بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دفاعاً عن المركزية الديمقراطية

تقديم:
في هذه المقالة يرد الاشتراكي الثوري البريطاني كريس هارمان على الأطروحات التي قدمها الناشر والمفكر اليساري ريتشارد كوبر، والتي انتقد بها مبدأ المركزية الديمقراطية الذي ترتكز عليه الأحزاب اللينينية الثورية كآلية لتنظيم العمل الحزبي ولضمان وحدته.
وبالرغم من أن تلك المقالة قد نُشرت لأول مرة في مجلة السوشياليست ريفيو، التي يصدرها حزب العمال الاشتراكي البريطاني، في يوليو 1978، إلا أن نفس السجال بين من يدافعون ومن ينتقدون المركزية الديمقراطية، لا يزال قائماً إلى اليوم في أوساط اليسار المصري، والعالمي أيضاً. وهذا بالذات ما دفعنا لترجمة تلك المقال لما تتميز به من أهمية لليسار الثوري اليوم؛ إذ أن الانتقادات الموجهة للمركزية الديمقراطية اليوم، من قبل الكثيرين من مروّجي “تجديد اللينينية”، هي بمثابة تنويعات على نفس اللحن الذي كان ريتشارد كوبر يتغنى به طوال السبعينات من القرن الماضي.
(المترجم)

——————————————————–

تستند أطروحات ريتشارد كوبر على سبع انتقادات رئيسية يوجهها لمبدأ المركزية الديمقراطية. وبالرغم من أن انتقادات كوبر قد تبدو، للوهلة الأولى، بديهية وغير قابلة للشك، إلا أنها في الحقيقة ليست فقط خاطئة تماماً، بل خطيرة أيضاً. وسأبدأ الآن في تفنيد ومناقشة كل انتقاد على حدا.

1) الديمقراطية تتعارض مع المركزية والعكس
هذا الطرح القديم قد بُعث مجدداً إلى الحياة في ظل الأزمة التي تهيمن على اليسار الثوري في العالم. ويُذكر أن آلان كريفين، عضو عصبة الشيوعيين في فرنسا، قد قال في حوار أجري معه في العدد قبل السابق في المجلة التي تصدرها العصبة، أن.. “مبدأ المركزية الديمقراطية يتكون من كلمتين تناقض إحداهما الأخرى”.

لكن شعبية الفكرة ورواجها لا يعنيان أنها صحيحة؛ فالديمقراطية هي وسيلة تستطيع المنظمة الثورية من خلالها اتخاذ القرارات، وهذه القرارات تكون منطقية ومفهومة فقط إذا ربطت أعضاء تلك المنظمة بعضهم ببعض. أما إذا لم تربط القرارات أعضاء المنظمة ببعضهم، فلا يمكن أن يتم تنفيذها.

إذا كانت أقلية من عضوية منظمة ما، تستطيع بسهولة تجاهل إرادة وقرارات أغلبيتها، فما الداعي إذن أن يكونوا سوياً (الأقلية والأغلبية) في منظمة واحدة؟ ولماذا يُبذل كل ذلك الجهد في إجراء الانتخابات وحساب التصويت، إلخ؟. لذلك فلا يمكن أن يتم تنفيذ الديمقراطية بدون وسيلة تضمن طاعة وقبول قرارات أغلبية أعضاء المنظمة الثورية. وعندما ينضم أعضاء جدد لمنظمة ديمقراطية، فإنهم بالتأكيد يتخلون عن جزء من حريتهم في الحركة والنشاط لصالح عملية تُتخذ فيها القرارات بشكل مركزي، حتى وإن كانت المنظمة لا تسمي نفسها “مركزية ديمقراطية”.

