بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثوريون والانتخابات

الانتخابات البرجوازية

في هذه المقالة يتحدث الاشتراكي الثوري البريطاني “جون مولينو” عن موقف الثوريين من المشاركة في الانتخابات البرجوازية المختلفة، منتقدا موقف المقاطعة كموقف مبدئي من الانتخابات.

لماذا المشاركة؟

لا يؤمن الماركسيون الثوريون بإمكانية التحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية من خلال الإصلاحات أو الانتخابات البرلمانية. نحن لا نؤيد حتى الصيغة المبهمة والتي تقول: “إن المطلوب هو مزيج من أغلبية برلمانية يسارية تكملها، أو تدعمها، من خارج البرلمان تعبئة الطبقة العاملة”. في الواقع، وبناءا على استنتاج ماركس من تجربة كوميونة باريس 1871 بأن الطبقة العاملة لا يمكنها ببساطة أن تستولي علي أجهزة الدولة القائمة لاستخدامها في تحقيق أهدافها الخاصة، وبعد تعزيز لينين نفس الموقف في كتابه الدولة والثورة 1917، نستخلص أن الطبقة العاملة تحتاج إلى تدمير جهاز الدولة القائم بما فيه البرلمان في ثورة شاملة من الأسفل، والاستعاضة عنه بدولة العمال المبنية على مجالس العمال المنتخَبة في أماكن العمل والأحياء السكنية للطبقة العاملة. كما ذكر لينين في كتابه “الشيوعية مرض اليسارية الطفولي”: “فقط مجالس العمال، وليس البرلمان، يمكن أن تكون الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهداف البروليتاريا”.

ونحن نفهم أيضا أن البرلمان (أو قصر الرئاسة) ليس موضع السلطة الرئيسي في المجتمع الرأسمالي، حيث تتركز السلطة الحقيقية في مجالس إدارة الشركات العملاقة، والمصارف، والمؤسسات المالية وفي جهاز الدولة (قيادات القوات المسلحة والقضاء والشرطة وغيرها)، وبالتالي فالساحة البرلمانية ليست هي المحور المركزي للصراع الطبقي أو لنشاطنا كاشتراكيين ثوريين، مرة أخرى وعلى حد تعبير لينين فإن “الحراك الجماهيري” – إضراب كبير على سبيل المثال – هو أكثر أهمية من النشاط البرلماني في جميع الأوقات، وليس فقط خلال ثورة أو حالة ثورية.

فلماذا إذن يجب على الثوار المشاركة في الانتخابات البرجوازية؟

أولا، حقيقة كون الانتخابات ليست حاسمة في تحديد مصير المجتمع لا يعني أنها لا تصنع فرقا على الإطلاق، والقول بأن الانتخابات ونتائجها لا تصنع فرقا إطلاقا هو مبالغة واضحة وشكل من أشكال الحتمية الميكانيكية الاقتصادية، والتي أنكرها إنجلز بشكل واضح (جنبا إلى جنب مع جميع الرواد الماركسيين الآخرين).

وفقا للمفهوم المادي للتاريخ، فإن العنصر (الحاسم) في تطور التاريخ في المقام الأخير هو إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الحقيقية، لم يقل ماركس غير ذلك ولا أجزم أنا بغير ذلك، وبالتالي إذا كان شخص ما يحور الكلمات السابقة ليقول أن العنصر الاقتصادي هو العنصر الجوهري (الوحيد) في تطور التاريخ، فإنه يحول الطرح السابق إلى عبارة مجردة لا معنى لها. ومع أن الوضع الاقتصادي هو الأساس في التاريخ، غير أن عناصر البنية الفوقية المختلفة – الأشكال السياسية للصراع الطبقي ونتائجها – لها دورها. وللإيضاح: فمثلا الدساتير ــ التي تضعها الطبقة المنتصرة بعد معركة ما ــ ، والأشكال القانونية، وحتى انعكاسات كل هذه النضالات الحقيقة في أدمغة المشاركين، والنظريات السياسية والقانونية والفلسفية، والآراء الدينية وتطورها إلى نظم عقائد، أيضا تمارس نفوذها على مجرى الصراعات التاريخية وفي كثير من الحالات ما تهيمن علي تحديد شكلها.

