بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

جرامشي: كراسات السجن والفلسفة

جرامشي

عادةً ما يتعمد أولئك الذين يريدون تصوير أنطونيو جرامشي على أنه ليس ماركسياً ثورياً التركيز على الكراسات التي كتبها في السجن. كتب جرامشي كراسات السجن تحت رقابة السجّانين الفاشيين، وغالباً ما كان يلجأ، مجبراً، إلى تخبأة المعاني الحقيقية التي كان يقصدها. هكذا أطلق على الماركسية “فلسفة الممارسة”، وأشار إلى لينين باسم “إيليتش”، وعبّر عن الحزب الثوري بـ”الأمير الحديث” (إشارةً إلى “الأمير” الذي كان نيقولو ميكافيللي يأمل أن يوحّد إيطاليا ثورياً إبان عصر النهضة). لكن بالرغم من كل ذلك، ظلت هناك الكثير من الأمور بين صفحات كراسات السجن ذات معانٍ واضحة لكل ذي عينين.

على سبيل المثال، تمتلئ كتابات جرامشي عن بيندتو كروس (وهو المثقف الإيطالي الذي كان له تأثيراً كبيراً على جرامشي الشاب) بالكثير من الانتقادات لـ”إصلاحيته” (1)، ولاستئصاله عوامل “الحديد والنار” من التاريخ (2). وكانت واحدة من الأفكار التي شدد عليها جرامشي، والتي يمكن أن تُوجه إلى الكثير من “جرامشيي” هذه الأيام، تصر على أن “تصوير التطورات التاريخية وكأنها مباراة لها حكم، ولها مفاهيمها المصونة دون مساس، إنما هو مفهوم مسبّق وجامد للتاريخ… هذه مسألة إقحام وزرع عضو من خارج العملية التاريخية، عضو ليس قادراً على الإبقاء على نفسه سليماً في الداخل” (3).

تتجاهل التفسيرات الأكاديمية الإصلاحية لجرامشي المسارات الاقتصادية التي تحدث عنها، والتي تدعم بوضوح المبادئ الأساسية لكارل ماركس وتحليله لميل معدل الربح للانخفاض (4)، الذي يقود في النهاية لأزمات اجتماعية كبيرة تراكم الحراك الجماهيري. بالنسبة لجرامشي، فإن هذا “الميل العام” لابد أن يكون ذا طبيعة تاريخية حقيقية، وليس طبيعة منهجية، مشيراً إلى “عملية جدلية يؤدي فيها الزخم التدريجي الجزيئي إلى نتيجة كارثية في الفئة الاجتماعية”، ومتسبباً في “توجهات تقدمية فردية” أخرى. ربما ليس من المستغرب أن واحدة من المحاولات الأكثر تأثيراً وانتشاراً لاستخدام جرامشي ضد الماركسية الكلاسيكية، والتي أطلقها إرنستو لاكلاو وشانتال موفي، يؤول بها الأمر في النهاية إلى الادعاء بأن “جرامشي كان غارقاً في الحتمية الاقتصادية” (5).

حظى مفهوم “الهيمنة” مكانةً مركزية في التفسير الإصلاحي – الأكاديمي لجرامشي، وقد وضعوه في مقابل مفاهيم الصراع الطبقي والثورة الاجتماعية. إلا أن الشخص الذي شَرُفَ به جرامشي في تقديم هذا المفهوم كان.. لينين!

“المُنَظِّر الحديث الأعظم لفلسفة الممارسة (أي لينين)، أنشأ مبدأ الهيمنة كمكمل لنظرية الدولة كقوة، في مقابل التيارات المتنوعة للاقتصادوية” (6).

لاحظوا هنا أن كلمة “مكمل” تأتي معارضةً للمفهوم الإصلاحي بأن المجادلات الأيديولوجية يمكن أن تكون بديلة عن المواجهة الثورية.

خاض جرامشي عملية طويلة من التعلّم خلال النضال منذ 1918 وحتى سجنه في 1926. تبلور ذلك في كتابات مثل “أطروحات ليون” التي جادل فيها بأن الحزب الشيوعي لا ينبغي أن ينتظر في عزلته حتى تلتفت الجماهير له، بل أن يناضل من أجل قيادة هذه الجماهير بمزج النضال الأيديولوجي بالنضال الاقتصادي والسياسي. والجبهة المتحدة تعد عنصراً أساسياً في ذلك، وكان ذلك هو ما أصر عليه لينين وتروتسكي في المؤتمرين الثالث والرابع للكومنترن (الأممية الشيوعية الثالثة) في 1921 و1922. وتركز “كراسات السجن” في كثير من مواضعها بشكل أساسي على تطوير هذا الطرح نظرياً. وهذا يفسر الارتباط الوثيق بين الكثير من المفاهيم في الكراسات–الهيمنة، والأيديولوجيا، والحزب الثوري، وأشكال النضال المتنوعة (حرب المواقع وحرب المناورات).

أثناء تطويره لهذه المفاهيم، استُئصِلَ جرامشي من مجرى النضال العملي وأُلقيَ به في عزلة الزنازين. كتب جرامشي في 1928: “الكتب والمجلات تتضمن مفاهيم عامة، وكل ما تفعله هو فقط رسم مسار كلما أمكنها ذلك… هذه الكتب والمجلات لا توفر لك صورة حيّة ومباشرة وراهنة عن حياة توم وديك وهاري. وإن لم يكن باستطاعتك فهم الأشخاص الحقيقيين، لن تتمكن من فهم ما هو عام وشامل”.

كانت عزلة جرامشي تعني أن توفرت لديه معرفة مشوّشة وغير مباشرة بالأحداث الهامة خارج السجن – تأثيرات الستالينية وانتصار الفاشية في ألمانيا – والتعقيدات السياسية المترتبة عليها. صيغت كتاباته بـ”لغة غامضة أخفت أفكاره الحقيقية، ليس فقط من سجّانيه، لكن أيضاً من قرائه الماركسيين، وأحياناً يشك المرء أنه أخفاها حتى من نفسه” (7). النتيجة كانت تجريداً وغموضاً في بعض الصيغ التي استخدمها. وبالأخص أنه لم يكن بمقدوره التعبير بوضوح عن اعتقاده الراسخ بضرورة بناء حزب ثوري قادر على تنظيم النضال الجماهيري وشن النضال الأيديولوجي. وكنتيجة لذلك، غدت كتاباته أكثر عرضة لسوء الفهم من لينين وتروتسكي اللذين ندرت مساحات التفسيرات الخاطئة لكتاباتهما (وهذا سبب رئيسي في انتشار دراسات جرامشي في الأكاديميا حيث توفر اقتباسات مقبولة إلى حد كبير في رسائل الدكتوراه، مما لا يحدث في حالة لينين أو تروتسكي).