إنه لمن غير المعقول أن نصف تخلي المرء عن جزء من حريته في العمل الجماعي أنه أمر غير ديمقراطي. بيد أن الديمقراطية نفسها تعتمد على “تقييد وتحديد” الحرية الفردية لصالح القرارات التي تتخذها الأغلبية، وبكلمات أخرى: لا يمكن أن تُنفذ الديمقراطية بدون مركزية. وبالطبع هناك العديد من الأشكال التي قد تتخذها المركزية ويتم تطبيقها بها. فيمكن أن تكون من خلال صناديق الاقتراع حيث يقوم كل أعضاء المنظمة الثورية بالتصويت على القرارات، وقد تكون من خلال الاجتماعات الواسعة التي يبدي فيها الأعضاء آراءهم، أو من خلال انتخاب قيادة مركزية مخولة باتخاذ القرارات اليومية. هذه الأشكال تختلف بوضوح عن بعضها، لكن كلها بالتأكيد ديمقراطية ومركزية أيضاً.

كما أنه بقدر ما تفتقد المنظمة الثورية المركزية والوحدة في اتخاذ القرارات، فهي تفتقد الديمقراطية أيضاً بنفس القدر. والحركة العمالية العالمية غنية بالأمثلة التاريخية لمنظمات غير مركزية، وبالتالي غير ديمقراطية بالمرة.

على سبيل المثال، في ألمانيا في بداية الحرب العالمية الأولى، قام الحزب الاشتراكي الديمقراطي بطرد كل الأعضاء الذين عارضوا تعاون الحزب مع الحكومة وموافقته على اعتمادات الحرب. وبعد ذلك قام حوالي نصف أعضاء الحزب بتشكيل حزب آخر (فيما عُرف بالحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل) وقد عمدوا إلى التخلص التام من الميول البيروقراطية التي سيطرت على الحزب القديم، و قاموا ببناء هيكل حزبي لا مركزي.

لكن ذلك، من الناحية العملية، لم يُنتج حزباً أكثر ديمقراطية من الحزب الاشتراكي الديمقراطي القديم. وقد كان نواب البرلمان والنقابيون والمحررون الصحفيون داخل الحزب الجديد يستغلون غياب هيكل مركزي متماسك، ويستمرون في إلقاء خطب جماهيرية وكتابة مقالات صحفية غير ثورية بالمرة. وبدون هذا الهيكل المركزي، لم يكن هؤلاء مضطرين للانضباط والالتزام بالخط السياسي لأغلبية الأعضاء الذين تبنوا المشروع اليساري الثوري.

وبعد 18 شهر من إنشاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل، تم تأسيس الحزب الشيوعي الألماني (عصبة سبارتاكوس) أيضاً على أسس غير مركزية. ومرة أخرى كانت النتيجة هي الغياب التام للديمقراطية. لكن في حالة سبارتاكوس أدى غياب المركزية والالتزام إلى الانجراف المتطرف للحزب إلى أقصى اليسار، حيث اندفع الكثير من الأعضاء قليلي الخبرة بحماسة لتنفيذ تحركات مسلحة، ولدعوة الجماهير للاستيلاء على السلطة في مدن معينة، أو للدعوة إلى تشكيل نقابات واتحادات مستقلة دون استشارة أجهزة الحزب على الإطلاق. ولم يكن الحزب باستطاعته السيطرة على هذه التحركات من قبل أعضائه، بينما كانت الطبقة العاملة في كثير من الأحيان تلوم الحزب ككل على هذه التحركات.

نستنتج من هذه التجربة التاريخية أنه بدون مركزية ديمقراطية، تستطيع أقلية معترضة داخل الحزب أو المنظمة الثورية أن تأخذ قرارات يكون الحزب ككل مسئولاً عنها، وأحياناً يضحي أعضاء الحزب بحياتهم من أجل هذه المسئولية.

