بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دور السوفييتات في الثورة الروسية

الثورة الروسية 1905

 • المقال منشور لأول مرة باللغة الإنجليزية في 19 يوليو 2012 بموقع منظمة البديل الاشتراكي في أستراليا

من بين أحداث القرن العشرين، هناك حدث يعلو ويتفوق على كل الأحداث الأخرى من حيث أهميته بالنسبة للسياسة الثورية: هذا الحدث هو، الثورة الروسية عام 1917. أثناء هذه الثورة، علا شكل من الأشكال التنظيمية للطبقة العاملة فوق غيره من التنظيمات: وهو السوفيتات. وداخل تلك السوفيتات، أختبر رجال ونساء الطبقة العاملة، الطبقة المُهانة آنذاك، قوتهم وارتفعت أصواتهم. في البداية كانت اجتماعاتهم تتسم بالفوضى، لكن مع كل مظاهرة، مع كل إضراب وبتوالي الاجتماعات، كانوا يزدادون ثقة. وكان أن وصلت تلك الحركة لذروتها في الثورة.

في هذا المقال أسلط الضوء على دور السوفيتات في الثورة الروسية. أريد أن أبيّن طريقة عملهم، وأن أدرس ديناميكية سياستها الداخلية. ومقصدي هذا ليس ضرباً من ضروب الفضول التاريخي؛ فلقد ظهرت تنظيمات مشابهة للسوفيتات في معظم الثورات العمالية. ولهذا، فإن فهم كامل لطبيعتها هو جزء هام ورئيسي في فهم العملية الثورية العمالية ككل.

هيكل السوفيتات

إن الخمسة أيام التي استغرقتها ثورة فبراير 1917 والأسابيع التي تلتها، مثلت مرحلة شديدة الأهمية، حيث شهدت حالة ضخمة من الهدم والبناء المجتمعي. فمن ناحية، أصبحت الدولة القيصرية عاجزة، حيث تخلى القيصر عن عرشه، وأصبح وزراؤه بين هارب أو معتقل. وهزمت الشرطة و”الأوخرانا” (1) في الشوارع هزيمة نكراء وتفرقت قواتهم، واضطر الضباط رغم التصريح لهم باستخدام العنف، بل وحتى قتل الجنود إذا لزم الأمر، إلى التدافع والفرار إنقاذاً لحياتهم. ومن جهة أخرى، في المصانع أصبح أرباب الأعمال أشحاء جداً. رغم ذلك، لم تكن تلك هزيمة للطبقات الحاكمة، لكنها كانت ضربة قوية في ذاك الوقت.

ولملء الفراغ الشاغر في السلطة، أنشأت الجماهير السوفيتات. وببساطة، فإن كلمة “سوفيت” تعني بالروسية: “المجالس المنتخبة”. أنشأت السوفيتات لأول مرة أثناء ثورة 1905 وسرعان ما سحقت، ولكن ظلت فكرة السوفيتات حية في أذهان أفضل العمال، وهكذا، عادت السوفيتات للظهور مرة أخرى في عام 1917.

في البداية، ظهرت السوفيتات في أكبر المصانع، مثل مصنع “بوتيلوف” الذي كان يضم 40 ألف عامل، إلى جانب المناطق الصناعية، مثل مدينة “فيبورج” الواقعة على مشارف “بتروجراد”. ونظراً للخطر الذي كان يحيق بالثورة في ذاك الوقت، فإن المهمة العاجلة للسوفيتات كانت تدعيم الثورة وترسيخها، وذلك عن طريق إقامة روابط بينهم وبين المصانع الأخرى والجيش. وخلال فترة زمنية قصيرة، أضحت كل من المصانع، والثكنات العسكرية، ووحدات الدفاع الأمامية مسرحاً للنقاشات المكثفة؛ حيث انخرط مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين من الروس في العمل السياسي، ومعظمهم كان يفعل ذلك للمرة الأولى.

كانت الاجتماعات الجماهيرية ضخمة الأعداد حدثاً يومياً. وفي كل سوفييت، كانت النقاشات تحتدم متناولة جميع الأمور، بدءاً من التساؤلات حول الحكومة والحرب، وصولاً إلى مشكلات الإمداد والتموين. وخلال تلك الاجتماعات، انتخبت اللجان المكلفة بالتنظيم والقيادة، إلى جانب دورها في التواصل مع اللجان الأخرى والتنسيق فيما بينهم، والتعامل مع أصحاب الأعمال والجنود.