لكن السنوات الطويلة في السجن قد منحت جرامشي الوقت للتفكير في نقاط نظرية معينة، في حين لم يكن الأمر ممكناً بالقدر نفسه مع مفكرين ماركسيين بارزين آخرين في العقود الأولى من القرن العشرين. وبالفعل يقدم جرامشي مصادر نظرية ثرية ينهل منها الثوريون اليوم.

الهيمنة والنضال السياسي
بين طيات الكراسات، يمكننا أن نستخلص إجابات على سؤالين هامين متعلقين ببعضهما. أولاً؛ لماذا لم تنتصر الانتفاضة الثورية في إيطاليا، بل وانتهت بصعود بينيتو موسوليني إلى السلطة؟ وثانياً؛ لماذا كانت البرجوازية الإيطالية أقل نجاحاً بكثير من نظيرتها الفرنسية في توحيد البلاد في اتجاه رأسمالي، برغم أنها بدأت في عصر النهضة قبل البرجوازية الفرنسية بكثير؟

في الإجابة على ذلك، يتنقل جرامشي من صفحة إلى أخرى عبر الكثير من الخبرات التاريخية (8). لقد رأى إجابة واحدة على السؤالين معاً: عجز القوة الاقتصادية عن ترجمة نفسها في صورة سياسية قادرة على استيعاب كافة قطاعات المضطهدين وتوجيههم لإسقاط الهيكل الاقتصادي القديم.

في إيطاليا القرن التاسع عشر، رفضت العناصر الأكثر راديكالية، أولاً اليعاقبة الإيطاليون ثم حزب جيوسيب مازيني وجيوسيب جاريبالدي، اتباع اليعاقبة الفرنسيين في محو مرارة ومعاناة الفلاحين من ملاك الأراضي الإقطاعيين وما يترتب عليه من بناء القاعدة الجماهيرية الأساسية في مشروع تأسيس أمة برجوازية إيطالية (9).

وفي 1918 و1920، اتفق الرمزان البارزان والمسيطران في الحزب الاشتراكي الإيطالي، جاشينتو بوردي من جانب، وأماديو بورديجا من جانب آخر، في رؤية أن الوزن الاقتصادي للعمال سيترجم نفسه تلقائياً إلى قوة سياسية إذا ما انتظروا وقتاً كافياً. في حين اختلفا بالكامل في ذلك الوقت مع أصحاب المراجعات الفكرية الملتفين حول فيليبو توراتي، لكن الطرفين تشاركا في الفشل في إدراك ضرورة السعي للقيادة، سواء على الصعيد العملي أو الأيديولوجي، لتوجيه نضال جموع الفلاحين والجنود اليائسين والشرائح الغاضبة من البرجوازية الصغيرة من أجل دفعة ثورية صوب السلطة. خلق هذا الفشل فراغاً سياسياً كان الفاشيون قادرين على ملئه فور أن لجأت إليهم البرجوازية في 1922.

ومن وجهة نظر جرامشي، فشلت الحركة الثورة لأنها انتظمت حول مصالح اقتصادية مؤقتة بدون الاندماج مع فئات مضطهدة ومستغلة أخرى في النضال من أجل مجتمع جديد. أشار جرامشي في ذلك إلى لينين؛ إذ كان ذلك بالضبط هو ما شدد عليه لينين في “ما العمل؟”، على سبيل المثال:

“لا يمكن أن يكون وعي العمال وعياً طبقياً حقاً إذا لم يتعلم العمال… مراقبة كل طبقة من الطبقات الإجتماعية الأخرى في جميع مظاهر حياتها العقلية والأخلاقية والسياسية، إذا لم يتعلموا أن يطبقوا في العمل التحليل المادي والتقدير المادي لجميع أوجه نشاط وحياة جميع طبقات السكان وفئاتهم وجماعاتهم. إن كل من يوجه انتباه الطبقة العاملة وقوة ملاحظتها ووعيها إلى نفسها فقط، أو إلى نفسها بالدرجة الأولى، ليس باشتراكي ديمقراطي (أي اشتراكي ثوري)، لأن معرفة الطبقة العاملة لنفسها مرتبطة ارتباطاً لا ينفصم بمعرفتها معرفة واضحة تامة للعلاقات المتبادلة بين جميع طبقات المجتمع الراهن… معرفة مبنية على تجربة الحياة السياسية” (10).

“إن نموذج الاشتراكي الديمقراطي ينبغي أن يكون… الخطيب الشعبي الذي يحسن الرد على كل مظهر من مظاهر الطغيان والظلم، بصرف النظر عن مكان حدوثه وعن الفئة أو الطبقة التي يصيبها هذا الطغيان والظلم، يحسن تلخيص جميع هذه المظاهر ويخلق منها لوحة تامة للطغيان البوليسي وللاستثمار الرأسمالي، يحسن الاستفادة من كل أمر تافه لكي يعرض أمام الجميع عقائده الاشتراكية ومطالبه الديمقراطية ولكي يشرح للجميع ولكل فرد الأهمية التاريخية العالمية لنضال البروليتاريا التحرري” (11).

تركز اهتمام جرامشي على كيفية الخوض في هذه المهمة في فترات ليست ثورية. كما رأى ذلك أكثر صعوبة في “الغرب” مما كان في روسيا؛ (12) إذ رأى أن الروابط الأيديولوجية التي تقيّد الناس بأجهزة الدول في الغرب أقوى كثيراً منها في روسيا، بسبب عمل شبكات كثيفة من المنظمات الرسمية وغير الرسمية (المجتمع المدني). هذا يؤثر بشدة على الطبقات الدنيا، لكن قادتهم مربوطين بهذا الكيف أو ذاك بهياكل المجتمع المدني، ويعملون كقنوات تمر من خلالها الأيديولوجيات للطبقات “التابعة”، أي الدنيا، تلك.

بهذا المعنى فإن النضال من أجل الهيمنة هو نضال مزدوج – من أجل تحرير الطبقة العاملة من الأفكار التي تربطها بالنظام الاستغلالي القائم، ومن أجل ربط الطبقات الدنيا الأخرى في كتلة واحدة مع الطبقة العاملة (13).

