (). فبعد هزيمة الموجة الثورية التي اجتاحت أوروبا في أعقاب الثورة البلشفية (1918-1923)، وبعد التجربة المريرة التي خاضتها الطبقة العاملة الروسية في مواجهة الحصار العسكري والحرب والجوع والخراب والدمار الاقتصادي، قاد ستالين الميل الانهزامي نحو إمكانية بناء الاشتراكية في روسيا وحدها بمعزل عن ثورة الطبقة العاملة في أوروبا.

وعملياً كان ذلك يعني الدخول في تنافس محموم مع الغرب الرأسمالي الأكثر تطوراً، لذلك كان على البيروقراطية الستالينية، التي حكمت روسيا بعد انحسار الثورة في أوروبا، أن تتقدم بقفزات لملاحقة الدول المتقدمة في أوروبا. وكان ذلك يعني، من جهة، امتصاص جهد الجماهير الروسية وتكثيف استغلالها للحصول على أعلى تراكم رأسمالي ممكن من أجل المنافسة، أي إعادة إنتاج الاستغلال لكن هذه المرة بيد جهاز الدولة الستالينية، فيما يُطلق عليه نظام رأسمالية الدولة. ومن جهة أخرى، محاولة توسيع السيطرة الاقتصادية والسياسية لرأسمالية الدولة بقدر الإمكان، ولو حتى باقتسام الغنائم بعد مشاركة في حرب لصوصية بين امبرياليي العالم مثلما حدث في الحرب العالمية الثانية.

هكذا لم يكن ستالين لا امتداداً للينين ولا امتداداً للثورة الروسية، بل لقد حفر نهراً من الدم بين الستالينية والبلشفية، واستحضر التراث الامبريالي للقيصرية الروسية إلى الوجود بعد أن قضت عليه الطبقة العاملة في مرحلتها الثورية (17- 1926).

في سبتمبر 1939 سيطرت القوات السوفيتية على بولندا وطردت منها الغازي النازي. وفي نوفمبر، ألحق الاتحاد السوفيتي أوكرانيا الغربية وبيلاروسيا الغربية إليه. أما في يونيو 1940 تم السيطرة على بيسارابيا وشمال بوكوفينا في رومانيا. وفي أغسطس من نفس العام، ألحق ستالين بموجب اتفاقية عقدها مع هتلر، دول البلطيق الثلاث (لاتفيا، أستونيا وليتوانيا) إلى الحظيرة السوفيتية.

علاوة على ذلك، استطاع ستالين أن يظفر بنصيب لا بأس به من الغنائم بعد الحرب. فبعد هزيمة هتلر، تم تقسيم ألمانيا بحسب اتفاقية يالطا في فبراير 1945، وسيطر السوفييت بموجب الاتفاقية على القسم الشرقي –ألمانيا الشرقية. وبحسب الاتفاقية أيضاً، استطاع ستالين أن يكون مطلق السراح في الدخول بجيوشه لأوروبا الشرقية وأن يضع الأحزاب الشيوعية على سدة الحكم، على رأس جبهة مع أحزاب أخرى ضعيفة سرعان ما كان يتم التخلص منها.

في أوروبا الشرقية، اتجهت الأحزاب الشيوعية الحاكمة والتابعة لموسكو نفس الاتجاه في بناء أجهزة رأسمالية الدولة والتوجه نحو التصنيع الثقيل على حساب الاحتياجات الأساسية للجماهير. كما استخدمت رأسمالية الدولة الروسية نفس الطرق التي استخدمتها الدول الإمبريالية التقليدية في استغلال المستعمرات، حيث شراء منتجات المستعمرات بأسعار منخفضة، وبيع منتجات الاتحاد السوفيتي للمستعمرات بأسعار مرتفعة، وإقامة مشروعات مملوكة لرأسمالية الدولة الروسية، وبالطبع في استخدام تلك البلاد كمناطق نفوذ جيوسياسي.

على سبيل المثال، نص الاتفاق الروسي- البولندي في أغسطس 1945 على أنه بدءاً من عام 1946 فصاعداً يتعين على بولندا أن تقدم لروسيا ملايين الأطنان من الفحم سنوياً بسعر ثابت هو 2 دولار للطن بينما كان سعره في السوق العالمي 12- 15 دولار للطن. كانت روسيا الستالينية تراكم فوائض رأسمالية عملاقة من ذلك النهب.

مثال آخر في منطقة الاحتلال الروسي لألمانيا، حيث اتخذت الدولة الروسية حوالي ثلث إجمالي الصناعة كممتلكات لها فيما يُسمى “شركات المساهمة السوفيتية” (الساجات  SAGs) التي كانت تمتلك كل المشروعات الكبيرة تقريبا؛ فمثلاً في عام 1950 كان يعمل في كل ساج حوالي 2400 عامل في مقابل 140 عامل تقريباً في المشروعات المملوكة لجمهورية ألمانيا الديقراطية (الليبات LEBs).

وفي رومانيا والمجر وبلغاريا كانت توجد شركات مشتركة تمتلك روسيا 50% منها أو تسيطر عليها تماماً.

وفي ظل أشكال الاستغلال التي اتبعتها رأسمالية الدولة الستالينية في أوروبا الشرقية، وعلى العكس من هذه الحقائق تماماً، كانت الآلة الضخمة للدعايا الإعلامية السوفيتية تروّج للبيروقراطية الحاكمة في روسيا ولدورها “العظيم” في ضم تلك الدول إلى الحظيرة السوفيتية، فكان يتم وصف علاقات التبعية والاستغلال تلك بــ”الطريق الوحيد للتطور الاقتصادي والثقافي والاجتماعي وكذلك إنقاذ الوجود الوطني لشعوب القوقاز وما وراء القوقاز”. هذا ما كانت تخبرنا به الجريدة الرسمية الأولى للاتحاد السوفيتي: البرافدا. ولابد أن نلمس هنا، ليس فقط التناقض، بل أيضاً التحول المضاد، عندما نتذكر أن تلك الجريدة قد لعبت دوراً جوهرياً في التحريض البلشفي للانتفاضة المسلحة وانتصار الطبقة العاملة والثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917.