لم تحظ أي من اللجان المنتخبة أو المندوبين على أية امتيازات زائدة عن المألوف ( لم تزد الإعانات المالية الممنوحة لهم عن أجور العمال المهرة في ذاك الوقت)، كما كانوا عرضة للاستدعاء في أي وقت. والاستدعاء كان إجراءاً بسيطاً للغاية: هو طرح اقتراح بالسحب أو الإقالة في لقاء جماهيري. وبعد المناقشة، تحدد الأغلبية مصير اللجنة أو المندوب سواءاً بالتوبيخ أو بالدفاع عنهم.

في غضون أيام من قيام الثورة، أُنشئ سوفييت “بتروجراد”، أكبر المدن الصناعية، جامعاً تحت مظلته كل السوفيتات الصناعية الأخرى. وفي المصانع الكبرى كان يتم انتخاب مندوب واحد عن كل ألف عامل. أما المصانع وورش العمل التي كان تحوي أقل من ألف عامل فكان يمثلها مندوب واحد، وبالمثل وحدات الجيش أيضاً. وفي مقابل تمثيل السوفيتات لهم، تعهدت المصانع ووحدات الجيش بالدفاع عن السوفيتات وتنفيذ قراراتها.

وهكذا بتجميع المصانع معاً، أصبح للسوفيتات سلطة على الإنتاج، والتوزيع، والصحافة، والكهرباء. وفي وقت لاحق، في أعقاب نجاح ثورة أكتوبر، تطور سوفييت “بتروجراد” وأصبحت له وظائف متعددة. على سبيل المثال، استحدث قسم للرعاية الاجتماعية لإدارة عملية إعانة الفقراء، وتنظيم عمل المطابخ العامة. كما أنشأ قسم للثقافة والتعليم كانت مهمته تنظيم العملية التعليمية من مرحلة ما قبل المدرسة وصولاً إلى أعلى المراحل، إلى جانب قسم خاص بالصحافة. وبالمثل شئون الأمن والتي اختصت بها (الميليشيات العمالية و”الحرس الأحمر”). وكذلك، تطبيق العدالة عبر المحاكم الثورية التي نظم عملها أيضاً سوفييت “بتروجراد”.

في وقت مبكر من الثورة، رسخ سوفييت “بتروجراد” سلطته من خلال تمرير “القرار الأول لسوفييت بتروجراد”. دعا هذا القرار التاريخي الجنود لانتخاب مندوبيهم. كما أبطل هذا القرار جميع الأوامر التي سبق وأن أصدرها الضباط المعادين للسوفيتات. ونص القرار أيضاً على نزع السلاح من جميع الضباط، مع إلغاء ألقابهم الأرستقراطية وكل أشكال التفضيل والتمييز في مخاطباتهم، إلى جانب منح الجنود كامل حقوقهم المدنية والسياسية، تلك الحقوق التي كانوا حتى هذه اللحظة محرمون منها. كان هذا القرار بمثابة حجر الزاوية في الوحدة بين مجندي الجيش والطبقة العاملة. كتب “نيكولاي سوخانوف”، وهو مؤرخ المناشفة الأمميين للثورة، معلقاً على هذه الوحدة قائلاً:

“بحلول 17 أبريل، أصبحت السوفيتات هي سيدة الموقف.. الآن تحظى السوفيتات في قبضتها بتنظيم قوي محكم، وجيش متحد روحياً معها، في هذه المرحلة كان تحت إمرة السوفيتات حوالي عشرة ملايين محارب، وبهم أحكمت قبضتها فعلياً على مجمل سلطة الدولة الحقيقية ومصير الثورة بأكملها”.

كان للفلاحين أيضاً سوفيتاتهم الخاصة، على الرغم من كونها أكثر محدودية؛ فحياة معظم الفلاحين كانت تتمحور حول المزارع الأسرية. أما أغنياء الفلاحين الأكثر ثراءاً (الكولاك) عادة ما كانوا يستغلون العمال الزراعيين من الفلاحين الفقراء الذين لا يملكون أرضاً. وبالإضافة إلى ذلك، كانت حياة الفلاحين معزولة تماماً في البلدات والقرى عن المدن. مع ندرة وبدائية وسائل الاتصال، وفي بعض الأحيان إنعدامها تماماً، هذا فضلاً عن استشراء الأمية فيما بينهم، كل هذه الأمور كانت تعني أن الحركة الفلاحية تخلفت عن الحركة في المدن ولم تواكبها، ولذلك كانت خبرتهم السياسية ضئيلة إلى أبعد الحدود.