معركة الأفكار
وصف جرامشي المعارك الأيديولوجية بأنها “فلسفية”؛ حيث الصراع بين مفاهيم مختلفة عن العالم:

“كل شخص يعد فيلسوفاً، لكن بطريقته الخاصة وبشكل غير واعٍ، حيث يتضمن حتى أدنى مظاهر أي نشاط فكري – في اللغة مثلاً – تصور معين عن العالم، ينتقل منه المرء إلى المستوى الثاني حيث الوعي والنقد” (14).

ينشأ الناس في مجتمع لديه “مفهوم مشترك عن العالم”، “فُرِضَ ميكانيكياً بواسطة البيئة الخارجية”، أي بواسطة “الفئات والمجموعات الاجتماعية التي ينخرطون فيها تلقائياً منذ لحظة وجودهم في العالم الواعي”. وعن الحياة الريفية الإيطالية، كتب جرامشي أن هؤلاء الناس يمكن أن يتأثروا بـ”الكاهن المحلي أو البطريرك الشائخ الذي تُعتبر حكمته في حد ذاتها بمثابة القانون”، أو “المثقف الكريه بغبائه وعجزه” (15). هذه المفاهيم المختلفة هي التي تصنع سوياً “الحس المشترك” – أي الرؤى والتصورات المُسَلَّم بها، والتي تقود الناس إلى “التفكير دون وعي نقدي على نحو مفكك ومتقطع” (16).

أما الماركسية، فهي تبدأ من تحدي مثل هذه المفاهيم المُسَلَّم بها عن العالم، وتهدف من خلال السجال والنقد إلى “محو النموذج القائم للتفكير” (17). إنها تمثل نقداً “للحس المشترك”، لكنها تستند بنفسها في البداية عليه، تجدده وتجعله انتقادياً “للنشاط القائم بالفعل” (18). هناك مرحلة “بدائية وابتدائية” من “الوعي بكون المرء جزء من قوة هيمنة خاصة (يمكننا هنا القول؛ وعي سياسي)”، “شعور فطري بالاستقلال” (19). لكن ذلك يختلط مع مفاهيم أخرى لينتج “وعياً متناقضاً” – وهو مفهوم هام وحيوي يُسقِطه الأكاديميون الإصلاحيون من حساباتهم حينما يتحدثون عن فكر جرامشي:

“الإنسان النشط بين الجماهير هو من يقوم بنشاط عملي بينها، وإن لم يكن لديه وعي نظري واضح بهذا النشاط، وإن كان ينطوي على فهم للعالم بقدر ما يغيّره (*). وقد يتعارض وعيه النظري تاريخية مع نشاطه، ويمكن القول أن له وعيان نظريان (أو وعي واحد متناقض)؛ أحدهما مضمر في نشاطه، وهو في الحقيقة ما يوحده مع كل زملائه من العمال في عملية التغيير العملي للعالم، والآخر صريح وظاهر، أو لفظي، ورثه عن الماضي وتشرّبه دون أن ينقده” (20).

و”المفهوم اللفظي” يمكن أن يعود على النشاط العملي بتأثير كارثي مؤدياً إلى “وضع لا تسمح فيه حالة التناقض في الوعي بأي حركة أو قرار أو اختيار”، مما يتمخض عن “السلبية السياسية” (21). أما “الأيديولوجيات” فهي “حقائق تاريخية ينبغي مكافحتها كونها أدوات للهيمنة السائدة… وذلك لجعل المحكومين مستقلين فكرياً عن الحاكمين، في لحظة ضرورية في تحوّل الممارسة” (22).

أعاد جرامشي صياغة الفكرة التي قدمها كارل كاوتسكي، والتي كان لها بعض الأصداء عند لينين، بأن الأفكار الاشتراكية تأتي للطبقة العاملة من “الخارج”. توجد بالفعل داخل الطبقة العاملة تلك العناصر التي تضع الأساس لتصور جديد عن العالم، لكن ينبغي استخلاصها من شبكة الأفكار المتضاربة، وهذا ممكن فقط كلما تطورت المنظمة الثورية في الخوض في هذه المهمة. تحتاج “عناصر القيادة الواعية” (23)، التي تُفرز في أي نضال عفوي، لأن تتجمع سوياً للنضال من أجل مفاهيم جديدة. وهكذا فإن النضال من أجل الهيمنة الأيديولوجية يتضمن النضال لبناء حزب ثوري – “الأمير الحديث”:

“الكتلة البشرية لا تميّز نفسها، لا تصير مستقلة في حد ذاتها من دون تنظيم نفسها، بالمعنى الواسع للكلمة. وما من منظمة دون مثقفين، أو بكلمات أخرى؛ دون منظِمين وقادة، دون الجانب النظري لترابط النظرية والممارسة، ذلك الذي يميّز وجود مجموعة من الناس “المتخصصة” في الإعداد النظري والفلسفي للأفكار” (24).

شن النضال الأيديولوجي
يجري النضال من أجل الوضوح الأيديولوجي والهيمنة على مستويات مختلفة، وتمثل النقاشات والجدالات في الأحياء ومواقع العمل أحد هذه المستويات، والأدوار الرئيسية هنا يضطلع بها أولئك الذين يفهمون تحديداً ما تناضل من أجله الحركة وتسعى إليه ويدركون من هم أعداؤها. هؤلاء يعتبرون بمثابة مفاتيح رئيسية في التنظيم والتأثير على أعداد أكبر من الجماهير (دعونا نلقي نظرة، مثلاً، على النشطاء النقابيين والعماليين، والنشطاء ضد الحرب أو العنصرية). لكن كل هؤلاء لا يتمسكون بأفكارهم ومفاهيمهم في الفراغ؛ إنهم يتأثرون بالنقاشات الدائرة في التنظيمات التي ينتمون لها، وفي وسائل الإعلام والقنوات التلفزيونية، إلخ.

يتناول جرامشي مثال “الإنسان البسيط” الذي لم تسنح له الفرصة لتطوير “تشكيله الفكري”، ويُستفز من قبل آخرين يعرفون أكثر منه. أيستوجب عليه أن يغيّر أفكاره ورؤاه “في كل مرة يفحمه فيها خصمٌ أيديولوجيٌ يتفوق عنه”؟ لن يفعل ذلك طالما عَلِمَ أن هناك آخرين في نفس مجموعته، يشاركونه نفس الأفكار والرؤى، يمكنهم كسب النقاش. يتذكرهم وهم يضعون رؤية المجموعة على نحو يتفوق على الرؤى المقابلة حتى “لو أن حجج هذه الرؤية ليست جاهزة بالفعل” (25).