إلا أن سيطرة اليد الحديدية وهيمنة الدعاية الفاسدة للسوفييت لم تدم دون مقاومة من أجل التحرر… ومقاومة شرسة في بعض الأحيان.

الوقوف في وجه الدبابة

في الفترة بين 3- 1956 كانت هناك سلسلة من الاضطرابات العنيفة التي اجتاحت الكتلة الشرقية برمتها، عندما قاوم الشعب الإرهاب والمعسكرات العبودية والهبوط الشديد في مستويات الاستهلاك الشعبي الذي ميّز العهد الستاليني من التراكم البدائي لرأسمالية الدولة.

بدأت الموجة الأولى من تلك الاضطرابات في يونيو 1953 بعد موت ستالين في برلين الشرقية، وفي نفس العام أدت الاحتجاجات في بيلزن في تشيكوسلوفاكيا وكذلك في بوزنان في بولندا إلى صدامات مريرة مع الشرطة والجيش، تُذكرنا بأحداث انتفاضة وارسو في أغسطس/ سبتمبر 1940.

كان زعماء أوروبا الشرقية وخروتشوف في الاتحاد السوفيتي، في الخمسينات، قادرين على احتواء تلك التمردات بمزيج من القمع والإصلاح، حيث كان عهد التراكم البدائي لرأسمالية الدولة قد خلق احتياطيات اقتصادية كافية لتقديم تنازلات لجماهير السكان. إلا أن القمع الوحشي ظل هو الخيار السائد؛ فصحيح أن الديكتاتور ستالين الذي حكم الاتحاد السوفيتي بالحديد والنار قد مات، إلا أن الستالينية، بما تميزت به من دموية ووحشية، استمرت حية.

في 23 أكتوبر1956 اندلعت الثورة المجرية التي سرعان ما زحفت الدبابات السوفيتية لقمعها والقضاء عليها في 4 نوفمبر، ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي استُخدمت فيها الدبابات لإحكام السيطرة. ففي العام 1968 اقتحمت الدبابات السوفيتية مدينة براج التشيكية لإقالة حكومة “شيوعية” واستبدالها بأخرى، لأن الأولى كانت قد تنازلت كثيراً أمام الضغط الجماهيري. كان هناك القليل من المقاومة المسلحة ضد الدبابات والمجنزرات السوفيتية، وقد أشعل الطلاب النار في بعض الدبابات، بينما سقط في النهاية ما يقرب من 100 قتيل من المتظاهرين التشيكوسلوفاك. إلا أن ذلك لا يمكن مقارنته بالعشرين ألف قتيل الذين سقطوا في الهجوم السوفيتي على بودابست، عاصمة المجر، في 1956.

وبوجه الإجمال فقد شهد عام 1968 تصاعداً خطيراً للصراع الطبقي بأشكاله الاقتصادية والسياسية عالمياً. جاءت في هذا السياق أحداث براج واحتجاجات الطلاب والعمال في يوجوسلافيا، كما اشتعلت موجة من الاحتجاجات الطلابية في وارسو حيث كان الطلاب يمارسون أعمال عنف واسعة ضد الحكومة البولندية، وسرعان ما انتقلت “العدوى” إلى عمال الصناعة الذين نظموا إضرابات عامة في 1970 وكذلك في 1976. مهدت تلك السلسة من النضالات العمالية في بولندا إلى أن ينظم اتحاد نقابات “تضامن” إضراباً عاماً في 14 أغسطس 1980. وبشكل عام كان هناك نهوض ضخم للمواجهة الاجتماعية في 80-1981 شلّ نشاط الدولة على مدار سنة وربع. لكن الانقلاب العسكري وإعلان الأحكام العرفية في 13 ديسمبر 1981 قد قصم ظهر نقابة تضامن المستقلة، إلا أن الحراك الجماهيري لم يمت بل مكث ليلتقط أنفاسه استعداداً لمواجهات 1988 الحاسمة، التي سنعود إليها لاحقاً.

ما كان يحدث في دول الكتلة الشرقية لم يكن معزولاً، بل كان متزامناً مع ما كان يحدث داخل الاتحاد السوفيتي ذاته. في العام 1989 كانت هناك موجة من الإضرابات التي اجتاحت مناجم الفحم، من فوركوتا والكوزباس في سيبريا إلى الدونباس في أوكرانيا على بعد آلاف الأميال، حيث تحرك العمال عفوياً ولأول مرة منذ أواخر العشرينات من القرن الماضي. هزت تلك الاضرابات روسيا كلها، ولم يتم وضع حد لها إلا عندما التقى ريجكوف، رئيس الوزراء، بلجان الإضراب في موسكو ووافق على مطالبهم الاقتصادية المباشرة. وكنتيجة للإضراب مرّر جورباتشوف قانوناً ضد الإضراب من خلال مجلس السوفييت الأعلى، مؤكداً: “بدأنا فعلاً نفقد السيطرة على الاقتصاد… وإذا انفجر الوضع خارجاً عن السيطرة في مكان ما، فلابد من أن نمسكه بيدنا بحزم لنؤمّن الأداء الطبيعي للاقتصاد القومي”.

