بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الماركسية: هل يمكن تجاوزها؟ (الجزء الثاني)

كارل ماركس

في الجزء الأول، عرض الكاتب أحد منابع الماركسية الرئيسية في “المادية الجدلية” في إطار الإجابة عن مدى ارتباط وصلاحية كل من الأجزاء الثلاثة لمصر عام 2016. واليوم نضع بين أيديكم الجزء الثاني الذي يتناول “المادية التاريخية”.

المادية التاريخية
تنطلق المادية التاريخية من كون الناس هم منتجو التاريخ ومحركوه. قبل ماركس كان يُنظر للتاريخ، كما سبق وأشرنا، كعملية يحركها القادة والعظماء بأفكارهم. لكن ماركس وإنجلز قد رأيا أن الناس هم محركو التاريخ من خلال عملية مستمرة من إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الحقيقية المادية (أي إنتاج الإنسان لوسائل بقائه من مأكل وملبس ومأوى قبل ممارسته للفلسفة والسياسة والفن). وقد رأيا أيضًا أن البشر لابد وأن ينتظموا في تجمعات بشرية للقيام بهذه العملية.

إذن فإن أساس أي مجتمع هو الإنتاج وكيفية تنظيم الإنتاج، وأن النظام الاجتماعي الاقتصادي للمجتمع (نمط الإنتاج) يتألف بشكل رئيسي من قوى الإنتاج (وهي كل شيء يستطيع به المجتمع أن ينتج سواء موارد أو تكنولوجيا أو قوة عمل)، وعلاقات الإنتاج (وهي العلاقات الاجتماعية التي يلتزم بها الإنسان ويرتبط من خلالها بعملية الإنتاج – سواء عامل أو رأسمالي أو غير ذلك). كما لاحظ ماركس وإنجلز وجود تناقض بين نمو قوى الإنتاج المتزايدة طبقًا لتنامي احتياجات البشر وبين علاقات الإنتاج بشكل قد لا تستوعبه علاقات الإنتاج إلى حد يحدث عنده التحوّل. ومثالٌ لذلك هو التحوّل من الإقطاعية إلى الرأسمالية، فأمام تزايد المصانع والمعامل الصناعية الصغيرة وتنامي الحاجة لقوة العمل؛ أصبحت عندئذ علاقات الإنتاج الإقطاعية لا تفي باحتياجات النظام الصاعد الجديد (الرأسمالية) لينتهي عهد (الإقطاعي/ القن) ويبدأ عهد (الرأسمالي/ العامل).

إن تتبع هذا التناقض المشار له في الفقرة السابقة يفسر ديناميكية التاريخ والاضطهاد كجزء من المجتمع ككل. ولنحاول في الفقرة التالية تتبع هذه العملية لنرى كيف تفسر الماركسية اضطهاد المرأة كمثال.

يخبرنا علماء الاجتماع والمتخصصون في علم الإنسان أن البشر في المجتمعات البدائية انتظموا في تجمعات مكونة من 40 أو 50 فردًا يعيشون على جمع والتقاط الثمار، وأن تقسيم العمل بين الرجل والمرأة لم يُلاحظ في هذه المجتمعات، وبالتالي لم يشهد هذا النظام الاجتماعي أي فروق بين النساء والرجال إذ لم تختلف المرأة عن الرجل من حيث موقع كليهما في عملية الإنتاج، وحتى بعد أن اكتشف الإنسان الزراعة لم تنقسم الأدوار بين الرجل والمرأة بشكل فوري، لكن بعد سنوات من نشأة المجتمعات الزراعية، ومع ازدياد احتياجات الإنسان وظهور الحاجة للعمل بانتظام في الحرث والزراعة وتربية الحيوانات، ظهرت الحاجة إلى زيادة أفراد المجتمع عددا، بمعنى آخر صار عدد أفراد المجتمع عاملًا هامًا ورئيسيًا من أجل الإنتاج. هذا هو المقصود من نمو قوى الإنتاج (قوة عمل لعدد أكبر من أفراد المجتمع) بشكل لا تستوعبه علاقات الإنتاج، إذ أدت هذه العملية إلى زيادة معدل المواليد في المجتمع الزراعي عن معدل المواليد في سابقه من المجتمعات البدائية.