فالسياسة، بالنسبة للفلاحين، كانت في الأغلب متعلقة بالأرض، ولم يكن سلاح الكلمات من بين الأسلحة التي لجأ إليها الفلاحين عندما استولوا على أراضي كبار الملاك. ومع ذلك، فقد تأسست السوفيتات الفلاحية في القرى والبلدات الريفية. وفي ديسمبر 1917، في اجتماع ضم كل السوفيتات الفلاحية صوّتت الأغلبية الساحقة لصالح ثورة أكتوبر، معلنين اتحادهم مع سوفيتات الجنود والعمال.

ازدواج السلطة

رغم تمركز السلطة الحقيقية في أيديهم بشكل ساحق، إلا أن السوفيتات لم تعلن عن نفسها بصفتها الحكومة الروسية. كان هذا الأمر متروكاً للجنة التي نصبت نفسها بديلاً عن الحكومة والتي قد تشكلت من رحم “الدوما” القديم (البرلمان القيصري الغير ديمقراطي). وهذا ما أصبح يعرف بإسم الحكومة المؤقتة، والتي كانت تفتخر بأنها تضم شخصيات بارزة في تشكيلها، من أمثال النبيل الأمير “لفوف” كرئيساً للوزراء، إلى جانب “إلكسندر جوتشيكوف”، البارون الثري، وزيراً للحرب.

لم تكن هذه الحكومة حكومة منتخبة إطلاقاً، ولكن بالرغم من ذلك، فإن تركيبتها تغيرت مع مرور الوقت بحيث ضمت أشخاص مثل “ألكسندر كيرينسكي” والذي كان ذو صلة رمزية بالاشتراكية. بشكل علني، تحدث وزراء الحكومة المؤقتة، مثل الليبرالي “بافيل ميليوكوف”، عن الديمقراطية والحرية، أما سراً (على الأقل إلى أن تسربت المعلومات) أرسل هذا الوزير ذاته، رسائله لدول الحلفاء موضحاً أن روسيا تدين بالولاء للقسطنطينية وممتنة ومقدرة للغاية لدورها وللجهود التي بذلتها أثناء الحرب العالمية الأولى.

كانت الأولوية العظمى والأمر الأكثر إلحاحاً أمام تلك الحكومة المؤقتة، هو تجميع القوة من أجل استعادة الدولة مرة أخرى وتدمير الثورة والتخلص منها. وعلى قدر الاختلاف بين يمين ويسار تلك الحكومة، طالب اليمين بإعلان ديكتاتورية عسكرية فوراً، أما اليسار فقد دعا لإعلانها في غضون أشهر قليلة لاحقة.

في نظر الطبقة العاملة، كانت هذه الحكومة، في أحسن الأحوال، مشتبهاً بها، ومعادية لهم بشكل صريح في أسوأ الفروض. مع ذلك، قررت اللجنة التنفيذية لسوفييت “بتروجراد” – القيادة المسئولة عن العمل اليومي المباشر – أن تدعم الحكومة المؤقتة بشكل كامل (2). وخلق هذا تناقضاً؛ فالسوفييت هو مؤسسة طبقية لها مصالح متعارضة مع البرجوازية. حيث لم تتعايش السوفيتات مع الرأسمالية في أي مكان لفترة طويلة؛ فوجودها يهدد الرأسمالية حتى النخاع. ورغم أن الحكومة المؤقتة كانت على دراية بهذا الوضع منذ البداية، لم يكن هذا التناقض واضحاً أمام السوفيتات. لهذا فإن تحليل هذا التناقض، وتفسير قرار السوفيتات، هو الركيزة الأساسية لفهم الثورة الروسية بأكملها.

الصراع السياسي داخل السوفيتات

كانت المشكلة سياسية، وكانت أساس الصراع بين الثوريين ونظرائهم المعتدلين. جمع الحزب البلشفي الثوريين معاً، وخلصوا إلى أن الطبقة العاملة يجب أن تحرر نفسها، وهذا يستلزم بالضرورة سحق الحكومة المؤقتة وانتزاع السلطة لتصبح في يد العمال. ودعّوا إلى حكومة السوفيتات – الدولة العمالية – لإنهاء الحرب، مع التعهد بإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين، وضمان سيطرة العمال على المصانع، وتلبية جميع المطالب الشعبية الأخرى.