وهذه الأمثلة ليست منعزلة عن بعضها، كما أنها لم تتكرر بهذا الشكل على سبيل الصدفة. إن اليساريين المتطرفين المغامرين واليساريين الذاتيين والإرادويين يشتركون جميعاً في النزوع إلى اللامركزية؛ إذ أنها تعني بالنسبة إليهم التحرك بحرية وفي أحيان كثيرة استغلال الحركة نفسها لصالحهم بدون ارتباط بأي التزام بعمل حزبي وتنظيمي موحد. اليوم في بريطانيا، على سبيل المثال، يُعد غياب الانضباط أحد السمات المميزة لمجموعة “التريبيون” التي تتشكل من أعضاء حزب العمال في البرلمان. إذ أنها تمنح أعضاءها هالة من اليسارية دون عرقلة لأيٍ من مساعيهم الانتهازية.

وبغض النظر عن نوايا أولئك الذين يروجون لفكرة أن المركزية تتناقض مع الديمقراطية، فإن الفكرة نفسها تمنح غطاءاً أيديولوجياً فقط للانتهازيين والذاتيين في أوساط اليسار.

2) قد نحتاج المركزية في الأوقات الثورية، لكن ليس في النضالات اليومية التي ننخرط فيها قبل الثورة
أما هذه الفكرة فهي تفترض أننا نواجه عدو طبقي، قادر على المناورة وهزيمة النضال فقط في يوم العصيان الجماهيري الواسع، لكن ليس قبل ذلك. بينما نحن في الحقيقة نواجه عدو طبقي شديد التنظيم والمركزية ويستطيع المناورة والهجوم على النضالات اليومية للطبقة العاملة. ومن النادر أن نشهد إضراب عمالي مثلاً، لا تستعد الدولة لمواجهته، وفي أحيان كثيرة تحاول توجيه العمال في منطقة ما ضد عمال آخرين في مناطق أخرى. وفي هذه الحالة يجب أن يتجاوب الثوريون مع الأحداث بشكل موحّد و”مركزي”.

وإذا تحدثنا عن تجربة الحزب البلشفي، سنكتشف بسهولة أن النضال من أجل سلطة الطبقة يتطلب مركزة النضالات المختلفة حتى من قبل الثورة بكثير. إلا أن السيد ريتشارد كتب أن.. “البلاشفة قد احتاجوا المركزية فقط بين يوليو وأكتوبر 1917، أي في الوقت الذي كانوا فيه مهتمين بالإعداد العسكري للاستيلاء على السلطة”. لكني أتساءل: ألم يسمع السيد ريتشارد يوماً كيف بذل البلاشفة الكثير من الجهد –بإرادة وتصميم وإرادة موحدة ومركزية- لإيقاف محاولة غير ناضجة للاستيلاء على السلطة في يوليو 1917؟!

3) المركزية تعني التدرج في الهيكل الحزبي، أي التكثيف الشديد للسلطة في أيدي القادة
إن الحاجة إلى المركزية تنبع من خصائص الصراع الطبقي نفسه، حيث يتشكل الصراع من العديد من المعارك الطبقية التي تختلف في أحجامها وتأثيرها. وحتى بالمفهوم العسكري، فإنه في أي معركة يتفوق الجيش الذي يعمل وفق استراتيجية موحدة ومنسقة، ومجموعة من التاكتيكات المنسجمة مع تلك الاستراتيجية.

كل منا يعرف بعض التجارب التي لم يلعب فيها بعض المناضلين أدوراهم وفق استراتيجية وتاكتيكات موحدة، حيث يندفع بعض منهم لاتخاذ قرارات وتنفيذها في أوج الحركة دون حتى استشارة زملائهم. وفي أحيان أخرى تظهر الديماجوجية حين يخطب أحدهم بكل حماسة مطالباً الجميع بالتحرك الفوري دون وضع أي تصور لكيفية التحرك، أو دون أي تقييم لموازين القوى أو لمواضع الضعف لدى العدو.

