بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حدود الديمقراطية الرأسمالية

الانتخابات البرجوازية

ليس هناك اتفاق على معنى الديمقراطية؛ فمن جانبٍ قد استشهد بها جورج بوش وباراك أوباما من بعده لتبرير الحروب في الشرق الأوسط وأفغانستان، وكل الأحزاب الفاشية في أوروبا اليوم إما تحمل كلمة “الديمقراطية” في أسمائها أو تحتوي عليها كجزءٍ من خطابها.

وعلى الجانب الآخر فقد اعتبرت الإضرابات العمالية والحركات بدءًا من الحركات الطلابية وانتفاضات العمال في الستينيات مرورًا بالمظاهرات المناهضة للرأسمالية في منعطف القرن الحالي وحتى حركة “احتلوا” التي ظهرت في عام 2011 أن الديمقراطية تتضمن الحق في التنظيم والحق في التظاهر وحرية الرأي والمساواة في الحقوق المدنية بغض النظر عن الطبقة أو العرق أو النوع أو الجنس، وقاموا بكشف الحدود الصارمة للحكومة التمثيلية كوسيلة للدفاع عن تلك الحقوق.

تاريخ الديمقراطية

نشأت الرأسمالية من النضالات الثورية ضد النظام الإقطاعي القديم، ففي الحرب الأهلية البريطانية في القرن السابع عشر وحرب الاستقلال الأمريكية والثورة الفرنسية قامت الطبقة الرأسمالية الجديدة التي كانت تسعى للحكم بتوظيف لغة الديمقراطية والحقوق العامة لحشد الجماهير للقتال في صفوفهم.

ولكن في كل الثورات سرعان ما اتجهت الطبقة الرأسمالية لتقييد حقوق الجماهير وتحصين سلطاتهم وامتيازاتهم الخاصة، وفي عام 1660 كان أحد أعضاء البرلمان في لندن صريحًا في تبريره إعادة تشارلز الثاني لمنصب رئيس الدولة قائلًا أن: “حكومة الملك برغم أنها استبدادية إلا أنها أفضل كثيرًا من استبداد العامة”.

في حرب الاستقلال الأمريكية استخدم الرأسماليون خطابًا أكثر راديكالية من أسلافهم بينما كانوا يقومون بحشد الجماهير لهزيمة البريطانيين، وكما كان الفرنسيون يرفعون لافتات الحرية والإخاء والمساواة كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة يتحدثون عن “حقوق الإنسان”، وأعلن إعلان الاستقلال أن الحكومات “تستمد سلطاتها الشرعية من موافقة المحكومين”.

ولكن النخبة الرأسمالية واجهت مسألة كيفية تعزيز حكمهم، حيث توقعت الجماهير أن يتم إشراكهم في نتائج الثورة التي قاموا بدعمها، وقد كانوا مسلحين، ولذا كما قال المؤرخ النيوزلندي “براين روبر” في كتابه “تاريخ الديمقراطية”: “شرع واضعو الدستور في أول تجربة لتخطيط مجموعة من المؤسسات السياسية التي ستقوم بتجسيد سلطة العامة وتقليصها في ذات الوقت”.

وكما قال “جايمس ماديسون” أحد واضعي الدستور الأمريكي فإن الاختيار عن طريق التصويت سوف “ينقّي وينمّي الآراء العامة عن طريق تمريره عبر هيئة مختارة من المواطنين”، من المفترض أن تضمن المنافسة الشديدة على بضعة مناصب حكومية هيئةً مكونة ممن هم أكثر موهبةً.

كانت الخطة الفعلية هي ضمان احتفاظ الأغنياء بتكافؤ السلطة مع الامتيازات الاقتصادية، وكان ماديسون واضحًا تمامًا حين قال أن حماية حقوق الملكية لابد أن تكون أول أهداف الحكومة. إن الديمقراطية التشاركية الخالصة مثل الديمقراطية الأثينية القديمة التي يتم فيها اختيار الأشخاص للمناصب الحكومية عن طريق القرعة سوف تكون معيبة بشكل قاتل لأنها ستكون مليئة بالاضطرابات والخلافات؛ وهو ما لا يتوافق أبدًا مع “حق الملكية”. أفصح ألكساندر هاملتون؛ المحامي والمصرفي الذي ساهم في وضع الاتفاقية الدستورية وشهد كتابتها وكان ذو أثرٍ في التصديق على الدستور، عن التبرير الأيديولوجي لهذا الأمر، حيث قال: “بينما تزداد الثروات وتتراكم في أيدٍ قليلة سوف يتم اعتبار الفضيلة ملحقةً بالثروة، وميزة شخصية تميّز الأثرياء، وعلى الأرجح فإن رذائلهم أكثر ملائمة لازدهار الدولة وهم يشاركون في الفساد الأخلاقي أقل من الفقراء”.

