بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

“الانصهار” الكبير (مقال غير تقني)

ترامب مع براين كرزانيتش، الرئيس التنفيذي لشركة إنتل
ترامب مع براين كرزانيتش، الرئيس التنفيذي لشركة إنتل

إن لم تكن تعيش تحت صخرة في السنوات القليلة الماضية، أو بالأخص في البضعة أشهر القليلة الماضية، فسوف تدرك أن نجم السيد إيلون ماسك والسيد مارك زوكربيرج قد بدأ في السطوع إعلاميًا وثقافيًا كمُفكِّرين ومُنظِّرين لمستقبل البشرية وكمجيبين عن أسئلة البشرية الملحة مثل كيف يستطيع البشر قضاء حاجتهم على كوكب المريخ بعد استعماره.

في الأغلب مرت عليك إحدى المقالات التي تتكهَّن بقرب زوال البشرية على أيدي الروبوتات، أو في سياق أكثر كوميديا واستهتارًا بعقولنا: اضطرار فيسبوك إغلاق إحدى برامجها الذكية بعدما تمكَّنَت البرامج من التخاطب بلغة لا يفهمها البشر. في الحقيقة كل مرة تقع تحت يدي واحدة من هذه المقالات أو بالأخص عناوينها التي توحي للقارئ وكأن فيلم الترمينيتور لم يكن خيالًا علميًا بل تاريخًا بشريًا، تصيبني نوبةٌ من الضحك والاشمئزاز من محرري هذه الصحف أو صفحات الفيسبوك الذين سمحوا بنشر هذا الهراء. ليس فقط ﻷنها في معظم الأحيان “شقلبظات” إعلامية تهدف لجلب المزيد من الكليكات والمشاهدات لمواقع وصحف وصفحات فيسبوك لا تُصنَّف حتى كصحافة صفراء للأسف. ولكن لأن هذا النوع من الهراء لا يخدم سوى أصحاب شركات التكنولوجيا الكبيرة من المُفكِّرين في شؤون البشرية ومستقبلها السابق ذكرهم. وكأن البشرية تغلَّبت على مشاكلها وعقباتها ولم يبق أمامنا سوى التفكير في كيفية خوض حربنا ضد الذكاء الاصطناعي في ما بعد نهاية العالم كما نعرفه.

للأسف أنا مضطر بحكم عملي في هذا المجال المليء بالمفاجآت والشعوذة لمتابعة هذا النوع من التحديثات فربما إحداها له تأثير مباشر عليّ كمهندس برمجة عمليات وبنية تحتية. وقد كان، فمنذ بضعة أيام استيقظ العالم على كارثة شركة إنتل. في بادئ الأمر توقَّعتُ أو تمنيتُ أن تكون المشكلة أبسط مما تحاول وسائل الإعلام المختلفة نشره، ولكن بعد عدة ساعات من القراءة والتمعُّن ومتابعة التعليقات على المنتديات التقنية المختلفة أيقنت أننا أمام كارثةٍ حقيقية فعلا وتمنيت أن تكون نبوءة إيلون ماسك عن نهاية العالم بسبب الذكاء الاصطناعي حقيقة، فهو في حقيقة الأمر يرى أن الحرب العالمية الثالثة ستندلع بسبب تنافس الدول على الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي وليس بسبب مثلًا وصول مخبول لسدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية وتعيينه لإيلون ماسك مستشارًا له ولكن هذا الهراء ليس موضوعنا اليوم.

ما هي مشكلة الانصهار
سأحاول قدر المستطاع تبسيط الأمر، ليس لإيماني بأن المواضيع المُتعلِّقة بالتكنولوجيا صعبةٌ لغير العاملين أو المهتمين بالمجال، ولكن فعلًا لكثرة تفاصيل المشكلة.

تعتبر شركة إنتل من أكبر مصنعي المعالجات المركزية في العالم. والمعالج المركزي هو عقل أي حاسوب أو هاتف نقال أو حتى تلفاز ذكي. فالمعالجات موجودة في معظم الأجهزة الإلكترونية التي نستخدمها يوميًا.

اتضح مؤخرًا أن كل معالجات شركة إنتل التي أُنتِجَت في أخر 20 عام بها عيب صناعة أو كما يسميها المبرمجون خطأ برمجي (bug)، مما يعني أن عشرات العشرات من ملايين المعالجات المستخدمة في العالم حاليًا يوجد بها مشكلة تقنية (لنسميها “المشكلة”).