لقد كانت تخوفات جورباتشوف في محلها تماماً؛ فالوضع كان مهيئاً بالفعل للخروج عن السيطرة، سواء في أوروبا الشرقية أو في وسط آسيا، حيث كانت الخدمات الاجتماعية متدهورة للغاية خاصة في الإسكان والتعليم. أما عن البطالة، فقد كشفت جريدة البرافدا السوفيتية عام 1986 أن نسبة العاطلين بلغت 27.6% في أذربيجان و18% في أرمينيا وبوجه الإجمال كان هناك ستة ملايين من الشباب بدون أعمال في جمهوريات آسيا الوسطى وكازاخستان.

في الجمهوريات التي قبعت تحت السيطرة السوفيتية، ازدادت الحركات القومية اتساعاً وجذرية عندما فقد الناس أي أوهام بأنه يمكن تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. وكلما بدت مشكلات الاتحاد السوفيتي ككل صعبة العلاج، بدا الانفصال عنه أشبه بطوق النجاة للإفلات من سفينة غارقة.

في ديسمبر 1986 انطلق الكازاخ في ألماآتا، عاصمة كازاخستان، في سلسلة من التمردات وأعمال الشغب متذمرين من تعيين سكرتير عام للحزب الشيوعي السوفيتي في كازاخستان من غير قوميتهم. وبالطبع لم تكن إقالة سكرتير عام كازاخي وتعيين روسي إلا شرارة لتفجير شعور قومي جامح، حيث كانت مشاعر المواطنين في الجمهورية الكازاخية مشبعة بمفاهيم التأكيد على الذات والحفاظ على الوطن القومي، وهو ما انعكس في عبارات أطلقها المتظاهرون مثل “كازاخستان للكازاخ”، كما أن المتظاهرين كانوا يعبرون بشكل صريح عن استيائهم لاستغلال جمهوريتهم في تزويد بقية الدولة السوفيتية باحتياجاتها السلعية دون اعتبار للاحتياجات الفعلية للكازاخ أنفسهم.

وفي يوليو 1987 بدأت جماعات من التتار السوفييت في التظاهر في موسكو مطالبين بالعودة إلى موطنهم الأصلي والإعلان الفوري عن تشكيل جمهورية القرم ذات الحكم الذاتي. حيث كان التتار يقيمون لفترات زمنية طويلة في شبه جزيرة القرم وحتى 1944، عندما أمر ستالين بترحيلهم وتفريقهم إلى آسيا الوسطى وسيبريا، وكان دافع ستالين إلى ذلك هو تواطؤ عدد من التتار مع القوات الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية. وبالتأكيد فقد أسهم ذلك في تعميق الكراهية بين التتار والروس.

أما أرمينيا، فتعود الإضطرابات التي شهدتها إلى أكتوبر 1987، حيث كان المتظاهرون يطالبون بإعادة منطقتي تاخشيفان وناجورنوكا راباخ إلى جمهورية أرمينيا بعد أن تم ضمهما إدارياً إلى جمهورية أذربيجان السوفيتية في العشرينات. وفي هذا السياق اندلعت مصادمات عنيفة بين الأرمن والأذربيجان من جهة وبينهما وقوات الأمن من جهة أخرى.

كما ظهرت، في صيف 1988، وبشكل مفاجئ، حركات قومية في جمهوريات البلطيق الثلاث: لاتفيا، ليتوانيا، وأستونيا. وسرعان ما توطدت حركات قومية في جورجيا ومولدافيا، وكذلك في أرمينيا وأذربيجان في منتصف 1989. كما أن التحريض القومي كان يلقى صدىً قوياً في بيلاروسيا وأوكرانيا الغربية، حتى وإن كان تأثيره لم يكتسح كل شيء أمامه. في نفس الوقت كانت أعداد لا حصر لها من الحركات القومية الأخرى تنشأ في صفوف الأزبك والطاجيك والكازاخيين والأتراك المسكيتيّين والأبخازيين، وكثير من التجمعات الأخرى.

دائماً ما كان يتشكك الشيوعيون الستالينيون، عبر العالم، في وجود أصابع أجنبية تحرك هذه الحركات الانفصالية، تماماً كما كانوا يصفون من قبل أحداث المجر 1956 –تلك الثورة الشعبية الحقيقية- بأنها نتاج مؤامرة استخباراتية من الـ C.I.A. لكن في الحقيقة، كان السخط القومي أحد انعكاسات تنامي الأزمة الاقتصادية. ولم يلحظ جورباتشوف، ولا أولئك اليساريون الذين هللوا له، بذور السخط القومي التي كانت ماثلة وملموسة منذ عهد بعيد لأولئك المستعدين أيديولوجياً للبحث عنها.

كما أن جذور هذه الحركات تعود إلى سياسة القمع التي استخدمتها البيروقراطية الروسية ضد الأقليات القومية. إلا أن هذا لم يكن يعني أن سخط هذه الحركات موجّه ضد البيروقراطية فقط، بل تم توجيهه أيضاً تجاه أقليات قومية أخرى، حيث أن ستالين استخدم منذ بداية الثلاثينات سياسة “فرق تسد” إزاء الأقليات –وهو ما يبرز أكثر في الحالة التترية- حيث سمح للأقلية المسيطرة في كل جمهورية بقمع الأقليات الأخرى. ومن هنا أخذت صحوة الأقليات، جزئياً، شكل العداء لبعضها البعض.

ولقد حملت الصحوة القومية في تلك الفترة نوعين من الدينامية. الأولى كانت في اتجاه الانفصال، أي إمكانية صراع تقدمي ضد رأسمالية الدولة والبيروقراطية المركزية في موسكو. والثانية كانت في اتجاه نزاعات طائفية ذات طابع رجعي، أي تصارع الحركات القومية المختلفة فيما بينها. وعلى كل حال، ليس هناك من شك أن هذه الحركات القومية كانت قد أضافت المزيد من الارتباك على سياسة الاتحاد السوفيتي وقت جورباتشوف.