فوز فرانسوا هولاند على ساركوزي في الانتخابات في فرنسا لم يحول المجتمع الفرنسي أو يغير مساره الأساسي، ولكنه أحدث فرقا، وانتصار حركة سيريزا اليسارية في الانتخابات الماضية في اليونان أيضا لم يكن ليحول اليونان جذريا، ولكن من الواضح أنه كان سيحدث تغييرا كبيرا في الظروف التي تناضل فيها الطبقة العاملة اليونانية. لا يمكن لنا كاشتراكيين ثوريين أن نكون غير مبالين بهذه الاختلافات الحقيقية، كما لا يمكن أن نكون غير مبالين بالإصلاحات الصغيرة مثل الحد من طول يوم العمل، وزيادة الأجور، وسن التقاعد، وهلم جرا، وهي الإصلاحات التي لا تُغير في النظام بشكل جوهري ولكن تؤثر على مستويات معيشة العمال وظروف نضالهم.

والسبب الثاني للمشاركة في الانتخابات هو أنها جزء من المعركة من أجل تطوير وعي الطبقة العاملة. نحن الثوريون قد لا يكون لدينا إيمان أو أوهام بالبرلمان، ولكن الملايين من العمال تظل لديهم أوهام، ونحن قد نفهم أن السلطة الحقيقية ليست في يد البرلمان أو النواب، ولكن الملايين من العمال لا يفهمون هذا الموضوع حتى الآن. وبالتالي تعتبر الانتخابات لهذه الملايين من العمال وقتا يكثف الوعي السياسي عندما تركز عقولهم على النقاش السياسي، بطريقة لم تكن متاحة في الكثير من الأوقات. ولهذا يجب على الثوريين ألا يسمحوا لهذه الفترة أن تمر من دون التدخل لعمل دعاية اشتراكية، وقبل كل شيء لا يمكننا تحمل ترك أرضية هذه المعركة السياسية للإصلاحيين والليبراليين والمحافظين والفاشيين (خاصة وأن الفاشيين قد جمعوا دائما بين النضال البرلماني وما هو خارج البرلمان بشكل فعال جدا).

ثالثا، في الواقع انتخاب الثوار كنواب أو كمستشارين يمَكنهم من العمل كمدافعين عن مصالح الشعب وكأبواق للأفكار الاشتراكية، وكذلك للمساعدة على التعبئة لحملات العمال والمضطهدين.

وأخيرا، وغالبا ما تُنسَى هذه النقطة لأننا لم نصل بعد إلى هذه المرحلة من النضال ولكن لينين أكد عليها، من المفيد جدا في النضال ضد البرلمانية “دفع السياسيين الموالين للعمال داخل البرلمان للعمل على تفتيت البرلمان من الداخل، ولإنجاح مهمة أية مجالس عمال مستقبلية في تفكيك البرلمان”.

متى نقاطع؟

إذا كانت المشاركة في الانتخابات بوجه عام، بشكل أو بآخر، هي الخيار الصحيح – وقد كان هذا رأي ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي، ولوكسمبورغ، وليبكنخت، ولوكاتش، وجرامشي، وكليف، وماندل، وهارمان وتقريبا كامل أقطاب التراث الماركسي الجاد – فهناك رغم ذلك ظروف معينة يكون إعلان المقاطعة فيها هو الخيار المناسب. ولكن متى؟ مثل هذا السؤال هو بطبيعته تكتيكي ويجب دائما أن يستند إلى تحليل قوي للوضع الملموس – فمن المستحيل صياغة أي حكم مطلق. ومع ذلك، وعلى أساس تاريخ الحركة الماركسية، فمن الممكن أن نقول أن موقف المقاطعة يجب أن يكون الاستثناء وليس القاعدة، وأن الظروف الاستثنائية التي تبرر تدشين حملة مقاطعة “ايجابية” هي عندما تكون جزءا لا يتجزأ من التحضير لما يقرب من كونه انتفاضة ثورية مباشرة. لذلك، يُنظر إلى مقاطعة الانتخابات على أنها عمل يؤدي مباشرة إلى تفكيك والإطاحة بالبرلمان المعنِي.