لذا، فمن يتمسكون بالأفكار على مستوى معين يتأثرون بالطريقة التي تجري بها النقاشات على مستوى أعلى؛ أي أن “رجل الشعب” يتأثر بالحجج والنقاشات التي تدور بين النشطاء في نفس المجموعة، الذين يتأثرون بدورهم بالنقاشات التي تبثها وسائل الإعلام القومية، والمؤسسات البرلمانية، والتي تُقدم في الجامعات، إلخ. ومن يأمل كسب المعركة الأيديولوجية لابد ألا “يمل التكرار… والجدال من خلال طرح حجج وأشكال أدبية متنوعة”، وأن يعمل باستمرار وعلى الدوام لرفع المستوى الفكري لشرائح الشعب من خلال “نخب من نوع مختلف من المفكرين الذين يصعدون مباشرةً من قلب الجماهير، لكن يبقون على اتصال بهم” (26).

يرى جرامشي أن النقاشات والجدالات الدائرة في أعلى المستويات تجري بين “المثقفين العضويين” و”المثقفين التقليديين”. المثقفون العضويون هم من يغرسون أفكارهم في النضالات التي تخوضها طبقة معينة. أما المثقفون التقليديون، على العكس، يرون الصدام بين الأفكار فقط من منظور فكري دون اتصال بالصراعات المادية، بينما يحتفظون بالكثير من أفكار المجتمع القائم، وبالتالي يعمدون إلى تبرير هذا المجتمع مستندين إلى معرفتهم وهيبتهم في مواجهة أي تحديات لهذه الأفكار. لابد هنا على المثقفين العضويين أن يستمروا في هذه الجدالات دون إغفال اتصالهم المباشر بالنضال الطبقي.

مشكلة النظرية والممارسة
النضال من أجل الهيمنة هو إذن صراعاً بين رؤى مختلفة عن العالم تتنافس فيما بينها. لكن ذلك يمكن رؤيته كصراع لفرض “نماذج” مختلفة – كلٍ منها له روايته التي تبدو صحيحة مثل الأخريات. تلك هي الرؤية القديمة “النسبية” التي يتبناها مفكرو ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية وما بعد الماركسية (الذين أكاد أقول أنهم غير مفكرين). بعض هؤلاء سعوا لربط جرامشي بحمولتهم العتيقة من الأفكار، أضف إلى ذلك أن أحد أهم أعمال “ما بعد الماركسية” في منتصف الثمانينات، التي استخدمت المصطلحات الجرامشية (كتاب لاكالو وموفي “الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية”)، عمد إلى انتقاد جرامشي على أساس أن “مفهوم الهيمنة… يقدم منطق اجتماعي غير منسجم مع… الأقسام الرئيسية للنظرية الماركسية”.

هناك بعض العبارات الواضحة في “كراسات السجن” يمكن فهمها على نحو يبرر هذا الطرح النسبي. وفي رد فعله على ما رآه من مادية ميكانيكية في كتاب “المادية التاريخية” لنيقولاي بوخارين، عمد جرامشي في إحدى النقاك إلى القدح في “العالم الخارجي”. لكن بعض العبارات تتناقض ببساطة مع الكثير من المواضع التي يكتب فيها جرامشي عن المعرفة “الموضوعية”، ولابد من النظر إليها كرد فعل لفكرة أننا ندرك الواقع بشكل بسيط دون تعقيد بمجرد ملاحظته. اعتبر جرامشي أن المفاهيم التي تحدد كيف نلاحظ الواقع ينبغي أن توضع تحت الاختبار، وهكذا يشير مراراً وتكراراً إلى اختبار الممارسة، وهكذا أيضاً يشير إلى الماركسية بـ”فلسفة الممارسة”.

لقد انطلق من النقطة الثانية من “موضوعات عن فورباخ” لماركس:

“إن معرفة ما إذا كان التفكير الإنساني له حقيقة واقعية ليست مطلقاً قضية نظرية، إنما قضية عملية؛ ففي النشاط العملي ينبغي على الإنسان أن يثبت الحقيقة، أي واقعية وقوة تفكيرة ووجوده ووجود هذا التفكير في عالمنا هذا. والنقاش حول واقعية أو عدم واقعية التفكير المنعزل عن النشاط العملي إنما هو قضية كلامية بحتة” (28).

لذا جادل جرامشي بأن الأمر الوحيد الممكن في الحديث عن “الحقيقة” وعن “العالم الموضوعي” هو اعتبارهما من اكتشاف النشاط البشري (29):

“إن القيمة التاريخية لأية فلسفة تُقدّر بما اكتسبته من فاعلية “عملية” بأوسع معاني الكلمة. وإذا صح أن أية فلسفة هي تعبير عن مجتمع ما، فلابد أن تعود لتؤثر في هذا المجتمع تأثيراً إيجابياً وسلبياً معاً” (30).

بإمكان الثوريين اختبار دقة تحليلاتهم للعالم المادي فقط في خضم محاولاتهم لتغييره:

“يمكننا أن نطرح قضية وحدة النظرية والممارسة على النحو التالي: يمكن بناء نظرية استناداً إلى واقع محدد، نظرية يمكنها إذا ما توحدت مع العناصر الحاسمة في الواقع ذاته أن تعجّل العملية التاريخية الجارية، وأن تجعل الممارسة بكافة عناصرها أكثر تجانساً واتساقاً وفاعلية… وبالمقابل، إذا افترضنا وجود موقف نظري محدد، فإنه يمكن عندئذ تنظيم العنصر العملي اللازم لكي تتحول النظرية إلى واقع. توحُّد النظرية والممارسة عمل نقدي، تثبت الممارسة من خلاله عقلانيتها وضرورتها، وتثبت النظرية واقعيتها وعقلانيتها” (31).

قد يبدو ذلك وكأن جرامشي مقرباً إلى مدرسة “البراجماتية” في الفلسفة التي كانت نافذة التأثير في الولايات المتحدة منذ قرن مضى. وفقاً لهذه المدرسة، تتحدد حقيقة المقولة بجدواها العملية الفورية. في الحقيقة، كتب جرامشي أن “مفهوم اللغة الذي يتبناه البراجماتيون غير مقبول” (32).