العاصفة تهب

بالرغم من قدرة الاتحاد السوفيتي على مناطحة الغرب الرأسمالي طوال عقود، إلا أن الأزمات الاقتصادية الطاحنة قد لازمته وأرهقته بشدة، وفشلت معها كل وسائل الترقيع. حيث انهارت معدلات النمو الاقتصادي من 5,7% في النصف الأول من السبعينات إلى 4,3% في النصف الثاني من السبعينات ثم إلى 3,6% في بداية الثمانينات، وقد انعكس ذلك بقسوة على دول أوروبا الشرقية؛ حيث انفجرت أزمة اقتصادية طاحنة في أوروبا الشرقية، خاصة منذ 1987، بفعل التراكمات السابقة. وكما كان من المعتاد أن يُقال في منتصف الخمسينات “عندما تصاب روسيا بالأنفلونزا، تُصاب أوروبا الشرقية بمرض الصدر”.

علاوة على الأزمة الاقتصادية، كانت اللامبالاة والفساد منتشرين بعمق داخل البيروقراطية الحاكمة، بما في ذلك مجموعة بريجينيف، ومن بعده أندروبوف ثم جورباتشوف. أما الجيش فكان قد غاص عميقاً في مستنقع حرب في أفغانستان لم يكن باستطاعته أن يكسبها.

وفي سياق سباق التسلح بين المعسكرين الشرقي والغربي، كان الاتحاد السوفيتي يبذر قسم كبير من الناتج القومي في إنتاج السلاح. هكذا أعلن رئيس المعهد الاستراتيجي لشئون أمريكا وكندا وعضو مجلس السوفييت الأعلى، بشكل صريح: “أنتجنا بين 1975 و1985 من الأسلحة ما يفوق كل ما تملكه الدول الغربية مجتمعة”. لم يكن اقتصاد الحرب في روسيا يلتهم نسباً هائلة من الناتج القومي فحسب بل أفضل العقول الإلكترونية والعقول البشرية من عمال مهرة ومهندسين، إلخ. ولم يكن ذلك حديثاً أو طارئاً، فمنذ الخطة الخمسية الثانية، في عهد ستالين، وتحت بند الصناعة الثقيلة، كانت روسيا قد “عسكرت اقتصادها”.

لقد انعكست كل من الأزمة الاقتصادية والفساد والديكتاتورية، على غالبية السكان في الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، في صورة حالة من الاغتراب واليأس واللامبالاة. يتبين عمق هذه الحالة، كما لاحظ كريس هارمان()، من الانتشار الواسع لموسيقى الروك العدمية بين الشباب، والاستهلاك المتزايد للخمور، إلى الحد الذي دفع جورباتشوف، بعد فترة قصيرة جداً من توليه السلطة في مارس 1985، للإعلان عن حملة للحد من تناول الكحوليات.

الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المأزومة في الاتحاد السوفيتي، دفعت جورباتشوف إلى ضرورة إجراء مراجعات خطيرة في التوجهات الاقتصادية والسياسية للاتحاد السوفيتي. بدأ جورباتشوف بالنقد الرسمي العنيف لحقبة بريجينيف ومن سبقوه، ومن ثم عكف على تطبيق إصلاحات هيكلية في البنية الاقتصادية والسياسية للإمبراطورية التي ورثها. وفي مايو 1985، دعا جورباتشوف لإصلاح الاقتصاد للحيلولة دون التراجع المفجع لمعدلات التراكم؛ حيث أعلن عن سياسة البيروسترويكا (إعادة البناء والهيكلة) والجلاسنوست (الانفتاح).

من خلال البيروسترويكا، حاول جورباتشوف تحقيق تزاوج بين الاقتصاد المملوك والمخطط من قبل الدولة وبين “المزايا” التي يحققها اقتصاد السوق. ومن خلال الجلاسنوست، حاول مقرطة الحزب وإتاحة هوامش للحرية السياسية في المجتمع السوفيتي.

على مستوى الإصلاحات الاقتصادية، تمكن جورباتشوف في سبتمبر 1990 من تمرير قانون يقر بتحويل الاقتصاد السوفيتي إلى نظام السوق والتحرك نحو الانضمام إلى مؤسسات النقد والتمويل الدولية. ومن أجل وضع البيروسترويكا محل التنفيذ، كان يجب إتباع حزمة من التدابير: أولاً، تجديد وإحلال التجهيزات والآلات القديمة، وكان ذلك يستتبع إغلاق مصانع وطرد عمال من جهة والعمل بنظام الثلاث ورديات من جهة أخرى. وهذا ما تم بالفعل حيث تم فصل أكثر من ثلاثة ملايين عامل في الفترة من 6 إلى 1989. ثانياً، استبدال البيروقراطيين والمديريين غير الأكفاء أو الفاسدين. ثالثاً، إحلال الجهود القائمة على قوى السوق محل الجهود البيروقراطية، أي استبدال أسلوب الأوامر البيروقراطي للتنسيق “الرأسي” بأسلوب الصلات “الأفقية” حيث تتواصل المشروعات بحرية وتتوصل إلى تعاقدات فيما بينها.

ومن ناحية أخرى، عمد جورباتشوف إلى تقليص القدرات العسكرية وتحويل المصانع العسكرية للإنتاج المدني، ففي أعقاب تقليص ميزانية الدفاع بنسبة 6% عام 1991 (121 مليار دولار مقابل 129 مليار عام 1990) عاد جورباتشوف ليعلن تحويل 600 مصنع حربي للإنتاج المدني الاستهلاكي. لقد كانت تلك التوجهات مناسبة كثيراً بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا. كانت مارجريت ثاتشر محقة إذن حين وصفت جورباتشوف بأنه “الرجل الذي يمكن أن نعمل معه”.