ربما الفصل التاريخي الأكثر فائدة في الإجابة على هذا السؤال هو التطور في موقف لينين من مجلس الدوما القيصري في الفترة من 1905 – 1906. وهذا موصوف بالتفصيل في كتاب توني كليف، لينين، المجلد 1، بناء الحزب، (لندن 1986). وكانت النقاط الرئيسية كالتالي:

كان مجلس الدوما القيصري هيئة برلمانية غير ديمقراطية للغاية، مع امتيازات تصب بوضوح وبشدة في مصلحة المُلاك وضد العمال والفلاحين.

في أغسطس – سبتمبر1905 دعا لينين إلى المقاطعة كجزء من الإعداد لانتفاضة مسلحة، وأقر البلاشفة اقتراحه.

بعد هزيمة التمرد في ديسمبر عام 1905، واصل البلاشفة دعم المقاطعة في انتظار تجدد الانتفاضة.

وعندما تبين أن الانتفاضة المسلحة أصبحت غير ممكنة، غير لينين موقفه في أغسطس 1906، وأيد المشاركة، حتى وصل به الأمر للتصويت في مؤتمر للحزب في 1907 مع المناشفة وضد البلاشفة.

واستنتج لينين:

مقاطعة نشطة.. تكون هي التكتيك الصحيح، فقط في ظل طفرة واسعة وعالمية وسريعة للثورة، آخذة في التطور إلى انتفاضة مسلحة، وفي غياب هذه الشروط تدعو التكتيكات الصحيحة للمشاركة في الانتخابات.

ووقع حدث مماثل في أغسطس – سبتمبر 1917، بخصوص مجلس الجمهورية، أو البرلمان الابتدائي، والذي كان ممثلا للأمة حتى تكونت الجمعية التأسيسية. وعلّق تروتسكي في تلك اللحظة:

“معرفة الموقف الذي يجب اعتماده فورا تجاه مجلس الجمهورية أصبح مشكلة تكتيكية حادة أمام البلاشفة. هل يجب أن يدخلوه أم لا؟، أتت مقاطعة المؤسسات البرلمانية من جانب الفوضويين وشبه الفوضويين من عدم الرغبة في وضع ضعفهم تحت الاختبار من جانب الجماهير، وبالتالي الحفاظ على حقهم في الاستكبار التطهرى – وهو الموقف الذي لا يُحدِث أي فارق عند أي أحد. ولا يمكن لحزب ثوري أن يدير ظهره للبرلمان إلا إذا كان قد حدد لنفسه مهمة إسقاط النظام القائم فورا”.

ولكن، بالطبع، كان هذا الوضع يمثل لحظات ما قبل الانتفاضة الثورية مباشرة، وعكست المناقشة بين البلاشفة هذا، حيث كانت غالبية القيادة البلشفية ضد المقاطعة، في حين كان تروتسكي، بدعم من لينين (الذي كان مختبئا) مع المقاطعة، ولم يكن لينين حتى هذه اللحظة قد نجح بعد في إقناع اللجنة المركزية للبلاشفة بفكرة التحضير للانتفاضة الثورية. وتُبين هذه الأمثلة التعقيدات التكتيكية لقضية المقاطعة، لكنها تعزز أيضا فكرة أن الثوار بصفة عامة يقفون مع المشاركة في الانتخابات.