إن المحكمة العليا هي إحدى المؤسسات الأمريكية الرئيسية التي سمحت بالتمثيل ولكن دون سيطرة، وازدهرت طبقة من المتخصصين في القانون مما ضمن أن الملكية الخاصة قد أصبحت بالفعل مقدسة ولا يتم انتهاكها من قبل الدولة أو  الفوضى على حد سواء، ومع ذلك فإن الفصل بين السلطات ليس أمرًا تنفرد به الولايات المتحدة بل أنه أحد مظاهر حكم الرأسمالية.

النضال من أجل الاقتراع العام

لم يتزعزع الاستقرار الذي عقب الثورة الانجليزية بشكل جدي حتى إصدار قانون الإصلاح الكبير في عام 1832 والذي منح حق الانتخاب للطبقة الوسطى الجديدة الناشئة في الثورة الصناعية، مما رفع نسبة الذكور البالغين القادرين على التصويت إلى حوالي ثمانية عشر بالمائة.

وعلى صعيدٍ آخر تم نقل العشرات من “محطمي الآلات” وآخرين – بما فيهم عمال نسيج جلاسجو في عام 1820 وشهداء تولبادل الذين أسسوا نقابةً في عام 1834 – إلى نيو ساوث ويلز وأرض فان دايمن، وتم نقل خمسمائة عاملًا زراعيًا في عام 1830 ردًا على أحداث الشغب بريف انجلترا الجنوبي والتي اشتهرت بتحطيك الآلات وحرق الممتلكات، ولم تنتهِ تلك الأحداث إلا في عام 1848 عندما أصبحت الحركة التشارتية أول حركة للطبقة العاملة تطالب بالاقتراع العام، نُقل 102 من أعضاء الحركة إلى أستراليا كسجناء بين عامي 1893 و1847.

كانت الحركة التشارتية تقوم بانتظام بحشد مئات الآلاف المطالبين بحق الاقتراع لجميع الذكور فوق سن الحادية والعشرين، وإعطاء رواتب لأعضاء البرلمان، وإصلاحات أخرى لتمكين رجال الطبقة العاملة من دخول الحلبة السياسية كما لم يحدث من قبل، عَكَس ذلك الإدراك المتنامي لأن المظاهرات والنقابات العمالية وحدها لن تحسّن من الفقر والاستغلال الذي تعاني منه الأغلبية العظمى، فالحكومات المكوّنة من ممثلي الأغنياء وذوي الامتيازات وقفت دائمًا إلى جانب المستغِلين.

في تلك الحركة الكبيرة نشهد ظهور ما أصبح فيما بعد بديلًا للديمقراطية الرأسمالية؛ حيث ألهمت الحركة والنضالات العمالية الأخرى ماركس وإنجلز وأصبحوا ينظرون إلى النضال باعتباره وسيلة يمكن من خلالها تأسيس المجتمع على أساسٍ جديدٍ. فانتشرت التنظيمات الكبيرة المستوحاة من فكرة الوقوف إلى جانب الجماهير العريضة ضد طبقة الحكام الضئيلة، وأدى هذا الإحساس بالهوية المشتركة إلى تعاطف غير مسبوق من قبل العمال البريطانيين تجاه المهاجرين الأيرلنديين الذين أصبحت معاناتهم تعتبر جزءًا من الاضطهاد العام للعمال، وكان بعض أكثر القادة تصميمًا واحترامًا من السود بالرغم من العنصرية المهيمنة التي كان يتم الاستشهاد بها لتبرير العبودية.