ومثل أي نظام شمولي يحاول استيعاب الأزمات التي خلقها، وأن يغير من تكتيكات عمله في محاولة لإنقاذ نفسه، لا تكون الإصلاحات الاقتصادية ممكنة دون إصلاحات سياسية موازية لها، حتى وإن كانت زائفة ووهمية. هكذا كان لابد أن تتوازى البيروسترويكا مع الجلاسنوست في منظومة إصلاح واحدة. كانت الجلاسنوست تعني إتاحة هامش من الديمقراطية السياسية ومساحة لحرية التعبير والصحافة والتنظيم، ومعنى ذلك أن الدبابات السوفيتية لن تكرر ما فعلته في المجر 1956 وفي تشيكوسلوفاكيا 1968.

وبشكل عام، كانت رأسمالية الدولة بقيادة جورباتشوف، من خلال البيروسترويكا والجلاسنوست، تحاول الاستجابة للأزمات الاقتصادية والسياسية من خلال الإصلاح من أعلى لتفادي حركات جماهيرية ولنزع فتيل ثورات من أسفل، لكن هذه السياسات بدت كالقشة التي قسمت ظهر السوفييت. فبدلاً من “إصلاح” الاقتصاد، تفاقمت الأزمة الاقتصادية في ظل تطبيق البيروسترويكا، حتى وصل العجز الاقتصادي عام 1991 إلى 15 مليار دولار. أما المحاولات الحذرة من النظام الاستبدادي للإصلاح السياسي من أعلى، بدلاً من أن تستوعب غضب الجماهير، خلقت مساحة لمعارضة ضخمة من أسفل، ووجدت العديد من الحركات الجماهيرية الفرصة سانحة للظهور والانتعاش، لتصبح منتشرة كالنار ومدمرة كالزلزال.

الزلزال

في ديسمبر 1989 كتب الاشتراكي الثوري البريطاني توني كليف(3): “إننا نشهد أكبر وأقوى زلزال للنظام الاجتماعي والسياسي في أوروبا الشرقية. زلزال يشبه في قوته ما حدث عام 1848 و1917”. وفي الحقيقة لم يكن الزلزال مذهلاً في قوته فقط، بل أيضاً في اتساعه وسرعة انتشاره ليشمل في غضون أقل من عامين دول الكتلة الشرقية بأسرها، ويُسقط عملياً أنظمة شمولية شديدة القمع بدت حصينة تماماً طيلة أربعة عقود ونصف بحيث كان من الصعب مجرد تخيل انهيارها بهذا التسارع، وكأنها انفرطت كحبات العقد.

بدأ الزلزال في ربيع وصيف العام 1988، حين وقعت في بولندا موجتان من الاضرابات الواسعة التي أدهشت النظام وأغلب قيادات تضامن القديمة على السواء، فلم يكن ذلك متوقعاً خاصةً بعد هزيمة 1981. وفي المجر انطلقت المظاهرات المعارضة بمئات الآلاف وتكونت أعداد كبيرة من الأحزاب، وهُزم مرشحو الحزب الحاكم في سلسلة من الانتخابات الفرعية.

كانت التغييرات التي حدثت في بولندا والمجر بمثابة الشرارة التي أشعلت النار في الهشيم؛ حيث انتقلت العدوى إلى ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا.

استطاعت المعارضة الضعيفة والصغيرة في ألمانيا الشرقية أن تقوم بمظاهرتها الأولى التي قُدرت بعدة آلاف في درسدن في أوائل أكتوبر 1988، ثم جذب عنف هجمات الشرطة على هذا الاحتجاج آلافاً أخرى إلى الشوارع في اثنتى عشر مدينة في الأيام التالية. وبينما كان النظام الحاكم متردداً في إطلاق العنان لقمع أكثر وحشية، أصبحت قيادة الحزب الحاكم مُحاصرة ومعزولة ويائسة، وتم اسقاط ايريك هونيكر في منتصف أكتوبر من منصبه بعد أن كان سكرتيراً عاما للحزب الشيوعي لحوالي 17 عاماً، مما أعطى الجماهير الشعور بالانتصار.

نقطة التحول الحقيقية أتت بعد ذلك بثلاثة أسابيع عندما أعلن النظام الحاكم رفع كل القيود على الانتقال إلى ألمانيا الغربية. حينها، تدفقت حشود غزيرة من الجماهير يوم 9 نوفمبر 1988 لتمزيق سور برلين (الذي كان قد أُقيم عام 1961 لإيقاف تدفق العمالة الماهرة إلى أوروبا الغربية) والانتقال إلى برلين الغربية، في ليلة مسرحية رمزية للثورة.

وفي تشيكوسلوفاكيا تظاهر الطلاب في 17 نوفمبر 1988 بمناسبة الذكرى الخمسين للاحتجاجات الطلابية على استيلاء النازي على البلاد. وكانت المظاهرة أضخم مما توقعت الحكومة والمعارضة على السواء، مما دعا الحكومة إلى إرسال قوة ضخمة من مكافحة الإرهاب لتهاجم وتسحق المتظاهرين. وفي عطلة نهاية الأسبوع أعلن الطلاب الإضراب في كل أنحاء البلاد، كما انضم الآلاف من الناس إلى المظاهرات.

كانت السمة الرئيسية للأحداث في براج هي احتلال الكليات والمسارح والتحريض المتواصل في الشوارع، إلى الدرجة التي دفعت الاشتراكي الثوري كريس هارمان() إلى تشبيه ما كان يحدث في هذه المدينة بما حدث في باريس في مايو 1968. نشأت لجان إضراب في أماكن العمل ووسائل الإعلام وكذلك في المحليات، وتشكلت بشكل عفوي فرق تجوب البلاد لتشرح للناس في كل موقع عمل وكل مدينة وقرية ما يجري في العاصمة براج. وعندما سُئل المعارض الماركسي الثوري التشيكي فلاديمير ريها، عمّن نظّم الحركة، لم يكن بوسعه إلا أن يجيب: “لا أحد. كل شخص فعل ما أراد أن يفعل. لكنها لم تكن فوضى. كانت ثورة”.