في بداية عام 1917، كان عدد البلاشفة حوالي 23 ألف عضو فقط ، ولكن، كان المتعاطفين معهم ومؤيدوهم يقدورن بعشرات الآلاف الآخرين، وهذا يرجع لكونهم كانوا جزءاً راسخاً في الحركة العمالية لأكثر من عقدين من الزمان. ومع ذلك، فقد وجدوا أنفسهم أقلية في معظم السوفيتات وفي روسيا ككل بشكل عام (3).

ثاني الأحزاب الماركسية كان حزب “المناشفة”، ورأى المناشفة أن أي حديث حول الاشتراكية في روسيا الآن هو حديث سابق لأوانه. اعتقد “المناشفة” أن روسيا بحاجة لفترة من الرأسمالية، وأن الثورة يجب أن تتوقف عند مرحلة “الديمقراطية البرجوازية”. وكان استنتاج المناشفة هذا، في حقيقة الأمر، نتيجة منطقية تماماً لموقفهم: دعم الرأسمالية يعني دعم الأولويات الرأسمالية. ولهذا، دائماً ما كانوا مترددين في دعم حتى أبسط الإصلاحات، مثل المطالبة بثماني ساعات ليوم العمل. كان باستطاعة المناشفة أن يقدموا للبرجوازية الشيء الذي تفتقده: القبول الشعبي والمصداقية التي ستمكنها من كبح جماح الثورة وهزيمتها.

من الأحزاب الرئيسية الأخرى، الحزب الاشتراكي الثوري، المعروف بإسم الاشتراكين الثوريين (4)، كان يتبنى أفكاراً مشابهة للمناشفة، ولكن بأسلوب مختلف إلى حد ما. لقد كانوا شعبويين، وقد نبذوا الماركسية لصالح الخطاب الليبرالي والرومانسي. وبدلاً من الطبقة العاملة، كانوا يتحدثون بلطف فيما يتعلق بـ “الشعب”.

وعوضاً عن تقديم برنامج واضح، أو نظرية محددة، تحدثوا بطريقة ملتبسة عن كل من الديمقراطية الثورية، وعالمية العدالة والحرية، مع إغفال الإشارة إلى أن إعلاء مثل هذه القيم أمر أجوف وبلا جدوى في ظل الرأسمالية. لم يتعامل الجزء الأكبر من الطبقة العاملة مع الاشتراكيين الثوريين على محمل الجد مطلقاً، إلا أنهم بالفعل كان لهم تأثير جذري فيما يخص الجنود. بالإضافة إلى أن نهجهم السياسي الغامض جعل منهم الفصيل الملائم الذي يمكن أن يحتوي أكاذيب الساسة اليمينيين، مثل الضباط ومسئولي الحكومة السابقين الساعين لتحسين صورتهم. وكيرينسكي، الرجل الذي انتصر في الحرب بينما كان يأمر الجنود بقتل العمال المتظاهرين، كان اشتراكياً ثورياً.

حظا هذان الحزبان في البداية بأغلبية كبرى داخل السوفيتات، وبالتالي، أمسكا بزمام القيادة. وحاربا من أجل إخضاع السوفيتات لسيطرة الحكومة المؤقتة. وتمتع الحزبان بالدعم الشعبي للعديد من الأسباب: أولاً، اعتاد قادة هذين الحزبين على خوض المناورات السياسية المعهودة. في الوقت الذي كان يواصل فيه العمال والجنود القتال في الشوارع، كان المناشفة والاشتراكيون الثوريون يسعون لركوب الثورة. ثانياً، استغلت الأحزاب المعتدلة سذاجة العمال والجنود السياسية وقلة خبرتهم. على سبيل المثال، رغم أن معظم العمال كانوا مؤمنين بالاشتراكية كهدف يسعون إليه، إلا أنهم اعتقدوا أن بإمكانهم بلوغ الاشتراكية عن طريق البرلمان الديمقراطي والدستور. وبعبارة أخرى، يمكننا القول بأن الوعي السائد بين الناس، بشكل أو بآخر، كان وعياً إصلاحياً. ولهذا السبب، وغيره من نقاط الضعف السياسية الأخرى، كانوا لقمة سائغة وتلاعب بهم المناشفة والاشتراكيين الثوريين لفترة من الوقت لم تطل خلال الثورة.

وعلاوة على ذلك، كانت رغبة البلاشفة في إنجاز الثورة الاشتراكية جذرية ومقلقة؛ فلقد خاطر العديد من العمال والجنود بحياتهم من أجل ثورة فبراير، وفكرة إندلاع ثورة جديدة كانت تبدو خطيرة ومخيفة. هكذا، تضافرت كل هذه العوامل لوضع سلطة السوفيتات في أيدي هؤلاء الموالين لسلطة الحكومة المؤقتة.