معظم الشركات الكبري في عالمنا اليوم تقوم بنقل بنيتها الحوسبية إلى ما يسمي بالكلاود أو الحوسبة السحابية. والحوسبة السحابية هي ببساطة تطبيق لفكرة المرافق العمومية على خدمات البنية التحتية للشركات. بعبارةٍ أخرى، إذا أردت خدمة الكهرباء في منزلك فأنت لا تقوم ببناء شركة كهرباء واستخدامها، بل تشترك في خدمة الكهرباء العمومية. والآن عندما تريد الشركات أو المؤسسات بناء خدمات أو مواقع أو برامج، فهي لا تبني البنية التحتية الحوسبية بنفسها بل تستخدم مرفق أو مقدم لهذه الخدمة لبناء برامجها باستخدام بنية مقدم هذه الخدمة التحتية. ببساطة، خدمة الكهرباء التي تستخدمها هي خدمة يتشارك فيها بقية أبناء الحي الذي تسكن فيه. وعلى هذا المنوال، البنية التحتية التي تستخدمها الشركات (الكلاود) هي تعتبر أيضًا مشتركة مع بقية المستخدمين لنفس الخدمة. وهذه البنية التحتية ببساطة تقدم للمستخدمين سواء شركات أو مؤسسات او اي كان ما يسمي بالآلات الافتراضية (virtual machine). وفي الحقيقة، ليست الآلة الافتراضية إلا حاسوب ولكنه ليس حاسوبًا حقيقيًا، بل هو حاسوب افتراضي موجود ويعمل على حاسوب حقيقي. يوجد المئات آو الآلاف من الحواسيب الافتراضية على كل حاسوب حقيقي واحد. وأخيرًا، كل حاسوب افتراضي هو ملك للشركة أو المؤسسة التي تستخدمه، ولا يحق لها استخدام أو حتى الوصول إلى أية بيانات موجودة على الحواسيب الافتراضية الأخرى نظرًا لوجود صمامات أمان بين هذه الحواسيب تمنع تمامًا رؤيتها لبيانات بعضها البعض.

وهنا يأتي دور مشكلة معالجات إنتل التي تدير كل هذه الحواسيب الحقيقية. ببساطة، المشكلة تُمكِّن أي مستخدم لحاسوب افتراضي من قراءة بيانات أي حاسوب افتراضي آخر! هذه البيانات من الممكن أن تكون بيانات حساسة للغاية مثل أرقام بطاقات ائتمان عملاء إحدى الشركات مثلًا. فالمشكلة تزيل أو “تُصهِر” صمامات الأمان الموجودة بين هذه الحواسيب. ولذلك سُمِّيَت بمشكلة أو كارثة “الانصهار“.

في عالم البرمجيات، عندما يظهر خطأ برمجي في البرنامج نفسه (السوفتويير) نستطيع معالجة الخطأ عن طريق تعديل البرنامج ومن الممكن أن يكون هذا التعديل مُعقَّدًا أو سهلًا ولكن نظريًا في النهاية نستطيع الوصول إلى حل. أما مشكلة معالجات إنتل فهي في تصميم المعالج نفسه (الهاردويير) ولذلك ليس أمام إنتل سوى حلين:

  1. تقوم شركة إنتل بسحب جميع معالجاتها التي أُنتِجَت في آخر 20 عام ثم تقوم بإصلاحها أو تغييرها ومن ثم إعادة توزيعها مرة أخرى. وفي الحقيقة، يضاهي هذا الحل خيالات السيد إيلون ماسك عن قضاء فترة معاشه على كوكب المريخ. فهو حل غير عملي بالمرة وقد يتسبَّب في إفلاس شركة إنتل وانهيار كل شيء.
  2. يحاول المبرمجون إصلاح المشكلة عن طريق برنامج نظام التشغيل نفسه وهو ما حدث بالفعل، وظهرت حلول لنظم التشغيل المختلفة مثل ويندوز ولينكس. بالرغم من الصعوبة الشديدة لهذا الحل، يوجد في العالم الذي نعيشه وفرةٌ من المبرمجين الأذكياء كفاية للوصول لحل لهذه المشكلة.