لذا فإن وجود حزب ثوري مركزي ضروري لتجاوز نقاط الضعف في كل نضال، بحيث يعمل الحزب على تأهيل مناضليه للتدخل والتأثير، سواء في النضالات أوالمعارك الصغيرة وصولاً إلى الثورة المسلحة. فمناضلو الحزب الثوري المركزي يتناقشون فيما يجب فعله، ويتخذون القرارات بشكل جماعي بعد أن يقوموا بتقسيم الأدوار فيما بينهم على أساس قدراتهم وإمكانياتهم ومهاراتهم، ويستطيعون بذلك أن يطرحوا توجهات موحدة في النضال الذي يشاركون فيه.

لكن شبكة مثل هذه من الكوادر الاشتراكية الثورية المتمرسين في النضال، لا تأتي من فراغ؛ فالحزب الثوري يحتاج سنوات عديدة لتطوير وترسيخ التقاليد والقواعد الأساسية للعمل الجماعي المنسق. وإلا فقد يكون من السهل أن يتغافل المناضلون الاشتراكيون الثوريون عن ضرورة المناقشة والتقييم العلمي للمعارك التي يخوضونها وسط الجماهير، وقد يتغافلوا عن ضرورة تنسيق مجهودهم ونضالهم مع بقية أعضاء الحزب.

لذلك فإن المركزية الديمقراطية ضرورية ليس فقط على مستوى الحزب الثوري ككل، لكن أيضاً على مستوى نشاط ونضال أعضاء الحزب في كل منطقة وكل مصنع، إلخ. لكن بمجرد أن يقبل المرء ضرورة المركزية ووحدة الفعل، عليه أيضاً أن يقبل بالآليات التي تضع المركزية موضع التنفيذ.

لا يمكن لأعضاء الحزب أن ينظموا تصويت جماعي في كل مرة يريدون فيها الاشتباك مع إضراب عمالي، ولا يمكنهم التحضير لاقتراع عام في الحزب في كل مرة يريدون فيها تنظيم مظاهرة.

إن تطوير الحزب لأعضائه بحيث يستطيعون اتخاذ قرارات صائبة في أوقات قصيرة في استجابة سريعة للأحداث، هي بالتأكيد عملية قد تأخذ سنوات عديدة. والقيادة الحزبية لابد بالطبع أن يتم اختبارها أثناء النضال، وأخطائها يجب أن يتم التعرف عليها ومناقشتها وبالتالي تصحيحها. ولذلك فإن الديمقراطية هي مكوّن أساسي في عملية بناء الحزب وهي جزء أصيل في مبدأ المركزية الديمقراطية، إذ أنها توفر الآلية التي من خلالها يمكن للأعضاء –في حال الالتزام بالقرارات المركزية- أن يستخلصوا خبرة النضال الطبقي وأن يصبّوا تلك الخبرة في قلب حزبهم الثوري.

ومما لا شك فيه أنه لا يمكن تحقيق أيٍ من ذلك، إذا لم يتم تطبيق القرارات التي تصدرها القيادة الحزبية. لكن هل يتطلب الأمر طاعة عمياء من أعضاء الحزب لكل نداء توجهه القيادة؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نعلم أن هناك الكثير من الأمور التفصيلية التي لا تتخذ فيها القيادات الحزبية قرارات، وتكون فيها غير معنية أصلاً باتخاذ قرارات، بينما يكون المسئول عن اتخاذ القرار هو فرع الحزب أو منظمة الحزب في المنطقة أو المصنع، أو حتى عضو الحزب وحده. لكن على القيادة أن تنسق بين تلك القرارات وأن تعمل على تطوير رؤية نظرية وسياسية شاملة بين أعضاء الحزب.

وعلى الرغم من ذلك، هناك الكثير من الأحداث التي يجب أن يتجاوب معها الحزب بشكل سريع كقوة واحدة ومتجانسة. وهنا على القيادة أن تطلب من الأعضاء على الفور -وحتى بدون مناقشات سابقة- تنفيذ تحركات بعينها، ويتم محاسبة القيادة على قراراتها بعد ذلك. وإن لم يحدث ذلك فإن الحزب سوف يتفاعل مع الأحداث العاجلة بشكل غير منظم ولا موحد.