السوفيتات الثورية

أكد البلاشفة دائماً على أن الماركسيين ليسوا هم معلمي الطبقة العاملة الحقيقيين، بل الحياة نفسها هي من تقوم بهذا الدور. هذا تحديداً ما حدث خلال عام 1917. بعد ثورة فبراير، عادة ما كان يبدأ العمال يومهم بقراءة مجموعة من الصحف السياسية المختلفة. وانتظمت الاجتماعات الجماهيرية وتوالت التقارير الآتية من الإضرابات، والمظاهرات واجتماعات السوفيتات، مستحضرة السياسة حتى في أكثر الأمور بعداً عنها. لكن الأمر أبعد من ذلك، فقد كانت حالة البهجة الناتجة عن قيامهم بالثورة مصدر إلهام لهم. بعد أن عاشوا معظم حياتهم في ظل الاستبداد الخانق، تنفست الجماهير الروسية السياسة.

في الأشهر الأولى من الثورة، انتشر مطلب تحديد يوم العمل بثماني ساعات على نطاق واسع. ومن بين جميع الأحزاب الروسية، كان البلاشفة وحدهم هم من دعموا تلك الحملة. كان هذا درساً جيداً للعمال. ثم كانت مسألة الحرب، وبحلول يوليو، تذبذبت الآراء المؤيدة للحرب، كان تزايد أعداد الضحايا وتفاقم حالة الحرمان والفقر التي خلفتها الحرب، كافياً لتحول الجماهير ضد خطة الحرب التي أعلنها “كيرينسكي”. مرة أخرى، كان البلاشفة وحدهم هم من رفضوا الحرب وقادوا المظاهرات والاجتماعات المناهضة لها.

وجاءت الضربة القاضية للحكومة المؤقتة، و”أحزاب التسوية” (كما كان يُعرف عن المناشفة والاشتراكيين الثوريين)، عندما خطط الجنرال القيصري الرجعي “كورنيلوف”، في أغسطس 1917، لاستخدام القوة العسكرية لإعلان القانون العسكري ولاستعادة النظام السابق في عموم روسيا. عندها بدا جلياً أمام الغالبية العظمى من الجماهير أن الحكومة المؤقتة وحلفاءها من قادة السوفييت غير راغبين في حماية الثورة أوالدفاع عنها. وفي الجهة المقابلة، طالب الحزب البلشفي، ونجح، بتسليح الطبقة العاملة، منظماً جبهة دفاع شعبي ضخمة وناجحة ضد “كورنيلوف” (5).

على مستوى المصانع وثكنات الجنود، تغيرت تركيبة السوفيتات بقدر كبير، حيث عزلت الاجتماعات الجماهيرية مندوبي المناشفة والاشتراكيين الثوريين، واستبدلتهم بالبلاشفة. ونما الحزب البلشفي بشكل هائل – حيث وصل إلى ما يزيد عن 250 ألف عضو، وكان عدد قرّاء البرافدا – الجريدة الرسمية اليومية للحزب البلشفي – يقدر بالملايين.

وكان هذا تحولاً على مستوى الوعي الجماهيري. الحزب البلشفي، بقيادة لينين، أكد مراراً وتكراراً أن السوفيتات هي القوة الوحيدة القادرة على حل المشاكل الجماهيرية. وفي الفترة التي سبقت أكتوبر، قام البلاشفة بجولة في أنحاء البلاد، حيث خطبوا في الاجتماعت الجماهيرية، منددين بأفعال الحكومة المؤقتة ورافضين لها ومحرضين الجماهير ضدها. ونظموا مظاهرات ضخمة وقوية، حيث قدر المشاركين فيها بمئات الآلاف، تأييداً لسلطة السوفيتات. وهكذا، تمكنت الجماهير الروسية من إتخاذ قراراً سياسياً واعياً؛ فقطعت صلتها بالأحزاب الوسطية المترددة، و كذا بالرأسمالية، وابتعت الماركسية الثورية.