للأسف، خلف كل “خازوق” يموت، “خازوق” جديد. اتضح أن الحل الثاني سوف يُقلِّل من أداء المعالجات بنسبة تتراوح بين 5% و35% وفي تقارير أخرى النسبة تتعدى الـ 50% وهذا كارثي بكل المقاييس.

تأثير مشكلة الانصهار على المستخدم العادي
عندما بدأت كتابة هذا المقال كنت أظن أن المشكلة لن يكون لها تأثير مباشر على المستخدم العادي. ولكن تبيَّن أن المخترقين قد يتمكَّنوا من استخدام شكل مختلف من المشكلة لسرقة بيانات المستخدمين من خلال متصفح الويب الخاص بهم مباشرة. على قدر كارثية هذا، تكمن الكارثة الأكبر في التأثير غير المباشر للمشكلة على المستخدم العادي.

كما أوضحت، قد يتسبَّب الحل في انخفاض أداء المعالجات بنسبة قد تصل لـ35% وهذا يعني أن معظم تفاعلاتنا اليومية مع الإنترنت والبرامج المختلفة قد تكون أبطأ بنسبة 35%. فمثلًا إذا كنت من محبي لعبة فورتنايت التي يلعبها الملايين عبر الإنترنت، فيجب عليك أن تعلم أن أداء البنية التحتية التي تشغل اللعبة قد انخفض بنسبة 30% وفقًا لتقريرٍ صادر عن فريق عمل اللعبة. وأمام الشركة المصنعة للعبة حل واحد، ألا وهو زيادة عدد الحواسيب الافتراضية بنسبة 30% حتى تستطيع الحفاظ على الأداء القديم. وهذا الحل قد يعني  زيادة سعر اللعبة حتي تستطيع الشركة تعويض خسارتها الغير محتسبة. وفي النهاية أنت عزيزي المستخدم هو من سيدفع الثمن.

قد يبدو مثال لعبة فورتنايت فجًّا وبسيطًا، لكن يمكننا تطبيقه على أشياء كثيرة في تعاملنا اليومي على الإنترنت وحتي خارج الإنترنت، خصوصًا في العالم العربي حيث أن الشركات التي تعتمد بجدية على الحوسبة السحابية هي معظمها شركات ناشئة ولا تحظى بتمويل أو اهتمام كبير مثل شركات وادي السيليكون مثلًا. وقد يصل الأمر إلى إفلاس بعض الشركات وإغلاقها. وفي حقيقة الأمر، لا أرى أية مبالغة في من يتكهن بزيادة أسعار المنتجات السلعية العادية التي نشتريها يوميًا، حيث أن الدورة الإنتاجية والبيعية لكثير من السلع أو على الأقل مكوناتها قد تعتمد على الحوسبة السحابية بشكل أو بآخر.

التأثير الأخير للمشكلة هو تأثير محتمل وقد لا يكون قائمًا الآن، لكن هو في الحقيقة تأثير مرعب. كما أوضحت أن المشكلة تصهر الحواجز أو صمامات الأمان بين الحواسيب الافتراضية فهذا يعني أن هناك احتمال كبير أن تكون كل بياناتنا الحساسة قد سُرِقَت بالفعل من المواقع وبرامج الإنترنت المختلفة التي نستخدمها يوميًا مثل بيانات بطاقات الائتمان والعناوين الشخصية مثلًا للأفراد وهذه البيانات يمكن أن يستخدمها الهاكرز ذوي القبعات السوداء. ولكن للأسف هذا التأثير لا يمكن قياسه حيث أننا لا نستطيع تحديد ما سُرِق أو لم يُسرَق من بيانات.

السيد براين والبلورة السحرية
ازداد مؤخرًا اهتمامي بالعملات الافتراضية مثل البيتكوين وقرَّرت اقتحام عالم تجارة الكريبتو(العملات الافتراضية) بحفنة قليلة من اليوروهات مُجرِّبًا حظي التعس. ولكن بعد عدة أسابيع اكتشفت أنني بحاجةٍ إلى بلورة سحرية كي أتنبأ بانخفاض أو ارتفاع أسعار العملات المختلفة حتى أستطيع البيع والشراء بناء على تكهنات مستقبلية. فمثلا اشتريت إحدى العملات ببضعة سنتات قليلة وقمت ببيعها فور ارتفاع سعرها لنصف دولار وجنيت مكاسبي ولكن اكتشفت بعد فترة أن سعر هذه العملة قد ارتفع إلى عشرات الدولارات. وها قد أضعت فرصة أخرى للثراء السريع بسبب عطل في بلورتي السحرية غير الموجودة من الأساس.