بالرغم من أن الحركة التشارتية كانت تنادي بالاقتراع للذكور فقط إلا أن العديد من أعضائها الذكور البارزين كتبوا مقالات وكتيبات تطالب العمال بدعم الاقتراع للإناث، وقام أحدهم في كتيبه “حقوق النساء” الذي قام بكتابته في السجن بانتقاد رجال الحركة بسبب اهتمامهم القليل بحقوق المرأة السياسية والاجتماعية، وطبقًا لدوروثي طومسون؛ المؤرخة للحركة، فإن مئات الآلاف من النساء كانت تقوم بتنظيم الاجتماعات وحضورها، وتقول “في بداية الأربعينيات من القرن التاسع عشر كان حق المرأة في الاقتراع يبدو أحد الإصلاحات الرئيسية التي كان يتوقع معظم أعضاء الحركة التشارتية حدوثها”.

ومع ذلك لم يتوسع حق الانتخاب ليشمل أكثر من هذه الطبقة الصغيرة من الرجال سوى عام 1867، وحتى في قانون الإصلاح عام 1884 لم يحصل سوى اثنين من كل ثلاثة رجال على حق التصويت، ولم تحصل النساء على هذا الحق سوى في عام 1928، واستغرق الأمر أكثر من قرنٍ حتى يحصل الرجال العاملون والنساء والسود والسكان الأصليين على حق التصويت، حيث أُجبرت الولايات الجنوبية من الولايات المتحدة من قبل الحكومة الفدرالية على السماح للأمريكين من أصول أفريقية بالمشاركة كمواطنين لهم حق التصويت عام 1965 بعد حركة الحقوق المدنية الكبيرة.

وفي أستراليا التي تعرضت للغزو والاستعمار بالمحكومين عليهم بالأشغال الشاقة وبالعديد من النشطاء السياسيين ونشطاء النقابات العمالية، منحت جنوب أستراليا حق الاقتراع العام للذكور عام 1856، وكانت أول حكومة تقوم بذلك في العالم، وعلى نحو مركزي كانت أستراليا أول دولة تقوم بتقديم الاقتراع العام لغير السكان الأصليين في عام 1903 ولكن لم يتم إزالة القيود على حق السكان الأصليين في الانتخاب سوى في الستينيات.

ولا يعد من باب المصادفة أن أصبح الاقتراع العام حقيقةً في سلسلة من الدول الأوروبية بين عامي 1918 و1920 حيث انتشرت الميول الثورية كالنار في الهشيم بعد الثورة الروسية عام 1917 وتجربة الحرب العالمية المريعة.

الرأسمالية والديمقراطية

يقول بعض علماء الاجتماع أن الرأسمالية تنتج الديمقراطية بالضرورة، بينما الحقيقة أن الرأسمالية تخلق الظروف التي تكون فيها الديمقراطية التمثيلية ممكنة وليست حتمية، كان الفلاحون في ظل النظام الإقطاعي ينتجون احتياجاتهم الأساسية في الأرض وكان الملاك الأرستقراطيون يعتمدون على القوة الغاشمة للحصول على ما يكفي استهلاكهم، أما الرأسمالية فعلى النقيض قامت بفصل العمال عن أي سيطرة على وسائل إنتاج الثروة.

بعد فصل العمال عن أي سيطرة على ما سيتم إنتاجه وكيفية إنتاجه يواجهون أصحاب العمل كمواطنين متساوين، وأشار ماركس في كتابه “رأس المال” إلى أن العمال لهم الحرية في عرض قوة عملهم بالسوق، ويجبرهم إلزام الحقائق الاقتصادية فقط على العمل لصالح الرأسماليين، وإن حقيقة الاستغلال وعدم التكافؤ في القوى المتستر في هذه العملية التجارية هي ما يجبر العمال على التوحد في النقابات العمالية.

ليست هناك حكومة منتخبة تتحكم بالفعل فيما يحدث عند مرحلة الإنتاج، فنحن لا نصوت للبطالة، أو نوع السيارات الذي سنقوم بإنتاجه، أو أي الشركات ستنهار في أزمةٍ اقتصادية، بمعنى آخر فإنه بينما يمكن لتشريعات الحكومة أن تدّعي ممارسة الرقابة، فإن القرارات الجوهرية التي تحدد حياة الملايين يتم اتخاذها في قاعات الاجتماعات ويخوت الرؤساء التنفيذيين للشركات.