المشكلة الواضحة في أي رؤية ضيقة للأفكار التي تستمد صحتها ومشروعيتها من النشاط العملي هو أنها تبرر كل ألوان الرؤى التي اعتبرها جرامشي خاطئة. الدين، على سبيل المثال، يمكن أن يكون مفيداً للناس الذين يوفر لهم نوع من الراحة الذهنية، وبالتالي أن يكون صحيحاً، أو أن يمكن اعتبار موسوليني صائباً نظراً لنجاحه، وجرامشي خاطئاً لأنه انتهى به الحال إلى السجن. رفض جرامشي أن تستمد النظرية والممارسة صحتهما من هذا المنظور الضيق والمحدود. بالنسبة إليه فإن الأمر المثير للتساؤل فعلاً هو التطور التاريخي للبشرية ككل.

“الإبداعات الفلسفية… ستثبت أنها “صحيحة تاريخياً” بالحد الذي تصبح فيه عامة وشاملة بشكل ملموس – أي تاريخياً واجتماعياً” (33). لكن يجب هنا تناول الأمر بالنسبة للبشرية ككل في تطورها التاريخي، وليس فقط بالنسبة لهذا الشخص أو ذاك، أو لهذه المجموعة أو تلك. “يعرف المرء ويدرك بموضوعية بقدر ما تكون المعرفة حقيقية للجنس البشري كله موحداً في نظامٍ ثقافي وحدوي واحد” (34).

ومثل هذا النظام الثقافي الوحدوي لا يمكن أن يأتي إلى الوجود إلا كنتيجة للنضال الطبقي العملي. “وعملية التوحيد التاريخي هذه تجري أثناء تلاشي التناقضات الداخلية التي تمزق المجتمع البشري”، وهذه التناقضات تنتج مجموعات ذات أيديولوجيات “عابرة” من خلال أصولها العملية. لذا فإن “النضال من أجل الموضوعية” هو نضال “للتحرر من الأيديولوجيات الجزئية والمضللة”، وهو نفسه “النضال من أجل التوحيد الثقافي للجنس البشري” (35).

هذه العملية تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك في العلوم الفيزيائية، حيث تكون للمصالح المادية المختلفة للناس تأثير مباشر أقل على النهج الذي يتبعونه:

“حتى الآن، قدم العلم التجريبي الأرضية التي على أساسها وصلت الوحدة الثقافية من هذا النوع إلى أقصى امتدادٍ لها… تم العثور على هذه العملية الموحدة التقليدية للواقع هنا في النشاط التجريبي للعالِم، وهي تُعد النموذج الأول للوساطة الجدلية بين الإنسان والطبيعة… والتي من خلالها يضع الإنسان نفسه في علاقة مع الطبيعة، ومن خلال وسائل التكنولوجيا يتعرف ويسيطر عليها” (36).

لكن حين يتعلق الأمر بفهم الجوانب الاجتماعية للواقع، فإن الاهتمامات والمصالح العملية للطبقات المختلفة تترجم نفسها إلى مناهج مختلفة للواقع، مع مثقفين مرتبطين بالطبقات المسيطرة غير قادرين أبداً على تجاوز الرؤى والأفكار الجزئية. وحينما يحاولون تعميم هذه الرؤى والأفكار الجزئية، يخلقون بالضرورة تصورات متناقضة عن العالم. ذلك لأن الماركسية هي نظرية الطبقة التي بمقدور نضالها وحده إنجاز توحيد الإنسانية، ذلك التوحيد القادر على التغلب على التناقضات التي تحيق بالأنظمة السابقة للفكر.

وهنا يمكننا أن نعتبر الحجة التي طرحها جرامشي قريبة للغاية من تلك التي قدمها جورج لوكاش، قبل نحو عشر سنوات، في مقالته “التشيؤ ووعي الطبقة العاملة” المُتضمنة في كتابه “التاريخ والوعي الطبقي”. جادل لوكاش بأن فلاسفة عصر التنوير لم يتمكنوا إلا من تقديم رؤى جزئية ومتناقضة عن العالم، ذلك لأنهم كانوا مرتبطين بطبقة صاعدة – البرجوازية – لم يتمكن نشاطها العملي من تجاوز نقطة معينة في مواجهة المجتمع الذي عاشت فيه، ولا في فهم تفاعلاته الداخلية. ويمكن تفسير ذلك بـ”التناقضات المفاهيمية” (37) للفكر البرجوازي، تلك التناقضات التي يمكن التغلب عليها فقط من خلال نظريات تستند إلى طبقة واحدة تناضل في القلب من الرأسمالية ضد جذورها الاستغلالية – الطبقة العاملة.

إن قدرة الماركسية على تقديم وجهة نظر ورؤية غير متناقضة للعالم يعني أنها قادرة أيضاً على فهم الحقائق الجزئية الموجودة في النظريات السابقة، وأن تُظهِر وتُبيّن لماذا ينتهي الحال بهذه النظريات إلى التناقض والزيف. وهذا يعني، أن الماركسية يمكنها أيضاً إثبات صحتها من خلال قدرتها على نقد الرؤى الأخرى للعالم، حتى حينما لا يبدو أن الممارسة تؤكد على نظرياتها. فالماركسيون غير مضطرين لانتظار الثورة العالمية حتى يثبتوا كل آراءهم ويبرروها.

يقدم جرامشي هنا مثالاً على كيفية تعامل الماركسية مع المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية الجديدة:

“إذا رغب أحدهم في الدفاع عن المفهوم النقدي (الماركسي) للاقتصاد، فينبغي عليه أن يصر بشكل منهجي على حقيقة أن الاقتصاد الأرثوذكسي لا يتعامل مع نفس المشاكل، وبكلمات أخرى؛ أن يوضح هوية المشاكل التي يتم التعامل معها، وأن يثبت أن الحل النقدي هو الحل الحاسم” (38).

هذا هو الطرح الذي اعتمد عليه ماركس في كتاباته إلى الاقتصاديين البرجوازيين “الكلاسيكيين” من قبله. لقد أشار، بشكل عابر، إلى العلاقة المتبادلة بين تطور أفكارهم واهتمامات ومصالح البرجوازية. وطالما أنها كانت طبقة تحاول عملياً تحويل المجتمع، فقد كانت قادرة على تطوير أفكار نظرية تقوّض الأساطير التي اختلقها ذلك المجتمع. لذا، فقد كتب ماركس عن السمات “العلمية” في العديد من أفكار آدم سميث. كانت تلك أفكاراً علمية بسبب اهتمام سميث البالغ بإثبات السيطرة الكاملة للعلاقات الرأسمالية في اسكتلندا، باعتباره هو من “فسر الغرور البرجوازي الصريح” (39)، مستخدماً “لغة البرجوازية التي كانت لا تزال ثورية، والتي لم تكن قد أخضعت لنفسها كل المجتمع والدولة، إلخ” (40). قاد ذلك آدم سميث لمحاولة فهم الروابط الداخلية بين الأقسام الاقتصادية (أو البنية الخفية للنظام البرجوازي) “لمحاولة اختراق فسيولوجيا المجتمع البرجوازي الداخلية” (41).