فجأة تحولت المعارضة المدنية إلى حركة جماهيرية، أظهرت قوتها في 27 نوفمبر عن طريق تنظيم إضراب ناجح للغاية لمدة ساعتين في كل أنحاء البلاد. تبدلت الأوضاع وتم إطلاق السجناء السياسيين. وفي بداية عام  1989، كان المُعارض الشهير فاكلاف هافيل سجيناً سياسياً، لكن مع نهاية السنة أصبح رئيساً للبلاد.

أما رومانيا فقد كان مشهد الثورة فيها كلاسيكي للغاية. حيث كانت البلد الوحيد الذي استخدم فيه العنف المسلح على نطاق واسع من قبل الديكتاتور الروماني السابق شاوشيسكو لقمع العمال المضربين والمتظاهرين في الشوارع. لكنه فشل في قمع الحركة والقضاء عليها، واستطاعت الجماهير الثائرة السيطرة على مقار الشرطة وأسلحتها وانتهى الأمر إلى إعدام شاوشيسكو وزوجته يوم رأس السنة عام 1989، وتم بث ذلك للعالم كله على شاشات التليفزيون.

كان شاوشيسكو أكثر ديكتاتوريي أوروبا الشرقية وحشية، فقد كان يستخدم القمع لسحق أي عنصر مقاومة. هكذا أرسل، على سبيل المثال، الشرطة لإطلاق النار على العمال المضربين في مصنع جرارات النجم الأحمر في براسوف في ديسمبر 1987، وكرر هذا التاكتيك لمواجهة احتجاجات أهالي مدينة تيميشوارا في منتصف ديسمبر 1989. لكن القمع هذه المرة لم يسحق الحركة، فتهديد عمال المدينة بتفجير مصنع للكيماويات قد أجبر الجيش على الانسحاب. وعندما بدأت الشائعات عن الاضطرابات تنتشر في أنحاء العاصمة بوخارست، تدخل شاوشيسكو بطريقة مختلفة. أمر الديكتاتور زبانيته في 21 ديسمبر بأن يجمعوا وفوداً من مواقع العمل بالمدينة لحضور اجتماعاً حاشداً تأييداً له، لكن في غضون دقائق من بدء الاجتماع الجماهيري انقلبت الهتافات المؤيدة للديكتاتور إلى هتافات وأصوات ساخرة ضده وأناشيد عن “تيميشوارا”.

انطلقت المظاهرات طيلة الليلة وانضم مئات الآلاف إليها، وفي الليلة التالية حاصرت الحشود مبنى اللجنة المركزية للحزب الحاكم واتخذت القوات المسلحة موقفاً محايداً بصورة متعمدة، وسرعان ما أعلنت تأييدها للثورة ليصبح الجنرالات والزملاء القدامى للديكتاتور العجوز، بالإضافة إلى حفنة ضئيلة من ممثلي الطلبة والمتظاهرين، يشكلون ما سُمي بمجلس الإنقاذ الوطني الذي أعدم الزوجين شاوشيسكو لمنعهما من أن يقوما بدور بؤرة للمعادين للثورة.

مهدت تلك الموجة الثورية إلى إسقاط حكم الأحزاب الستالينية التابعة للاتحاد السوفيتي وتفكيك الكتلة الشرقية والإعلان الرسمي عن انهيار الاتحاد في نهاية 1991. وقد لعبت النضالات العمالية دوراً مركزياً في إزاحة تلك النظم، مما أثبت خطأ تصوُّر الكثير من اليساريين الذين اعتبروا تلك الأنظمة “دول عمالية”؛ فإذا كانت حقاً دولاً عمالية فلماذا يُسقطها العمال أنفسهم!!. بينما في الحقيقة مثّلت تلك الأنظمة ديكتاتوريات لرأسمالية الدولة المبنية على التراكم التنافسي والاستغلال تماماً مثل نظرائهم في الغرب.

مكاسب هائلة تم انتزاعها في تنظيم النقابات المستقلة والانتخابات النزيهة والاجتماعات الشعبية التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية. ولكن المكسب الأكبر أن الستالينية – الجريمة الأبشع في حق الاشتراكية- قد ذهبت إلى مزبلة التاريخ. التساؤل الأهم هنا هو ماذا حصدت الجماهير من كل ذلك؟!

الحصاد

في بولندا، أجبرت أحداث 1988 قادة الحزب الحاكم على إجراء مناقشات المائدة المستديرة مع المعارضة والمستقلين مقابل أن تطلب القيادة القومية لـ”تضامن” من العمال ألا يُضربوا عن العمل. تمخّض عن المائدة المستديرة اتفاق على انتخابات شبه حرة، وتمخض عن الأخيرة قبول الحزب الحاكم أن يصبح أحد مستشاري تضامن رئيساً للوزراء، في حكومة ملتزمة بإعادة البناء بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي والخصخصة واسعة النطاق. وفي هذا السياق تعاقدت بولندا مع كريج روبرتس، مستشار ريجان الاقتصادي، لإجراء التحول الاقتصادي و”إخراج” البلاد من الأزمة. فيما ظل نفس الأشخاص، كما كانوا من قبل، مسئولين عن المشروعات والشرطة والقوات المسلحة، وأخذ المديرون الذين كانوا قد صعدوا كجزء من البيروقراطية العليا القديمة يستخدمون نفوذهم وثرواتهم لشراء أقسام من الصناعة بالجملة. أما القضاة فقد طُلب منهم ببساطة أن يكونوا محايدين سياسياً.