ذروة هذا التحول الجذري تمثلت في ثورة أكتوبر. في الخامس والعشرون من أكتوبر عقد المؤتمر العام الثاني للسوفيتات، حيث حضره مندوبي سوفيتات العمال والجنود المنتخبين من جميع أنحاء روسيا. ومن بين 650 مندوب، كان ما يقرب من نصفهم أي حوالي 350 مندوب من البلاشفة، وكانت تلك أغلبية في حد ذاتها. بقية المندوبين، وكان عددهم حوالي 160 مندوب فكانوا ينتمون ليسار الاشتراكيين الثوريين، الذي كانوا قد انشقوا عن الحزب في ذلك الوقت، واتخذوا جانب البلاشفة لصالح سلطة السوفيتات. أما القلة المتبقية فكانوا فرادى ثوريين. كما كان لا يزال هناك أتباع المناشفة ويمينيّ الاشتراكيين الثوريين، الذين ما لبثوا أن ألحقوا بأنفسهم مزيداً من العار بانسحابهم من المؤتمر حينما سارت الأمور على عكس ما يروق لهم. وبالتزامن مع المؤتمر، نظم البلاشفة الانتفاضة المسلحة التي مكنتهم من اعتقال فلول الحكومة المؤقتة.

تلى “أناطولي لوناتشارسكي”، أحد القادة البلاشفة البارزين، ومفوض الشعب لشئون التعليم لاحقاً، عقب الإعلان عن سقوط الحكومة المؤقتة، البيان التالي:

“تعتزم الحكومة السوفيتية إرساء السلام الديمقراطي فوراً.. كما ستؤمّن انتقال ملكية الأراضي للفلاحين، بدون أية تعويضات.. وستمكن العمال من السيطرة على الإنتاج.. وستضمن لمختلف الشعوب التي تستوطن روسيا حقها الأصيل في تقرير المصير. وأقر المؤتمر بأن: كل السلطة سوف تؤول لممثلي سوفيتات العمال، والجنود، والفلاحين”.

حين طرح هذا القرار للتصويت، اثنان فقط من بين جميع المندوبين صوتا ضده. كان هذا إعلاناً عن ميلاد سلطة السوفيتات.

لقد أثبتت سلطة السوفيتات، التي دامت لسنوات قليلة قبل أن تدمرها الستالينية، صحة القلب الصلب للماركسية وهو أن العمال يمكن أن يدركوا مصالحهم الطبقية مما يمكنهم من إنجاز الثورة الاشتراكية. السوفيتات كانت تجسيداً واقعياً لقدرة الطبقة العاملة الكامنة. لقد وُحدت الطبقة العاملة في أشكال ديمقراطية، وسمحت لها بالتفاعل مع غيرها من الشرائح المجتمعية، مثل الجنود والفلاحين. لقد هيأت السوفيتات ميداناً للنقاش والعمل معاً. كما منحت العمال مقدار هائل من القوة – كل هذه العوامل ساهمت في رفع الوعي السياسي للطبقة العاملة الروسية إلى مستوى الاشتراكية الثورة، وكان ذلك أكبر انتصار للثورة الروسية.

هوامش:

(1) الأوخرانا: الشرطة السرية القيصرية.

(2) في الجلسة الأول للسوفييت فور إسقاط القيصر، كان يتم بحث قرار نقل السلطة بشكل كامل للحكومة المؤقتة، أي إلى البرجوازية، ومن إجمالي 1500 أو 1600 مندوب، صوّت 15 مندوب فقط ضد القرار.

(3) كشفت أول انتخابات للسوفيتات أن البلاشفة يمثلون أقلية ضئيلة فيها؛ فمن إجمالي 1500 أو 1600 مندوب، كان هناك 40 مندوب بلشفي، أي 2,5% فقط من إجمالي المندوبين. لكن في الشهور اللاحقة، استطاع البلاشفة كسب تأييد أغلبية الطبقة العاملة الممثلة في السوفيتات على شعاراتهم الثورية، مما مهد الطريق لثورة أكتوبر 1917 وانتصارها.

(4) الاشتراكيون الثوريون: حزب فلاحي بالأساس، تأسس عام 1901، وشارك في الحكومة المؤقتة بعد إسقاط القيصر وعارض استيلاء السوفيتات على السلطة، فيما وافق على استمرار روسيا في الحرب وماطل في توزيع الأراضي على الفلاحين وتصدى لمطالب العمال خلال الفترة بين فبراير وأكتوبر 1917.

(5) يذكر إسحق دويتشر في كتابه “النبي المسلح” الذي قام فيه بتأريخ حياة وأفكار الثوري الروسي ليون تروتسكي، أن العصيان الذي أعده كورنيلوف للانقلاب على الثورة لم ينته بقوة السلاح فقط بل بـ “قوة الكلمة البلشفية” أيضاً، في إشارة إلى التحريض البلشفي لجنود كورنيلوف ضده.

التعليقات