كيفية المشاركة

المشاركة الثورية في الانتخابات يمكن أن تتخذ عددا من الأشكال، ومرة أخرى فمسألة أي شكل أو أشكال للمشاركة يمكن اعتمادها هو السؤال التكتيكي الذي يجب أن نجيب عليه في كل مرة بناء على التحليل الملموس للواقع، وتتأثر الإجابة على هذا السؤال بشكل كبير بطبيعة النظام الانتخابي القائم.

من الناحية المثالية فإن الحزب الاشتراكي الثوري سيشارك في الانتخابات من خلال الدفع بمرشحيه المباشرين. وهذا يعد أبسط وأوضح وأفضل خيار. ولكن للأسف، ولعدة عقود الآن، جعل ضعف القوى الاشتراكية الثورية هذا الخيار مستحيلا أو صعبا للغاية. فقد اكتشف حزب العمال الاشتراكي البريطاني في أواخر السبعينات أنه ليس من المفيد الدفع بمرشحين يحصلون على عدد هزيل من الأصوات تبعث على السخرية. كما أنه ليس من المفيد أن ينافس العديد من المرشحين من اليسار الثوري بعضهم ضد البعض فيفتتون أصوات بعضهم البعض ويشتتون الناخبين ويأتي ذلك على حساب اليسار ككل.

ولهذا السبب غالبا ما يكون ضروريا على الثوريين أن يشاركوا في الانتخابات كجزء من تحالفات اليسار، وغالبا ما تكون هذه الائتلافات والتحالفات ضرورية، لكنها دائما تقدم مشاكلها الاستراتيجية والتكتيكية المعقدة التي لا يمكن أن تنتهي عند هذه النقطة.

وبالرغم من ذلك فإنه من الممكن تحديد بعض المبادئ التوجيهية العامة لهذه الحملات:

  • يجب تنظيم حملات جادة تهدف للفوز، إذا كان ذلك ممكنا. ولهذه الغاية ينبغي لنا أن تقوم دعايتنا الانتخابية على برامج ذات مطالب واقعية حتى تكون منطقية لكتل كبيرة من الشعب العامل وليست برامج مجردة وجوفاء.
  • يجب أن نرفض بحزم نزعة الانتهازيين للرضوخ لضغوط وإغراءات تقديم التنازلات من أجل الفوز في عملية الانتخاب، مثل تذيل الأفكار العنصرية والذكورية والشوفينية.. إلخ.
  • يجب أن نوضح أن الحملة الانتخابية هي مجرد جزء (في مثابة المرتبة الأدنى من النضال) من أجل تعبئة الجماهير.

ولكن هناك أيضا مسألة كيفية التصويت عندما نكون غير قادرين على ترشيح أنفسنا؛ وحتى عندما نتمكن من الترشح، كيف نستخدم أصوات الخيار الثاني أو التصويت في الجولة الثانية إذا لم نتأهل بعد الجولة الأولي. ومن الواضح أن هذا يثير العديد من الأسئلة المتنوعة، الصعبة أحيانا، الحاسمة أحيانا والأقل أهمية بكثير أحيانا أخرى. على سبيل المثال في الانتخابات العامة في أيرلندا في عام 2011 دخلت في عدد من المناقشات مع الرفاق، بعد أن صوتنا في الجولة الأولى لمرشحي التحالف اليساري الموحد والذي شاركنا فيه، عن كيفية استخدام الخيار الثاني والثالث بعد: هل يجب علينا التصويت ثانيا (لشين فين – الجناح السياسي للجيش الأيرلندي الجمهوري) ثم ثالثا (لحزب العمال) أم ثانيا (للعمال) ثم ثالثا (لشين فين)؟ هنا يصعب أن يكون هناك حل واحد يناسب الجميع لأنها مسألة أعقد من مجرد الدفع بمرشحين؟ ولكن، مرة أخرى، لا يزال من الممكن أن أبدي بعض الملاحظات العامة.

