بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الماركسية: هل يمكن تجاوزها؟ (الجزء الثالث)

karl-marx-7

في الجزء الأول والجزء الثاني، شرح الكاتب مفهومين من منابع الماركسية الرئيسية حول المادية الجدلية والمادية التاريخية، واليوم يحلل الجزء الثالث المفهوم الأخير حول نقد الاقتصاد السياسي وكيف يمكن أن تكون الماركسية بديلا عن النظام الرأسمالي وأزماته الاقتصادية المتتابعة.

نقد الاقتصاد السياسي
إنه من العبث أن نجًمل أفكار كارل ماركس الاقتصادية في مجموعة من المقالات أو حتى الكتب، لكن حتى نوافق هدف المقال نلقي الضوء على فكرتين أساسيتين: الأولى هي إجابة ماركس عن سؤال “من أين يأتي الربح؟” والثانية هي مفهوم جوهري آخر يقع في مركز نقد الماركسية للاقتصاد السياسي الرأسمالي وهو ميل معدل الربح للانخفاض.

أولا، وبخصوص “من أين يأتي الربح؟”، فإنه حين يبيع الرأسمالي السلع والخدمات فإنه يستعيد ما أنفقه على المواد الخام والآلات اللازمة لإنتاج هذه السلع، أي أن ما ينفقه الرأسمالي على المواد الخام والآلات (وهو ما أسماه ماركس بالعمل الميت) لا يعود على الرأسمالي لا بالمكسب ولا الخسارة. بينما هناك مدخل آخر من مدخلات الإنتاج وهو قوة عمل العامل (العمل الميت حسب تسمية ماركس أيضا). ويستأجر الرأسمالي قوة العمل من العامل مقابل أجر.

خلال المدة التي يعملها العامل (8 ساعات) يضيف فيها قيمة للمنتج النهائي. وهنا ملاحظة هامة؛ فالعامل يحتاج لقيمة تكفي لتجديد نشاطه بدنيا واجتماعيا ليعاود العمل في اليوم التالي وهذه القيمة (الأجر) تقل عن القيمة التي يضيفها العامل للمنتج النهائي. بمعنى آخر؛ فإن أغلبنا من العاملين بأجر ننتج قيمة تساوي ما نتقاضاه من أجر خلال الساعتين أو الثلاث ساعات الأولى من يوم العمل، بينما تذهب باقي ساعات العمل (القيمة التي نخلقها في هذه الساعات) إلى الرأسمالي بشكل خالص. لم ولن يحدث يوما أن قام رأسمالي بالإشارة للعمال في مصنعه أو شركته بأن “توقفوا عن العمل وشكرا لكم فقد أنتجتم ما يساوي أجوركم ولا داعي للعمل باقي اليوم”. وهذا الفارق في القيمة بين ما يخلقه العمل الحي وبين ما يتقاضاه من أجر هو ما أطلق عليه ماركس (فائض القيمة)، وهو أساس كل ربح. ولذلك فلا هَم للرأسمالي سوى أن يستخلص فائض القيمة من العمال بأقصى درجة ممكنة لتحقيق الأرباح، ولذلك لا شك أن النظام الرأسمالي هو نظام يقوم ويبقى على الاستغلال.

إذن من هنا يأتي الربح؟
ثانيا؛ فإن الرأسماليين يتنافسون في سوق لا يحكمه سوى الربح، ومن أجل كسب المنافسة يسعى كل رأسمالي إلى زيادة إنتاجية العمال (ليستخلص أكبر فائض من القيمة كما أشرنا سابقا). ووسيلة الرأسمالي في ذلك هي زيادة الاستثمار في الآلات والحواسيب (وسائل الإنتاج) ويؤدي ذلك إلى زيادة الاستثمار في وسائل الإنتاج بالنسبة للأجور (أي نسبة ما يضعه الرأسمالي من استثمار في وسائل الإنتاج إلى ما ينفقه على الأجور تتزايد)، وحين ينمو الاستثمار أسرع من قوة العمل فإن ذلك يعني أن الاستثمار ينمو أسرع من خلق قيمة جديدة (والتي يخلقها العمال) والربح هو ناتج هذه القيمة الجديدة. باختصار يؤدي ذلك كله إلى دفع معدل الربح نحو الانخفاض بالنسبة للطبقة الرأسمالية ككل.