وبالتالي أدى ذلك التغيير إلى انسحاب المرأة جبرا من أماكن العمل (الحقول) لتؤدي دورا في إعادة الإنتاج وهو تربية الأطفال وتنشئة ذرية تعمل في الزراعة، وقد تزامن هذا مع صعود الانقسام الطبقي في المجتمعات الزراعية بين أكثرية فلاحية وقلة مسيطرة تتحكم وتدير فائض ما ينتجه المزارعون، ولذلك فإن غياب المرأة عن مواقع اتخاذ القرارات الخاصة بعملية الإنتاج وضعها على هامش المجتمع ثم لتتشكل مجموعة من الأفكار المحافظة والناظرة للمرأة على كونها ذات دور ثانوي فوق هذا الأساس المادي، وقد علّق إنجلز على ذلك بأنه “أول هزيمة للمرأة في التاريخ”.

إذن فالأساس المادي الذي أبعد المرأة عن عملية الإنتاج بشكل رئيسي هو ما منح الرجل هذه الأسبقية، أو بالأدق، هو ما تشكّل فوقه جذور اضطهاد المرأة لآلاف السنين لاحقًا.

إذا انتقلنا لمرحلة تاريخية لاحقة يمكننا تتبع نفس الديناميكية التي تفسر الاضطهاد وتفسر أيضًا كيف أن المساحة التي يكسبها أي مضطهد تظل محدودة بالأساس المادي والبنى الفوقية، وتجلّى ذلك في فترة الحرب العالمية الثانية مع خروج ملايين الرجال للحرب كجنود؛ كانت الحاجة الملحّة لقوة عمل ملايين النساء في الصناعات المختلفة وحتى في صناعة الأسلحة، وقد شكلت هذه المرحلة عودة للمرأة لأماكن العمل، وهذا ما فتح آفاقا جديدة لقضية المرأة وظهور حركات للمطالبة بحقوق المرأة.

لكن لا يفوتنا أن نشير إلى أن عناصر البنى الفوقية تمارس تأثيرها؛ ففي بلد مثل بريطانيا اليوم تصل فيها نسبة المرأة العاملة إلى 50% من إجمالي قوة عمل المجتمع، إلا أنها لا تزال تعاني تهميشًا في الأدوار القيادية والتمثيل البرلماني وذلك ليس لانعدام كفاءة المرأة أو نقص خبراتها العملية، لكن يرجع ذلك بشكل رئيسي للصورة المحفورة في عقول أفراد المجتمع، حتى في عقول بعض النساء أنفسهن، عن المرأة كعنصر هامشي.

إن تلك الأفكار حول المرأة تعاني منها النساء جميعا سواء المرأة في الطبقة البرجوازية أو في الطبقة العاملة أو غيرها من الطبقات. وفي مجتمعنا المصري، اكتسبت المرأة مساحات في أماكن العمل (محدودة بالطبع) لكن يجدر الإشارة إلى أنها مدفوعة بهذا الأساس المادي. فنساء الطبقة العاملة يخرجون لعملهم صباحًا مساءً طلبا للرزق الذي لم يعد الرجل المصري قادرًا على جلبه وحيدا، وبالتالي فإن النتيجة الطبيعية هي ذوبان قسم من الأفكار المحافظة لتتغير صورة المرأة من امرأة تنظر للشارع من خلف أستار شباك حجرتها إلى امرأة تشق طريقها وسط زحام المارة وتناقش زملاءها في العمل وتُحمل على الأكتاف للهتاف في المظاهرات.

وما تطرحه الماركسية لحل قضية اضطهاد المرأة ليس قتالا بين المرأة والرجل حتى تتقدم المرأة الصورة تاركة خلفها الرجل على الهامش، وإنما ما تطرحه الماركسية هو النضال المشترك للمرأة العاملة بجنب الرجل العامل حتى تعود المرأة إلى موقعها الطبيعي في علاقات الإنتاج دون تمييز أو تقسيم للأدوار. وهذا يخالف ما يفهمه الكثيرون على أن الماركسية تهدف فقط لثورة اشتراكية تكون إحدى نتائجها حل قضية المرأة تلقائيا، بل على العكس فإن الماركسية تدرك نوعية قضية كل مضطهد لكن انطلاقا من الأساس المادي للاضطهاد وما يُبنى فوقه من أفكار وقوانين وتقاليد واعتقادات.

إذن فلا يمكن حل قضية المرأة دون النضال جنبًا إلى جنب مع الرجل في صفوف الطبقة العاملة ضد طبقة مستغلة تكسب من كليهما: فالرجل عامل ومنتج في أماكن العمل، والمرأة عاملة ومنتجة في أماكن العمل مقابل أجر وأيضًا قائمة بعملية إعادة الإنتاج في المنزل دون أجر لكن في مقابل مجموعة من الأفكار المحافظة تشوه سمعتها إذا ما أخلت بدورها.

تابعونا في الجزء الثاني من المقال نناقش نقد الاقتصاد السياسي.

   

التعليقات