اتخاذ قرار لمن نصوت

أولا من الضروري أن نفهم أن قرار الاشتراكيين الثوريين بشأن كيفية التصويت مبني على أساس مختلف عن الليبراليين أو غيرهم ممن يعتقدون فعلا أن نواب البرلمان أو الرؤساء هم حقا من يديرون المجتمع. كبداية، فإن الخصائص الشخصية للمرشح لها أهمية قليلة جدا وبالتأكيد لن تكون نقطة انطلاق لنا لاتخاذ هذا القرار. على سبيل المثال، لو أن المرشح الرئيسي لليسار في الانتخابات هو اليساري المعروف جورج غالاوي في بريطانيا (والذي دعمه حزب العمال الاشتراكي من قبل)، أو الليبرالي – اليساري رالف نادر في الولايات المتحدة (والذي دعمته المنظمة الاشتراكية الأممية هناك في 2000) أو حمدين صباحي في مصر، فليست حجة جيدة لتقول أنا لن أصوت لهذا الرجل “لأنني لا أثق به”، أو “لأنني لا أطيقه شخصيا”، أو” أنا لا يمكن أن أدعمه لأنه فعل شيئا سيئا قبل ثلاث سنوات”.

ثانيا، يشكل التصويت في الانتخابات تفضيل لنتيجة معينة في ظروف عادة ليست من اختيارنا، ولا يمثل تأييد سياسي شامل لمن ندعمهم. ومفهوم الدعم الانتقادي حاسم هنا ويعبَّر عنه بصور متعددة “مثل التصويت دون أوهام”، أو “التصويت والتحضير للمعركة”، أو “الدعم الانتخابي كحبل مشنقة” (لينين).

وللأسف قد أصبحت عادة سيئة داخل اليسار هي الهجوم العنيف من منظمة يسارية على قرار من منظمة أخرى يسارية بشأن التصويت للمرشح (س) أو الحزب (ص)، كما لو كان الدعم الانتخابي يساوى تأييدا سياسيا شاملا وكاملا، حتى عندما يكون واضحا تماما أن هذا ليس هو الوضع. (وبطبيعة الحال، يتعين على الاشتراكيين الثوريين جعل انتقاداتهم لمن يدعمون في الانتخابات واضحة).

على سبيل المثال، في عام 1997 صوت حزب العمال الاشتراكي البريطاني لحزب العمال الإصلاحي بقيادة توني بلير، واتخذنا هذا القرار لأننا وجدنا أنه من المهم جدا للطبقة العاملة في إنجلترا أن تطيح بحكومة حزب المحافظين التي ظلت في منصبها لمدة 18 عاما، كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف. ذلك لا يعني أننا كان لدينا أوهام أو آمال في بلير أو حزب العمال، وتفسير هذا التصويت بالقول إن حزب العمال الاشتراكي البريطاني أو جون مولينيو يدعمون توني بلير هو مجرد مهزلة.

كتب لينين على النحو التالي عن جيل سابق من قادة العمال:

صحيح أن هندرسون، ومكدونالدز، وسنودين (قادة حزب العمال عام 1920) رجعيون ميئوس منهم، ومن الصحيح أيضا أنهم يريدون تولي السلطة (ويفضلون التحالف مع البرجوازية لتحقيق ذلك)، وأنهم يريدون “الحكم” على طريقة البرجوازيين القدامى، وعندما يصلون للسلطة بالتأكيد سوف يتصرفون مثل شيدمان ونوسك (الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان قاتلي لوكسمبورغ وليبكنخت وخونة الثورة الألمانية)، كل هذا صحيح، ولكن دعمهم لا يعني على الإطلاق خيانة للثورة؛ ما يجب إدراكه فعلا هو أن إعطاء هؤلاء السادة قدرا معينا من الدعم البرلماني في لحظة معينة يصب في مصلحة الثورة والطبقة العاملة والثوريين.

كل من يفسر هذا على أن لينين كان، بصفة عامة، من مؤيدي ماكدونالد رامزي أو شيدمان ونوسك، فهو عن عمد أو بسذاجة لا يفهم المقصد.

الشيء الرئيسي هو تحديد المعنى السياسي للتصويت في حالة سياسية معينة، استنادا إلى دراسة الموقف ككل.