إن ميل معدل الربح للانخفاض هو سبب كل أزمة اقتصادية في الرأسمالية. وفي مصر حيث ترتبط الرأسمالية المصرية بالرأسمالية العالمية في علاقة السيد وتابعه. وحيث أن طبيعة تكوين الرأسمالية المصرية التي بدأت بالباشوات إقطاعي الأمس وشركاء مندوبي الإمبريالية من بعد، والتي تنتهي اليوم بطغمة من كبار الضباط ورجال الدولة والأعمال ينوبون عن نفس الإمبريالية بل أشد في استغلال وبيع الأرض والجماهير؛ فإنه لابد وأن تصيبنا الأزمة التي يعانيها العالم كله. ولذلك فإن سعي النظام الحاكم من خلال خطابه الرسمي الداعي للتقشف أو خطابه الإعلامي المؤيد والمزيف أو من خلال القبضة الأمنية للسيطرة على الجماهير وإجبارهم على الاستمتاع بالفقر؛ فإن ذلك كله لا يعد كونه انعكاسا لنظام مأزوم صنعت أزمته جشع الطغمة الحاكمة وسعيها للمزيد من الربح، وتسعى لرأب الصدع على حساب ملايين من الجماهير الكادحة المنتجة.

إن إجراءات التقشف وإلغاء الدعم هي عملية سرقة منهجية يريد بها النظام أن يملأ خزانة أفرغها لصوص الحكم، بعد أن اصطدمت الرأسمالية المصرية بحقيقة ميل معدل الربح للانخفاض المسبب للأزمة. وليس ذلك فقط؛ بل إن ما يُطرح من حلول، سواء من جانب النظام أو من جانب بعض المحللين، لا يحوي حلا جذريا للأزمة وإنما تدور هذه الحلول في دائرة من إنعاش الاقتصاد المصري بحزمة من القروض والمساعدات أو حتى خطط للتنمية تصب في مصلحة الطبقة الرأسمالية خالقة الأزمة نفسها.

يقول ماركس أنه “إذا قل الربح؛ زاد الاحتيال”. وهذا مبنيا على مفهومه لميل معدل الربح للانخفاض، وهذا أيضا ما يعيشه المواطن المصري ويختبره يوميا. فالمعاملات البنكية وأسعار صرف العملات ومفاوضات أصحاب العمل لتقليص أجور العاملين هي عمليات احتيال ناعمة يصاحبها عمليات من الاحتيال الإجرامي والسرقة بالإكراه للعمال إذا ما طالب الأخيرون بحقوقهم.

تنطلق الماركسية مرة أخرى من موقع الطبقة العاملة كمنتجة للثروة لا تملك وسائل إنتاجها فتضطر لبيع قوة عملها للرأسماليين. ولذلك تطرح الماركسية ضرورة سيطرة العمال على وسائل الإنتاج كحل ينهي الاستغلال ويوجه الإنتاج نحو الحاجة لاالربح والمنافسة عليه.

خاتمة
حاولت هذه الأجزاء أن توضح كيف أن الماركسية في 3 من أهم علومها قد انطلقت من الإنسان المنتج العامل، وقدمت تحليلا للمجتمع وللتاريخ وللاقتصاد من موقع الطبقة العاملة، وأيضا قدمت تصورا لحل التناقضات والأزمات بهدف تحرير الطبقة العاملة لنفسها بنفسها.

إن القارئ لأعمال روزا لوكسمبورج ولينين وتروتسكي، وغيرهم من العلامات الفارقة في تاريخ النضالات الجماهيرية، يرى كيف تتجلى في أعمالهم مباديء ومفاهيم الماركسية في التحليل والنقد والممارسة الثورية، وكيف اتخذوا مواقف ثورية أثبتت صحتها استنادا لفهم عميق للماركسية الثورية. وكيف أن الماركسية بفروعها المعرفية قدمت إجابات لأسئلة تظل معلقة دون جواب في إديولوجيات أخرى (النظرية الحدية في الاقتصاد لم تجب عن سؤال من أين يأتي الربح). ولذلك فإن ما حاول هذا المقال توضيحه هو حاجة المناضلين والنشطاء وكل من يطمح للتغيير للإطلاع على الماركسية ومناقشتها بل وتبنيها؛ فهي دليل عمل ثوري ونظرية في التحليل والنقد لا غنى عنها لكل من يتطلع لتغيير الواقع الحالي بما يحمله من فقر ومرض واستغلال واضطهاد صنعتهم طبقة حاكمة من معاناة طبقة كادحة هي نقطة انطلاق الماركسية نظريةً وممارسة.

كيف تتجاوز الماركسية وهي تحرر الإنسان انطلاقا وهدفا؟!

   

التعليقات