4) النشاط اليومي للثوريين يجب أن يعتمد على تشجيع مبادرة الأعضاء وثقتهم بأنفسهم واعتمادهم على أنفسهم في اتخاذ القرارات، وليس على إلقاء القرارات التنفيذية من مركز الحزب إليهم
هذه الفكرة تفترض أنه، بطريقة ما، تتطور “المبادرة” و”الثقة بالنفس” و”اعتماد الأعضاء على أنفسهم في اتخاذ القرارات”، هكذا بشكل تلقائي من النضالات، في حين أن تلك النضالات تتطلب توجهات مركزية في الفعل والتحرك. لذلك فالتطور التلقائي لا يحدث عملياً بشكل تلقائي. فنشاط العمال وثقتهم بأنفسهم يتطور خلال النضال ضد العدو الطبقي، وجزء هام من هذا التطور ينتج عندما يستطيع العمال أنفسهم اقتراح وسائل لتعميم نضالهم، وإبداع تاكتيكات للانتصار فيه. ويستطيعون النجاح في ذلك فقط عند إفراز قيادات نضالية تسير على نفس الخط الذي يسير عليه مناضلين ثوريين في قطاعات أخرى من الطبقة العاملة. لذا فإن الحاجة إلى تحرك موحد ومنسق، واتجاه مركزي للنضال، هي ضرورة ملحة.

أما وجود حزب ثوري يعمل بشكل مركزي وموحد، فإن ذلك لا يشكل عقبة في طريق تطور نشاط وثقة الجماهير بنفسها. بل على العكس، فنشاط الجماهير لن يكتمل ولن ينتصر إلا بمثل هذا الحزب.

5) في ظل انحسار الموجات الثورية، تكون المنظمات المركزية الديمقراطية مضرة للغاية؛ حيث تحتكر تأييد وولاء مناضلي الطبقة العاملة في أوقات غير ثورية
وهنا يخلط ريتشارد كوبر بين الأسباب والنتائج. فصحيح أنه، في أوقات الهزائم والتراجع في الصراع الطبقي، يمكن أن تتحول الأحزاب العمالية المركزية إلى معسكر الثورة المضادة، لكننا لا يمكن أن نعزي ذلك إلى المركزية الديمقراطية؛ فكثير من الأحزاب العمالية غير المركزية على مدار التاريخ قد شهدت تحولات مماثلة تقريباً. لذا فإن سبب هذا التحول يرجع إلى الاستجابة والتفاعل السياسي لقادة الحزب مع الأحداث، وليس إلى الشكل التنظيمي للحزب.

في الأحزاب العمالية الكبيرة ذات الرؤى السياسية الخاطئة والتي تحوذ و”تحتكر ولاء وتأييد العمال”، يكون من الصعب جداً بناء أحزاب ثورية، وذلك بغض النظر عن ما إذا كان الحزب مركزي أم لا. إن أفضل الأمثلة التاريخية على ذلك هو هزيمة اتحاد النقابيين الفوضويين (CNT) في الثلاثينات في اسبانيا؛ حيث أدى عدم إدراكه الحاجة الملحة لبناء دولة عمالية تتصدى للفاشي فرانكو، إلى فتح الباب على مصراعيه أمام الليبراليين والاشتراكيين الديمقراطيين والستالينيين لإعادة بناء دول برجوازية انهزمت بسهولة في مواجهة فرانكو. وهكذا فإن الأفكار المتحررة واللامركزية للـ CNT لم تمنعه من “احتكار ولاء” أغلبية العمال المتقدمين في الطبقة.

أما بالنسبة للحزب الثوري، فالسؤال الجوهري الذي يُطرح أمامه في فترة هبوط أو تراجع الموجة الثورية، ليس التخلي عن الركائز الثابتة لبناء الحزب، لكن كيفية تطوير قيادة ثورية حقيقية تعرف كيف تتراجع في فترات الهزائم وكيف تتقدم في فترات الصعود.