ويتطلب ذلك أخذ وضع جميع القوى والجماعات والأحزاب والطبقات والجماهير العاملة في بلد معين في الاعتبار، وأيضا لا ينبغي أن تتحدد تلك السياسة فقط عن طريق رغبات ووجهات نظر، أو حسب درجة الوعي الطبقي أو نضالية مجموعة واحدة أو حزب واحد فقط.

في رأيي توجد 3 عناصر ذات أهمية خاصة في هذا التقييم:

  • الطبيعة الطبقية للأحزاب أو المرشحين المعنيين.
  • الطبيعة الطبقية والسياسية للجماهير الداعمة لهذه الأحزاب أو المرشحين.
  • التبعات السياسية لتصويت بعينه أو لنتيجة معينة للانتخابات المعنية.

وتكون المسألة بسيطة نسبيا إذا كانت الإجابات على كل هذه الأسئلة تشير دائما في نفس الاتجاه، لكن للأسف فالحياة ليست بهذه السهولة.

ولنتذكر، وكما أوضح لينين، فأحزاب العمال والاشتراكية الديمقراطية هي عادة ليست أحزاب رأسمالية صرفة ولا عمالية صرفة، بل هي إلى حد ما أحزاب عمالية – برجوازية أو عمالية – رأسمالية، حيث أنها تجمع بين قيادة موالية بشدة للرأسمالية مع (عادة) وجود رابط عضوي مع النقابات العمالية (خاصة مع بيروقراطيين النقابات العمالية)، وتحظى بالدعم الانتخابي الجماهيري من الطبقة العاملة.

على هذا الأساس، كما رأينا، جادل لينين لصالح التصويت لحزب العمال البريطاني ضد الأحزاب الرئيسية للبرجوازية البريطانية، أي حزبي المحافظين والليبراليين. ولكن هناك اختلافات وفروق وتنوعات في أوضاع أخرى: هناك أحزاب يسارية إصلاحية قياداتها ليست ببساطة “موالية للرأسمالية”، مثل حزب العمال تحت بلير في بريطانيا، أو الاشتراكي بقيادة هولاند في فرنسا، أو الاشتراكي تحت باباندريو في اليونان وهلم جرا. هناك أحزاب لها قيادات أكثر راديكالية من هؤلاء مثل سيريزا في اليونان أو جبهة غوشي في فرنسا على علم أنهم من المرجح جدا أن يذعنوا أيضا للرأسمالية تحت الضغط. وفي كثير من الحالات قد نضطر لتخطي تكتيك التصويت لصالح حزب من نوع حزب العمال ضد حزب برجوازي صريح بناءا على ضرورة تطوير بديل يساري أو اشتراكي ثوري للإصلاحيين.

في بعض الأحيان، كما هو الحال في ايرلندا، يسمح النظام الانتخابي بالقيام باستخدام التكتيكين معا (باستخدام الخيار الثاني في الانتخاب) – من تختار إذا لم ينجح مرشحك المفضل. وفي أحيان أخرى، حيث لا يمكن إلا اختيار مرشح واحد فإنه لا مجال إلا للتصويت لجهة واحدة كما هو الحال في بريطانيا.

تعقيد آخر يظهر في “دول العالم الثالث” أو البلدان النامية والمستعمرات السابقة، في كثير من الأحيان يتم ملء الفراغ السياسي الذي يُملأ في أوروبا بالأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، بواسطة الأحزاب القومية أو الإسلامية التي تجمع بين دعم الرأسمالية في العملي، مع الخطاب المعادي للإمبريالية (وأحيانا نضال)، ويكون لهم كتلة داعمة كبيرة في وسط الطبقة العاملة والفقراء والفلاحين، مثل مجموعة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب إفريقيا، وحزب الله في لبنان، وفي أوقات متقطعة منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس. وفي أيرلندا لدينا الشين فين – الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي الذي يلعب هذا الدور غير العادي.