دعونا نرجع بالزمن إلى يونيو 2017، وهو الشهر الذي اكتشفت فيه إنتل المشكلة في معالجاتها. والطبيعي في هذه الظروف أن تتكتم الشركة على المشكلة حتى تتمكَّن أولًا من حلها بالتنسيق مع مبرمجين نظم التشغيل المختلفة ومع موفري خدمات الحوسبة السحابية. وهذا بروتوكول متبع في كثير من الأحيان عندما تظهر مشكلة حوسبية ضخمة يمكن أن تؤثر على الملايين من البشر والشركات. فأي تسريب لهذه المشكلة قبل الوصول إلى حل قد يعطي الفرصة للهاكرز ذوي القبعات السوداء أن يستغلوا المشكلة في أغراض سيئة وهو أمر مفهوم.

ولكن في إحدى أيام نوفمبر 2017 تأخذ القصة مجرىً مختلفًا. فقد مضى حينها أكثر من 5 أشهر على اكتشاف المشكلة، وكان من الواضح أن الوصول لحل لها صار صعب المنال.

استيقظ السيد براين كرزانيتش واستعلم من بلورته السحرية عن أسعار بعض الأسهم في البورصة وفي النهاية قرَّر بيع كل ما يمتلكه من أسهم في شركة إنتل، وهو 644 ألف سهم. ولكن في الحقيقة السيد براين لم يكن يمتلك بلورة سحرية تتكهَّن بمستقبل أسعار الأسهم ولكنه كان يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة إنتل. فهو كان يعلم كل شيء من البداية. وهذا ما عهدناه دائمًا من أخلاق الرأسماليين الكبار أمثال السيد براين. فالرأسمالية نظامٌ مبنيٌ على المحسوبية والفساد. وبالفعل بعدها انخفضت أسهم إنتل إلى أسوأ نقطة لها من شهور في يناير 2018.

ما فعله السيد براين هو ما يسميه الاقتصاديون “التداول الداخلي” (insider trading) وهو أن يستغل شخص معلومات داخلية غير معلنة لشركةٍ ما من أجل بيع أو شراء أسهم. والتداول الداخلي جريمة يحاسب عليها القانون في معظم دول العالم. ولكن كما عهدنا هذه القوانين في معظم الأحيان تُطبَّق على موظفين صغار داخل الشركات ونادرًا ما تُطبَّق على أصحاب النفوذ والمال. وحتى كتابة هذه السطور لم تتحرك دعوةٌ قضائية واحدة ضد السيد براين على ما فعله!

ولكن المضحك أكثر وأكثر في هذا الأمر أن السيد براين لو كان يعلم أن الحل سوف يؤدي إلى انخفاض أداء المعالجات ما كان ليبيع أسهمه ﻷن الانخفاض في الأداء يُحتِّم على المستخدمين شراء المزيد من المعالجات من أجل تعويض هذا الانخفاض وهو في صالح شركة إنتل وفي صالح أسعار أسهمها ولكنه تسرَّع بعض الشيء.

في رأيي أن المشكلة الأخرى في النظام الرأسمالي هي الاحتكار. فشركة إنتل تستحوذ معالجاتها تقريبا على 100% من الحصة السوقية للحواسيب الضخمة (servers) بعد إنخفاض حصة شركة AMD المنافسة إلى أقل من 1% في عام 2016. ويجب أن أذكر أن الاتحاد الأوروبي بدأ في مقاضاة إنتل منذ بضعة أعوام بسبب ألاعيبها الاحتكارية. وهذا النوع من المشاكل وخبل الشركات سيظل موجودًا طالما تتحكَّم في نواحي حياتنا شركاتٌ أحادية أمثال إنتل، وبالتالي سنظل تحت رحمتهم. من يعلم فربما إن لم تكن شركة إنتل تتحكَّم وتحتكر سوقًا بأكمله لوجدنا عشرات شركات المعالجات الأخرى، وربما لكان تأثير الانصهار أقل بكثير مما نراه وسوف نراه في الشهور والسنين القادمة. ولكن هل تسمح الرأسمالية بذلك؟

التعليقات