وفي المجر فُتحت الأبواب على مصراعيها للشركات المتعددة الجنسية وتم التعاقد مع السير ألان والترز، مستشار تاتشر الاقتصادي، ومع الفرنسي موريس آليس، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، لإدارة التحول النيوليبرالي.

وفي تشيكوسلوفاكيا، بقيت في النهاية الامتيازات الإدارية والاجتماعية دون مساس، وكذلك الشرطة السرية والمخابرات ومؤسسات الدولة الأخرى. بينما اقتصرت الإصلاحات على تغييرات سياسية ضيقة وطفيفة.

وفي ألمانيا الشرقية، كان الوضع مماثل تقريباً حتى بعد سقوط سور برلين. وكما عبّر اشتراكي ثوري ألماني شرقي بعد أن خمدت نيران الانتفاضة: “إلى الآن لم يتم توجيه حركة الشعب إلا ضد بعض مراكز السلطة السياسية. ومن خلال ضغط الجماهير مضى جيل بعيداً وأتى الجيل الآخر إلى السلطة ليعزز مصالح أولئك الذين يديرون الاقتصاد”.

وكان الحال هو نفسه في رومانيا، حيث كانت التغييرات لم تزل سياسية أكثر بكثير من أن تكون اجتماعية، حتى بالرغم من أن رومانيا كانت البلد الوحيد الذي اقترنت فيه التغييرات السياسية بصراع مسلّح وقعت من خلاله ثورة عنيفة.

بقيت السيطرة على المشروعات في ذات الأيدي، وكانت القرارات التي تؤثر في الاقتصاد ككل يتخذها أشخاص كانوا قياديين في الحزب الحاكم القديم قبل الشجار مع شاوشيسكو. وحتى قبل ذلك بكثير، فقد بدأ الانقلاب على الانتفاضة في وقت مبكر جداً؛ حيث كان مجلس الإنقاذ الوطني يعمل بالفعل على إحباط النشاط الشعبي العفوي الذي حطم سلطة شاوشيسكو.

في يوم إعدام شاوشيسكو، أعلن مرسوم أصدره جنرالات مجلس الإنقاذ أن “الجيش وحده من حقه أن يحوز أسلحة، كل أولئك الذين حازوا أسلحة وذخيرة يجب أن يسلموها في تمام الساعة 12، ومن يتخلف عن احترام هذه التدابير سيُعاقب بمنتهى الصرامة”. بعد ذلك بإسبوعين، كان مجلس الإنقاذ الوطني يحظر على الطلبة عقد لقاءات جماهيرية في وسط بوخارست وكانت أحزاب المعارضة تشكو من أن استخدامها لوسائل الإعلام لايزال مقيّداً.

بالرغم من قدرة تلك الثورات على الإطاحة بديكتاتوريات قمعية وشرسة، إلا أن التغييرات التي أحدثتها اقتصرت على انتزاع بعض الحقوق الديمقراطية دون مساس بالأساس الطبقي للمجتمع أو بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد حياة الجماهير. استطاعت الجماهير الإطاحة بالدولة الرأسمالية التي تمتلك كل شيء، لكن السيطرة الاقتصادية تحولت من بين يدي تلك الدولة إلى أيدي رجال الأعمال الكبار الذين ترعرعوا في ظل البيروسترويكا وصعدوا بقوة بعد التحول إلى الليبرالية الجديدة والسوق الحر. وحتى تلك المكاسب السياسية والحقوق الديمقراطية التي انتزعتها الجماهير ظلت مهددة بعد أن تحول مركز القرار والسلطة السياسية إلى أصحاب الثورة والليبراليين الذين صعدوا على أكتاف الثورة.

عاصفة أعنف تهب مجدداً

لم يكن التحول في فترة التسعينات، مما سُمي “النظام الشيوعي”، في بلدان أوروبا الشرقية سهلاً، بل أنتج أزمات اقتصادية عنيفة. ولم يكن الشفاء من تلك الأزمات سهلاً هو الآخر؛ فبحلول عام 2000 وصلت معدلات الإنتاج في تلك البلدان بالكاد إلى تلك التي كانت عليها في عام 1989، بينما كان الحكّام الجدد يستمرون في خداع الجماهير، ويروّجون لما يمكن تحقيقه من مكاسب “طويلة الأمد” بعد الأزمات “قصيرة الأمد”، وكانت هذه هي الرسالة الموجهة من الغرب أيضاً.

استمرت تلك الدول طيلة سنوات الألفية الثالثة بين مؤشرات الصعود والهبوط الاقتصادي لكن ضمن حدود الأزمة أيضاً، حتى مع توالي الحكومات التي صعدت عبر “الانتخابات الديمقراطية” وحمل بعضها طابعاً اشتراكياً، ظلت تلك الحكومات عاجزة في مواجهة الأزمة، بل وطبقت سياسات الليبرالية الجديدة بكل ما تعنيه من تقشف وتقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية.

هذه ليست القصة كلها، فبحلول الأزمة الاقتصادية العالمية دخلت أوروبا الشرقية في كهف اقتصادي مظلم حقيقي. فمع توجّه دول أوروبا الشرقية إلى نموذج السوق الحُر، أخذت اقتصادات تلك الدول ترتبط شيئاً فشيئاً باقتصادات دول الاتحاد الأوروبي، حتى أن الكثير من دول أوروبا الشرقية اندفعت خلال السنوات القليلة الماضية للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي ونَيل بركاته. يمكن أن ندرك مدى التشابك الاقتصادي بين دول ما سُمي بالكتلة الشرقية وبين دول الاتحاد الأوروبي عندما نعلم أن حوالي 80% من البنوك في بلدان أوروبا الشرقية بنوك أجنبية (ألمانية ونمساوية وسويدية في الأغلب)، كما أن حوالي 80% من منتجات هذه البلدان يتم تصديرها لدول الاتحاد الأوروبي.