في المقابل، نجد هناك عناصر “ظاهرية” غير عملية في فكر سميث، وقد كان من الطبيعي أن تنشأ هذه العناصر طالما أنه لم يكن ينظر إلى الرأسمالية القائمة بأي قدر من نقد (يبرز التناقض بشكل أكبر في صيغتيّ سميث عن نظرية القيمة؛ الأولى مبنية على إنتاج القيمة من خلال العمل – والاستغلال ضمنياً – والأخرى تقوم على تقسيم العائدات المُنتَجة بالفعل). صارت هذه الأطروحات التبريرية غير العملية في موضع السيطرة مع بزوخ “الاقتصاد السياسي المبتذل” الذي يحصر نفسه في إطار توصيف المظاهر السطحية للسوق.

أما “رأس المال” لكارل ماركس، فهو يقدم نقداً يكمّل دراسة الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، ويكشف أيضاً عن الحدود والتناقضات الداخلية له ومن أين تأتي.

وبرغم أن الكثير من كتابات ماركس لم تكن قد نُشرت بعد وقتما كان جرامشي مستمراً في الكتابة، إلا أن جرامشي كان يسير على نفس المسار الذي اتخذه ماركس. بل أن جرامشي قد طوّر جزئياً أحد المكونات الهامة في العلاقة بين النظرية والممارسة. لقد أشار إلى العناصر المؤسسة لرؤية جديدة للعالم، الموجودة بالفعل في الحس المشترك لدى الجماهير، والمختلطة مع رؤى وأفكار أخرى. لكنه أيضاً قدم مسارين يمكن أن يحدث ذلك بهما.

أحد هذين المسارين، مذكوراً أعلاه، يتعلق بالوعي المتناقض، وقد أشار جرامشي في ذلك إلى “رجل الشعب” الذي يمتلك “وعياً نظرياً… واضحاً في ممارسته”. في المسار الآخر، كتب جرامشي في تناوله لتاريخ الفلسفة: “الأسبقية للممارسة، للتاريخ الحقيقي للتغيرات في العلاقات الاجتماعية. من هذه الممارسة وهذا التاريخ… تنشأ المعضلات التي كرّس الفلاسفة أنفسهم لحلها” (42). لكنه لم يذكر شيئاً عن كيفية تحوّل الممارسة إلى نظرية. وتطوير هذا المفهوم بشكل أكبر، ينبغي إضافة بعض المفاهيم الأخرى لماركس وإنجلز، ولواحدٍ من كثيرين من الماركسيين الروس الذي سقطوا في قبضة جوزيف ستالين – فالنتين فولوشينوف.

اللغة والأيديولوجيا والطبقة
شدد ماركس وإنجلز في “الأيديولوجيا الألمانية” (وهو واحد من الأعمال التي لم يتسن لجرامشي أن يطلع عليها، إذ لم يكن قد نُشر في ذلك الوقت) على أن “إنتاج الأفكار والمفاهيم والوعي مرتبطٌ في المقام الأول وبشكل مباشر بالنشاط المادي والاتصال المادي بين الناس، لغة الحياة الحقيقية. التفكير، الإقناع، يظهر التواصل المادي بين الناس في هذه المرحلة كتدفق مباشر للسلوك المادي” (44). اللغة، باعتبارها “الحقيقة الفورية لوجود الفكر”، هي بالضرورة أمر اجتماعي (45). “اللغة هي الوعي العملي الذي يتواجد من أجل الآخرين، ولهذا السبب هي موجودة أيضاً بالنسبة لي شخصياً. اللغة، كما الوعي، تنشأ فقط من الحاجة، من الضرورة، من الاتصال المباشر بالآخرين” (46).

لا يمكن فصل اللغة عن النشاط العملي؛ فطالما يشارك البشر في النشاط العملي سوياً، فهم بحاجة إلى التواصل فيما بينهم إيجاد التعبيرات الشفهية التي يستجيبون بها لأبعاد وتفاصيل هذا النشاط. وفي كل مرة تنشأ فيها أشكالٌ جديدة للنشاط العملي (سواء كانت مسألة إيجاد سبل جديدة لكسب العيش، أو صراعات جديدة بين مجموعات أو فئات اجتماعية، أو ما شابه) تولد تعبيرات لغوية جديدة (إعادة تفسير للقديمة) ومعها تنشأ طرقٌ جديدة لإدراك الواقع.

قام فولوشينوف (هو الآخر لم يطلع على “الأيديولوجيا الألمانية”) بتطوير مفهوم مشابه للعلاقة بين الممارسة واللغة والفكر، لكن بإسهاب أكثر في كتابين قيّمين للغاية – الماركسية وفلسفة اللغة، والفرويدية: نقد ماركسي – حيث جادل بأن اللغة تتطور في المواقف العملية الملموسة، والتي دائماً بطبيعة الحال ما تتطلب حواراً متبادلاً – يقول أحد الأشخاص شيئاً ليرد عليه آخر، وهكذا. في هذه العملية يبتكر الأشخاص كلمات جديدة ومفاهيم جديدة، غير مفصولة عن السياق العملي الذي يستخدمونهم فيه (47). لكن التغييرات في الاستخدام اللغوي يؤثر بالضرورة على وعي البشر، إذ أنهم يعبرون عن أفكارهم من خلال الحديث المتبادل. لذا، هناك صدامات دائمة بين محاولات الطبقات الحاكمة لتحديد كيفية تفكير الناس من خلال تثبيت “سمة أبدية فوق طبقية للإشارات الأيديولوجية”، والطريقة التي يعبر بها الناس عن التفاعلات فيما بينهم (48). هناك تفسيرات متناقضة لمفاهيم مثل “جيد”، أو “صحيح”، أو “صادق”، في المعاني التي يحاول المجتمع القائم فرضها على الناس، تفسيرات تصطدم بالطريقة التي يبدأ فيها الناس التعبير عن احتياجاتهم وخبراتهم.