6) المركزية الديمقراطية تؤدي إلى استبدال الطبقة بالحزب
أنت لا تحتاج أن تكون مركزياً ديمقراطياً كي تستبدل الطبقة العاملة بنفسك؛ فالنقابيون البيروقراطيون، ونواب البرلمان، وأعضاء المجالس المحلية يفعلون ذلك كل يوم. وهكذا فعلت العصابات المسلحة التي كانت تسعى “للعدالة البروليتارية” بدون نضال البروليتاريا نفسها.

لقد ميّز الحزب البلشفي في روسيا نفسه في عام 1917 عن بقية الأحزاب اليسارية والإصلاحية، من خلال رفضه المتكرر لاستبدال نفسه محل الطبقة العاملة. أما المناشفة “الغير مركزيين” فقد ذهبوا من خلف ظهور العمال وتحالفوا مع البرجوازية وشكلوا الحكومة المؤقتة. والفوضويين “الغير مركزيين” أيضاً، كانوا يستبدلون حركة جماهير الطبقة العاملة بمغامراتهم الصبيانية. لقد كان البلاشفة وحدهم هم من أصروا على الانتظار حتى يستطيعوا كسب أغلبية الطبقة العاملة، وقد حدث ذلك في الشهور الأخيرة من عام 1917.

أما الأزمة الثورية فيما بعد عام 1917، فلم تكن بسبب المركزية الديمقراطية التي عمل وفقها الحزب البلشفي، ولكن بسبب المذابح التي تعرضت لها الطبقة العاملة أثناء الحرب الأهلية. والضعف الشديد الذي مُنيت به الطبقة العاملة قد أعطى للحزب خيارين لا ثالث لهما: إما أن يدافع بنفسه عن الثورة بدلاً من الطبقة العاملة المنهارة، وإما أن يشهد الانتصار الدموي للثورة المضادة.

وفي الحقيقة استخدم الستالينيون كلمة “المركزية الديمقراطية” ليصفوا بها ديكتاتورياتهم البيروقراطية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، وهكذا أيضاً شوهوا كلمات أخرى كالاشتراكية والشيوعية ووصفوا بها أنظمة وسياسات رأسمالية الدولة التي أسسوها. ولكن هذا لا يعني أن المركزية الديمقراطية لم تكن موجودة وقت الثورة، بل على العكس من ذلك. وعلى أي حال فإنه حتى عام 1921، كانت المعارضة العمالية تطبع ربع مليون نسخة من جريدتها في المطابع الرسمية الخاصة بالحزب الشيوعي السوفيتي (الحزب البلشفي بعد ثورة 1917). وجدير بالذكر أن أحد التكتلات المعارضة في الحزب كانت قد أطلق على نفسه اسم “المركزية الديمقراطية”.

بدا السيد ريتشارد وكأنه لا يعيش في هذا العالم، عندما ادعى أن الأممية الشيوعية (الكومنترن) كانت مخطئة عندما أكدت في المؤتمر الثاني لها في 1920، أن.. “أهمية الأحزاب الشيوعية لا تقل بعد استيلاء العمال على السلطة، بل على العكس فإنها تزيد بشكل كبير”. وهنا يروج ريتشارد لتلك الرؤية المنتشرة في الأوساط والدوائر شبه الفوضوية، وهي أن الحزب ضروري للترويج لسلطة مجالس العمال، لكن يجب أن يذيب نفسه بمجرد أن تأتي سلطة العمال للوجود.