سرعان ما سقطت دول أوروبا الشرقية في الأزمة كما تسقط قطع الدومينو في تتابع مثير. في خريف 2008، وقعت العملات المحلية لتلك البلدان تحت الضغط الرهيب للأزمة وفقدت كثير من قيمتها، وانهار بعضها بالفعل بحلول منتصف 2009؛ حيث فقد الزلوتي البولندي  0.8% من قيمته مقابل اليورو، كما هبط الفورينت المجري بمقدار 0.7% والكرونة التشيكية 0.2%، إلى الحد الذي طلبت فيه المجر في مارس 2009 أن يقدم الاتحاد الأوروبي 190 مليار يورو (241 مليار دولار) لمساعدة دول أوروبا الشرقية التي تعاني مشكلات مالية، والحال نفسه نلاحظه في دول وسط أوروبا التي تتساقط في هوة الأزمة.

أما عن آثار الأزمة على السكان فحدث ولا حرج. تعاني بلدان أوروبا الشرقية من تضخم وصل عام 2009 في المتوسط إلى 13%، كما تعاني الجماهير من فقدان الوظائف نتيجة الإغلاق المستمر في المصانع، وتقليص أعداد ومرتبات موظفي الدولة، كما تواجه الصناعة الثقيلة أزمة الاستمرار. وفي الفترة من أكتوبر 2008 إلى يناير 2009 ألغي ما يقرب من 30 ألف وظيفة في المجر، وارتفعت نسبة البطالة لتصل إلى 8.4% ثم إلى 9.8% في النصف الثاني من 2009. وفي بولندا أعلن رئيس الوزراء، دونالد تاسك، في نوفمبر 2009 أن معدل النمو قد هبط من 4.8% عام 2008 إلى 3.7%. وجديرٌ بالذكر أن عجز ميزانية الدولة وصل العام الماضي إلى 18.2 مليار زلوتي. ولمواجهة الأزمة، تقرر تقليص الإنفاق الاجتماعي بمقدار 1.71 مليار زلوتي، وفي المقابل ضخ 60 مليار لإنقاذ البنوك الكبرى و20 مليار أخرى في الاستثمارات المشتركة مع الاتحاد الأوروبي.

إن ما يحدث عملياً هو تحميل الجماهير الفقراء ثمن أزمة مالية واقتصادية لم يتسببوا فيها، لكن ذلك لم يمر دون رفض ومواجهة من قبل الجماهير. فمنذ ربيع 2009 قامت العديد من الاحتجاجات الضخمة في الشوارع في ليتوانيا وبلغاريا ولاتفيا، ضد التصاعد المستمر في الضرائب والاقتطاع من الأجور، وضد الارتفاع المستمر في الأسعار.

تظل حتى الآن تلك المواجهات محدودة وغير مؤثرة، ربما يرجع ذلك إلى أن الأزمة لم تعلن عن كامل عنفوانها بعد، كما يشير بعض المحللون الاقتصاديون، لكنه يرجع أيضاً إلى الدعاية اليمينية واسعة الانتشار التي تطلقها النظم الحاكمة واليمين المتطرف في وسط وشرق أوروبا، والتي تدعو الجماهير إما لـ”إثبات وطنيتهم” عن طريق الصبر وتحمل تبعات الأزمة، أو للوم أكثر شرائح المجتمع فقراً باعتبارهم “عالة على الاقتصاد القومي”. وقد يجد ذلك التعبير الأمثل له في المجر، حيث انتعشت الحالة العنصرية بشكل واسع في السنين الأخيرة، خاصة مع ارتفاع معدلات الأزمة الاقتصادية؛ فقد تصاعدت جماهيرية الحزب النازي الجديد وأصبح خطابه ضد الأقلية الرومانية واليهود والفقراء الغجر أكثر شعبية ورواجاً بما لا يُقاس من قبل. والأمر نفسه في التشيك التي تصاعدت فيها هجمات المئات من متظاهري الحزب النازي الجديد ضد الغجر، في النصف الثاني من 2009.

إذن فالأزمة الاقتصادية تحمل اليوم نوعين من الدينامية في أوروبا الشرقية، كما في بلدان أخرى، إما الثورة وتحطيم سياسات الاستغلال والإفقار الرأسمالية وإما البربرية والفوضى الاجتماعية العارمة. يتوقف ذلك على بلورة بديل سياسي يعبئ الجماهير الفقيرة في مواجهة الرأسمالية بدلاً من مواجهة أنفسهم، بديل سياسي يؤمن بالثورة كحل وحيد بعد أن قضت الرأسمالية، في طبعتها الليبرالية الجديدة، حتى على إمكانية الإصلاح الجزئي.

اعتمدت المعلومات الواردة بهذا المقال على المصادر التالية:

  1.     كريس هارمان: العاصفة تهب، دار النهر للنشر والتوزيع، القاهرة 1995
  2.     فلاديمير تيسمانيانو: تاريخ أوروبا الشرقية، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة 2006
  3.     توني كليف: رأسمالية الدولة في روسيا، مركز الدراسات الاشتراكية (إصدارات ما قبل التأسيس)، 1998
  4.     ميخائيل جورباتشوف: البيروسترويكا، دار الشروق، القاهرة 1988
  5.     سلسلة السياسة الدولية: أعداد 99 و105 و106، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية
  6.     Peter Kenez: A history of the Soviet Union from the beginning to the end, Cambridge university press, 1999
  7.     Mark L. Thomas: The revolutions that brought down Stalinism, International Socialism Review, Nov. 2009
  8.     Chris Harman: The fire last time, 1968 and after

التعليقات