على هذا النحو يطوّر فولوشينوف مفهوماً للوعي المتناقض شديد الشبه بذلك الذي بلوره جرامشي. لكن فولوشينوف ركز اهتمامه على الطرق التي تتسبب بها هذه التناقضات في الارتباك لدى الأفراد، حيث يتمزقون وينقسمون ذهنياً حول ما يمكنهم فعله وما يتوجب عليهم، ركز على ذلك أكثر مما أبدى من اهتمام بدور النضال الجماعي في بلورة الوعي، كما فعل جرامشي.

هناك الكثير من القواسم المشتركة الهامة بين تحليلات كلٍ من ماركس وجرامشي وفولوشينوف، وبعض التطويرات التي قام بها لودفيج فيتجنشتاين في الفلسفة اللغوية (49). رأى فيتجنشتاين أن الطريقة التي يعبر بها الناس عن خبراتهم باستخدام اللغة الدارجة تتصادم مع محاولات تثبيت المعنى، بينما استنتج أن الأخيرة محتومة بالفشل، وأن من الضروري تقبل أن الناس يفسرون العالم من خلال “ألعاب اللغة” المختلفة. الأمر ببساطة هو أن نوعاً من “التشنج الذهني” قد أصاب الفلاسفة وأدى بهم ليفكروا على عكس ذلك. كل ذلك جعل العناصر الأساسية في طرح فيتجنشتاين مقبولة لدى مفكري ما بعد الحداثة وما بعد الماركسية. وعلى العكس، يرى الطرح الذي قدمه ماركس، ومن بعده جرامشي وفولوشينوف، “ألعاب اللغة” هذه كرد فعل على اختلاف الأنشطة الاجتماعية للطبقات المختلفة في ظل مجتمع استغلالي. واحدة من أشهر التصورات عن “ألعاب اللغة” لدى فيتجنشتاين تتضمن أناساً يستخدمون كلمات للتواصل فيما بينهم وكأنهم يحركون ألواحاً من حجر (50). لكن ما أغفله في الحقيقة هو المعاني المختلفة التي قد يقصدها الناس بهذه الكلمات لو أن أحدهم صاحب عمل والآخر مُستعبَد لصالحه.

يتضح في تحليلات جرامشي وفولوشينوف وماركس وإنجلز، بدرجات مختلفة، رؤية للوعي متواجداً على مستويات عدة (51). حينما يقوم الأفراد بأي أفعال، يكون لديهم إدراك حقيقي، لا يمكن أن يكون خاطئاً، ينعكس في اللغة التي يعبرون بها عن أفعالهم وعن ذلك الجانب من العالم الذي يلمسونه ويحتكون به (بافتراض أنهم لا يعانون الهذيان أو الهلاوس). إلا أن فوق هذا الإدراك اللحظي، هناك وعياً عاماً وأشمل يولد من أيديولوجية المجتمع القائم التي تحاول وضع الخبرات الراهنة لدى الناس في إطار يفسر صلتهم بالعالم ككل بشكل معين. هذا ما يسبب التناقضات داخل الوعي؛ حيث تقول الأيديولوجيا القائمة شيئاً عن حياة الناس، بينما يدفعهم نشاطهم الراهن لقول شيئ آخر مختلف تماماً – شيء لديه الفرصة ليتطور إلى مفهوم شامل جديد عن العالم.

في المجتمع الرأسمالي، فإن الطبقة التي تُستخلص منها القيمة من خلال الاستغلال، والتي تتناقض خبراتها مع الأيديولوجيات القائمة، هي التي تُدفع للتمرد دورياً، وخلال ذلك تطوِّر جنيناً لمفهوم مختلف عن العالم. إلا أن وعي أبناء هذه الطبقة متناقض في ذاته، إذ أن نشاطهم العملي مبني على المجتمع القائم (وعملهم يجعله مستمراً)، وفي نفس الوقت مدفوعٌ لمعارضته. وإدراك ذلك يعتمد بالطبع على إدراك أن العمل هو الذي ينتج القيمة، وأن ديناميكية المجتمع الرأسمالي تصطدم على الدوام بآمال أولئك الذين يقدمون قوة عملهم.

لذا، رأى جرامشي “العلاقة بين العامل وقوى الإنتاج الصناعي” كـ”مركز وحدوي” في الاقتصاد (52). وهذا، بالمناسبة، هو ما دفع لاكلاو وموفي، في محاولتهم لـ”تجاوز” جرامشي في اتجاه الإصلاحية، لانتقاده على “تأصيل” دور الاقتصاد، على الاعتقاد بأن “الاقتصاد يقوّض إمكانات المجتمع في إعادة تركيب الهيمنة”، وأنه يقع في فخ وجهة النظر التي ترى “الاقتصاد كمساحة هيمنة موّحدة بقوانين ضرورية” (53).

إن فهم جرامشي للطبقة العاملة، كمفعول به في عملية الاستغلال الرأسمالي، التي تبدأ في الانقلاب عليه (أن تصير فاعلاً)، يعني أنه كان مصراً – بعكس مفكري ما بعد الماركسية الجرامشيين – على أن الأفكار الماركسية لا تتناقض مع المفاهيم الناشئة في أوساط الجماهير:

“وهنا يثور سؤال نظري جوهري: هل يمكن أن تتعارض النظرية الحديثة (أي الماركسية) مع عفوية (تلقائية) الجماهير؛ (تلقائية بمعنى أنها… تشكلت من خلال التجربة اليومية التي يضيؤها الحس المشترك…) إنها لا يمكن أن تتعارض معه. فالاختلاف بينهما اختلاف “كمي” في الدرجة وليس اختلافاً نوعياً. ويمكن “رد” أحدهما إلى الآخر، إذا جاز التعبير” (54).

في أحد مواضع “كراسات السجن” يقدم جرامشي تفسيراً لما يعنيه بذلك، مشيراً إلى حركة تورين 18 – 1920، والتي اتُهمت بـ”العفوية” والإرادوية”:

“كانت قيادة الحركة خلّاقة وسليمة. لم تكن قيادة نظرية مجردة، بل كانت تتعامل مع أناس حقيقيين شكلتهم علاقات تاريخية محددة، ولهم مشاعرهم ووجهات نظرهم الخاصة ورؤاهم المجزئة للعالم، إلخ، التي كانت نتاجاً لتوليفات تشكلت عفوياً وتلقائياً تجمع ما بين وضع معين للإنتاج المادي وتجمعاً عشوائياً لعناصر اجتماعية متفرقة داخله.