ما تتغافل عنه هذه الفكرة هو أن انتصار العمال في بلد واحد، لا يعني انتهاء النضال، ولكنه يعني بداية للنضال ضد الرأسمالية على مستوى عالمي. بيد أن الثورة العمالية المنتصرة –وثورة أكتوبر 1917 في روسيا تعطي لنا مثلاً واضحاً عن ذلك- سوف يتم استقبالها بهجمات ضارية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وتلك الهجمات سوف تزيد من تردد الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى والقطاعات الأقل نضالية وسط العمال، وسوف تبعدهم عن الثورة نفسها. وهنا يستطيع فقط التحريض المنظم والمنسق والمركزي للقطاعات المتقدمة من العمال –ذلك التحريض الذي يوجهه الحزب الثوري– يستطيع قيادة هؤلاء للدفاع عن الثورة.

أما التصديق على ما يقوله ريتشارد فهو بمثابة استبدال التغيير الثوري بأحلام التغيير السلمي التعيسة.

7) ما يهم في الأمر كله هو السياسات الصحيحة وليس الهيكل التنظيمي
يبرر ريتشارد كوبر هذه الحجة بالمثال الذي ضربه حول الثورة في ألمانيا، حيث كتب أنه “لم يكن هناك أي هيكل تنظيمي يستطيع تعويض الفشل السياسي لليسار في ألمانيا في 1919 وحتى 1923”. هذا المثال أيضاً ليس دقيقاً بالمرة، ومن النادر أن يعكس البعض، كما فعل ريتشارد، الحقائق التاريخية بغرض إثبات صحة انتقاداتهم.

عندما اندلعت الثورة في ألمانيا في نوفمبر 1918، كان الثوريين البارزين هناك (ومنهم روزا لكسمبرج، ليو جوجيتش، كارل راديك، ويوهان نايف) لديهم رؤية واضحة لما يجب فعله. وقد رأوا جميعاً أن الأمر قد يستغرق شهوراً من النضالات الجزئية، وبالأخص النضالات الاقتصادية، من أجل أن يقطع أغلبية العمال مع الإصلاحية ويؤيدون ضرورة استيلاء المجالس العمالية على السلطة. وفي هذا الوقت، أصروا على أنه من الحماقة أن تحاول أقلية من العمال الثوريين الاستيلاء على السلطة من خلف ظهور الأغلبية.

شرحت روزا لكسمبرج ذلك بوضوح في المقالات التي كتبتها في تلك الفترة. وإذا كانت الثورة قد انهزمت في ألمانيا، فلم يكن ذلك بسبب “السياسات الخاطئة” ولكن بسبب أن سياسات القيادة الثورية لم تكن مربوطة بهيكل تنظيمي متماسك؛ فلم يكن هناك نواة حزبية متماسكة تستطيع نقل التحليلات السياسية لروزا لكسمبرج وغيرها من القيادات الثورية، إلى القطاعات الأكثر تقدماً وتأثيراً من الطبقة العاملة.

وبالتأكيد فإن غياب تراث من العمل الثوري المنسق والمركزي، هو ما تسبب في أن يتجاهل كارل ليبكنخت قرارات بقية أعضاء القيادة في الحزب الذي قد نشأ حديثاً *، وفي عنفوان الثورة كان ليبكنيخت من أشد الداعين إلى الإطاحة المسلحة بحكومة الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وقد كانت النتيجة أن الشرائح الأكثر تقدماً في الطبقة العاملة قد انزلقوا في نضال غير ناضج من أجل السلطة، في حين أن الطبقة العاملة ككل لم تكن على استعداد لذلك، مما أدى إلى إبادة كثير من العمال الثوريين والقادة الشيوعيين ومنهم روزا وليبكنيخت نفسه.

إن السبب الحقيقي وراء مأساة الثورة الألمانية هو أن الحزب المركزي الديمقراطي لم يتم بناءه إلا بعد أن عانى الحزب هزائم ساحقة وبعد أن قُتل أفضل قادته الثوريين. وبالطبع فإن الحزب الثوري يبدو عديم النفع بدون السياسات الثورية الصحيحة. لكن المثال السابق يوضح لنا أن السياسات الصحيحة، هي أيضاً، تبدو عاجزة عن التنفيذ بدون حزب ثوري مركزي، وإلا سوف نشهد في المستقبل تكرار لنفس تلك الهزائم الساحقة.