أحيانا يبدو العامل الثالث في قرار لمن سنصوت – التبعات السياسية للقرار – كأنه يدفع في اتجاه مختلف عن العامل الأول والثاني. لنأخذ على سبيل المثال الموقف في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام 2000، عندما وجدنا أنفسنا في جولة الإعادة بين شيراك اليميني والفاشي لوبون. من الواضح أنه لا يوجد اشتراكي يفكر في التصويت لأمثال شيراك عادة، ومن الواضح أيضا بنفس القدر أن فوز لوبون كان يمثل كارثة، وانقسم الرأي وقتها بين الماركسيين الثوريين، جادل حزب العمال الاشتراكي البريطاني ضد التصويت لشيراك، داعيا إلى تعبئة في الشارع ضد الفاشيين، بينما صوتت عصبة الشيوعيين الثوريين الفرنسيين لصالح شيراك. وقتها كنت داعما لخط حزب العمال الاشتراكي البريطاني، إلا أنني اعتقد الآن أني كنت مخطئا. في النهاية فاز شيراك وقتها بأغلبية ساحقة بنسبة 82٪ من الأصوات عند نسبة إقبال 79٪، لذلك أتضح أن الغالبية العظمى من العمال الفرنسيين صوتوا لشيراك.

اليسارية المتطرفة

برأيي أن أفضل مرجع عام في التراث الماركسي لمسألة الثوريين والانتخابات هو كتاب “الشيوعية اليسارية، مرض طفولي” للينين 1920، والذي اقتبست منه أعلاه، وهو الكتاب الذي كتبه لينين ليحارب نزعة اليسارية المتطرفة، والتي كانت بدورها قوة يعتد بها في عدد من الأحداث التي تلت الثورة الروسية مباشرة، وشكلت الأممية الشيوعية الثالثة بعد 1919 (الألمانية والهولندية والإيطالية وغيرها). بل الكتاب هو دليل رائع لاستراتيجيات وتكتيكات ينبغي دراستها من قِبل كل من يطمح إلى إصدار الأحكام في هذه القضايا الخطيرة، وكما أنه لا يمكن للمرء أن يكون اقتصادي ماركسي حقيقي دون أن يكون قد درس كتاب “رأس المال”، فإن المرء لا يمكن أن يكون قائدا سياسيا اشتراكي ثوري دون أن يكون قد قرأ “الشيوعية اليسارية: مرض طفولي” للينين.

حجج الكتاب الرئيسية هي:

  • إن رفض جميع التنازلات مقدما ليس موقفا ماركسيا جادا.
  • إنه من الضروري للغاية العمل في جميع النقابات العمالية، بما في ذلك نقابات العمال الرجعية.
  • إنه من الملزم المنافسة على انتخابات البرلمان البرجوازية والمشاركة فيه.
  • إنه من الضروري التصويت للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية ضد الأطراف الرأسمالية بشكل واضح، من أجل التحيز لجماهير العمال ضد اليمين، ولفضح الإصلاحيين أمام الجماهير من خلال وضعهم في السلطة، وذلك لكسب العمال من القيادات الإصلاحية الغادرة.
  • إن فن القيادة الثورية ينطوي علي تعلم كيفية الفوز بغالبية الطبقة العاملة وليس فقط الطليعة الثورية (فلا يمكن أن يتحقق النصر بالطليعة وحدها)، وهذا يعني أن تكون متقدما بخطوة واحدة عن الجماهير وليس معزولا عنها.

مثلما أن كتاب رأس المال هو شرط أساسي لتحليل اقتصادي ماركسي لكنه ليس بديلا عن دراسة الاقتصاد الحالي، لا يمكن أن يكون مجرد القراءة للينين أو تروتسكي هي السبيل للوصول إلى قرارات صحيحة فيما يتعلق بالانتخابات؛ يجب أن يتضمن هذا تقييم واقعي متوازن للطبقات والقوي السياسية.

      

التعليقات