لم يُهمل عنصر العفوية (التلقائية)، ولم يكن من باب أولى موضع ازدراء، بل هُذّب ووُجّه وطُهّر من الشوائب التي تلوثه، وذلك بطريقة حية وفعّالة تاريخياً، ليلائم النظرية الحديثة (الماركسية)… لقد زوّدت هذه العفوية الجماهير بوعي “نظري” بأنها خالقة قيم تاريخية ومؤسسية وبأنها مؤسسة لدولة جديدة” (55).

هذا هو التفسير الذي يجب أن يُتَّبع كمرشد لكل ثوري يبغي المساهمة في بناء حركة اشتراكية مهيمنة في القرن الحادي والعشرين.

هوامش:
(*) يذكر هنا عادل غنيم، مترجم “كراسات السجن” إلى اللغة العربية، أن جرامشي هنا يشير إلى الأطروحة الحادية عشر من أطروحات ماركس حول فيورباخ التي تعني أن الفلسفة هي نشاط اجتماعي/ عملي يُحدّد فيه كلٌ من الفكر والفعل – المترجم.
(1) هذه الكتابات مجموعة سوياً بالإيطالية في “Il Materialismo Storico e la Filosofia de Benedetto Croce”، ومُتضمَّنة أيضاً في Further Selections from the Prison Notebooks (London,” 1995), pp.498, 524″.
(2) PN2, p.497.
(3) PN2, p.527.
(4) PN2, p.589.
(5) Peter Ives, Language and Hegemony in Gramsci (London, 2004), p.30.
(6) PN2, p.507.
(7) انظر: كريس هارمان، “جرامشي ضد الإصلاحية”.
(8) المصدر السابق.
(9) PN1, p.101.
(10) فلاديمير لينين، “ما العمل؟”.
(11) المصدر السابق.
(12) رؤية جرامشي في هذا الموضوع ليست من ابتداعه الخالص، فنفس الرؤية واضحة في بعض تعليقات لينين، وأيضاً في كتابات الشيوعي “اليساري” الهولندي أنطوني بانيكوك.
(13) استخدام مصطلح “كتلة” هنا يُعد نقطة ضعف في صياغات جرامشي. فهو مُشتق جزئياً من منظّر النقابوية الفرنسي جورج سوريل. لكنه أيضاً يعكس الرؤى التي طرحها جريجوري زينوفيف ونيقولاي بوخارين في منتصف العشرينات، بعد وفاة لينين، التي شددت على “التحالف” بين الطبقة العاملة والفلاحين والبرجوازية الصغيرة، والبرجوازية “الوطنية” في البلدان المُستعمَرة، بدلاً من قيادة الطبقة العاملة لبقية الطبقات.
(14) PN1, p.626.
(15) PN1, p.627.
(16) PN1, p.627.
(17) PN1, p.631.
(18) PN1, p.631.
(19) PN1, pp.641-642.
(20) PN1, p.641.
(21) PN1, p.641.
(22) PN2, p.548.
(20) جرامشي – كراسات السجن، صـ 350 – ترجمة عادل غنيم، دار المستقبل العربي.
(23) انظر: قسم “العفوية والقيادة الواعية” – الجزء الأول من كراسات السجن.
(24) PN1, p.644.
(25) PN1, pp.650-651.
(26) PN1, p.652.
(27) Ernesto Laclau and Chantal Mouffe, Hegemony and Socialist strategy: Towards a Radical Democratic Politics (London 1985), p.3.
(28) كارل ماركس، “موضوعات عن فورباخ”.
(29) قد تبدو بعض صياغات جرامشي تتساءل حول حقيقة العالم بمعزل عن تصوراتنا عنه، بنفس الطريقة التي يستخدمها الما بعد حداثيون. ولكن في نفس المسار يوضح أنه يرى هنالك شيئاً حقيقياً متماشياً مع المعرفة البشرية. أشار جرامشي أيضاً، في إحدى هوامشه، إلى أن جورج لوكاش، في رؤيته للديالكتيك موجوداً في التاريخ وليس في الطبيعة، قد يقع بذلك في “شكل من أشكال المثالية” (PN1, p.811).
(30) PN1, p.661.
جرامشي – كراسات السجن، صـ 362 – ترجمة عادل غنيم، دار المستقبل العربي.
(31) PN1, p.688.
المصدر السابق، صـ 378.
(32) PN1, p.663.
(33) PN1, p.663.
(34) PN1, p.807.
(35) PN1, p.807.
(36) PN2, p.432.
(37) تأتي الكلمة من مسار أساسي لدى كانط في “تقد العقل الخالص”، حيث تُستخدم لوصف كيف أن الفلاسفة الذين ينطلقون من المنطلقات نفسها يُدفعون لاستخلاص استنتاجات متناقضة في محاولتهم لفهم السمة والطابع الأساسي للحقيقة.
(38) PN2, p.314.
(39) Karl Marx, Theories of Surplus Value, volume 1 (Moscow 1963), p.279.
(40) As above, p.291.
(41) As above, p.202.
(42) PN2, pp.537-538.
(43) نُشر “الأيديولوجيا الألمانية” للمرة الأولى في 1932. لم يكن جرامشي بمقدور جرامشي في السجن الاطلاع على المجدات الكبيرة لـ”رأس المال” في السجن. لكن من المحتمل أن يكون قد تلقى بعض المفاهيم المُتضمنة في “الأيديولوجيا الألمانية” من بيرو سرافا.
(44) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، “الأيديولوجيا الألمانية”.
(45) المصدر السابق.
(46) المصدر السابق.
(47) Valentin Voloshinov, Discourse in Life and Discourse in Art, in Freudianism, a Critical Sketch (Indiana, 1987).
(48) Valentin Voloshinov, Marxism and the Philosophy of Language (Cambridge, MA 1986), pp.14, 24, 29.
(49) من المطروح أن أفكار جرامشي حول اللغة كان لها بعض التأثير على فيتجنشتين عن طريق بيرو سرافا الذي كان صديقاً لكلٍ منهما.
(50) Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations, p.3.
(51) والذي يشبه، بطريقةٍ ما، التفريق الذي طرحه هيجل في “ظواهر العقل”.
(52) PN2, p.52.
(53) انظر المصدر السابق.
(54) PN1, p 432.
جرامشي – كراسات السجن، صـ 208 – ترجمة عادل غنيم، دار المستقبل العربي.
(55) PN1, p 431.
المصدر السابق، صـ 208.

* المقال باللغة الإنجليزية منشور في ربيع 2007، هنا

التعليقات