إلا أن بناء حزب ثوري مركزي وديمقراطي ليس بالمهمة السهلة على الإطلاق. وما ندعو إليه ليس له صلة بالمفهوم الذي روّجه الحكام البيروقراطيون في روسيا بعد وفاة لينين. فينبغي علينا تطوير العناصر القيادية التي تستطيع التعلم واستخلاص الخبرات من النضالات العمالية الجارية، وأن تعمم تلك الخبرات بين أعضاء الحزب، ومن ثم تغذي بها نضالات الطبقة العاملة مرة أخرى. لكن هذا لا يعني أن الديمقراطية داخل الحزب الثوري تشبه النمط السائد للديمقراطية في المجتمع البرجوازي، بل أن أعضاء الحزب المعترضين على سياساته، يمكنهم أن يمارسوا معارضتهم ضد القيادات المنتخبة وأن يحاسبوها ويعزلوها أيضاً.

وفي النهاية علينا أن ندرك أن المنظمة الثورية الصغيرة ليست على الإطلاق نواة للمجتمع الجديد، فنحن لا نمثل جزيرة للاشتراكية في بحر من الرأسمالية، بل منظمة من المناضلين الثوريين مهمتهم قيادة الطبقة العاملة لبناء المجتمع الجديد. لذلك فإن الهدف من الديمقراطية الداخلية للحزب الثوري ليست لتوضيح كيف ستجري الأمور في ظل الاشتراكية، لكن الهدف منها هو ربط تطور الحزب ككل بخبرات أعضائه في النضال.

لكن ماذا يحدث إن لم تعكس ديمقراطية الحزب الثوري خبرة القطاعات المتقدمة من الطبقة العاملة؟ ماذا يحدث إذا اندمج أعضاء الحزب في الروتين وانفصلوا عن خبرات النضالات الجارية للطبقة العاملة؟. في هذه الحالات لن تستطيع قيادة الحزب أن تعكس وتمارس الديمقراطية داخل الحزب نفسه، وهذا ما جادل حوله توني كليف في المجلد الأول من كتاب “لينين”، وتروتسكي في كتاب “دروس ثورة أكتوبر”.

لكن ذلك يبدو في نظر ريتشارد أمر غير ديمقراطي، والبديل عن ذلك سيكون كارثي بلا شك، ألا وهو تحويل الاستراتيجية من بناء منظمة طليعية لقيادة الطبقة العاملة من أجل السلطة، إلى بناء المنظمة من أجل احتلال موقع المعارضة الديمقراطية الأليفة والمستأنسة للنظام الحالي.

هذا السجال الحالي هو نفسه الذي جعل تاريخ المنظمات الثورية، منذ ماركس وإنجلز وصولاً إلى لينين وروزا، وحتى اليوم، لا يسير في خط مستقيم من مؤتمر إلى آخر، بل تاريخ مليء بالترنح من اتجاه إلى آخر، وفي حالات عديدة تاريخ مليء بالانقسامات والانفجارات.

ليس من الممكن أن نقول أن مقالة ريتشارد كوبر تنادي بالتخلي عن مشروع بناء الحزب الثوري لصالح بناء حلقات ديمقراطية غير مركزية تعني فقط بالنقاش. لكن ما يدعو إليه هو الضرورة الملحة لـ”بناء أشكال تنيظيمة جديدة”، بدون أي توضيح ما هي تلك الأشكال وكيف يمكن بناءها. وما يبدو لنا هو أن الهزائم الساحقة التي تلقتها الطبقة العاملة، نتيجة غياب توحيد العمال المتقدمين في أحزاب ثورية مركزية، تلك الهزائم توضح لنا الفشل الذريع لدعوات السيد ريتشارد كوبر.

      

التعليقات