ويشرح “فريتز ثيسين”؛ أحد الرأسماليين الذين قاموا بتمويل هتلر، لماذا يستطيع الرأسماليون أن يتقبلوا الديمقراطية التمثيلية، قائلًا: “إن صاحب المصانع يميل دائمًا إلى اعتبار السياسة وترًا آخر في قوسه، ففي دولة تُدار بشكل جيد حيث تكون الإدارة سليمة والضرائب معقولة والشرطة منظمة بشكل جيد، يمكنه أن يبتعد عن السياسة ويكرّس نفسه للعمل بشكلٍ كامل”.

إن هذا الفصل بين الاقتصاد والسياسة هو ما يوفر سياقًا للديمقراطية التمثيلية يضمن استمرار حكم قلة مستغِلة، ولكن حتى الديمقراطية المحدودة ليست حتمية، فقوى الدولة تحوم وراء واجهة الديمقراطية والتي غالبًا ما تستخدم ببساطة للترهيب والتحذير.

لا تستطيع الرأسمالية المحافظة على تلك الواجهة دائمًا في ظل نظام الأزمات المتكررة والحروب، وقد تُستخدم الدولة لتشويه وسجن وقتل هؤلاء الذين يرفضون قبول وحشية الرأسمالية، فقد اتجه الرأسماليون إلى الفاشية أو الديكتاتورية العسكرية في أوقات الأزمات حين اعتقدوا أنها ضرورية؛ مثل هتلر في ألمانيا، وموسوليني في إيطاليا، وفي إسبانيا والبرتغال منذ أواخر الثلاثينيات وحتى السبعينيات، وبينوشيه في تشيلي عام 1973، والمجلس العسكري اليوناني من عام 1967 وحتى عام 1974، ونظام سوهارتو في أندونيسيا بعد عام 1965. وأشيد بهذه النظم باعتبارها مُخلّصة للحضارة حين أوقعت مذابح جماعية لشعوبها، حتى دخل الغرب في حربٍ مع هتلر. كتب بول كيتنج؛ رئيس الوزراء السابق وعضو حزب العمال الاسترالي أن مذابح سوهارتو التي راح ضحيتها حوالي مليون شخص كانت أحد أفضل الأشياء التي وقعت في أنحاء استراليا لأنها حققت الاستقرار.

لقد أنتجت الأزمة الحالية مستويات من البطالة لم نشهدها منذ الكساد الكبير في الثلاثينيات في عدة دول في أنحاء أوروبا، وأجبرت الهجمات على العمال حتى في الولايات المتحدة؛ أقوى دولة إمبريالية، العاملين بالسيارات على الاقتطاع من رواتبهم حتى الثلث، ونتيجة لذلك ظهرت وسائل أخرى لتحديد الديمقراطية.

اقترح جورج باباندريو رئيس الوزراء اليوناني في نوفمبر 2011 اجراء استفتاء على “حزمة إنقاذ”؛ وهي برنامج تقشف قاسي تمت مناقشته مع البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، استجاب المجتمع الأوروبي بأكمله بغضبٍ تام، ففكرة اعطاء الناس حق التصويت على إدارة الأزمة الاقتصادية لم تكن مقبولة، وخلال أيام تم استبدال بابانديرو بلوكاس باباديموس غير المُنتخب، وهو المدير السابق لبنك اليونان ونائب رئيس البنك المركزي الأوروبي منذ عام 2002 حتى عام 2010، ويدعوه الإعلام بالتكنوقراط.

وبينما بدأت أزمة الدين الإيطالية في التفاقم استقال سيلفيو برلسكوني وتم استبداله بـ”تكنوقراط” غير مُنتخب آخر هو ماريو مونتي؛ وهو في الحقيقة مسئول أوروبي ومستشار دولي لبنك “جولدمان ساكس” وشركة “كوكاكولا”، وتم تعيينه “سناتور لمدى الحياة” وبعد أسبوع حلف اليمين كرئيسٍ للوزراء ورئيس حكومة وحدة وطنية من المصرفيين ورجال الأعمال.

في وضع الأزمة الاقتصادية القصوى تم وقف حق الشعب الديمقراطي في انتخاب حكومتهم ببساطة لفرض التقشف الوحشي الذي قد تخفق الحكومات التي تخضع بالفعل لضغط انتخابها في تبنيه.

أرست الأربعة عقود من السياسات النيوليبرالية في أستراليا لأساس الرفض المتزايد للديمقراطية، فالسياسة الاجتماعية وتصورات الصالح العام يتم تحديدها بصورة واضحة بالرجوع إلى ما تعنيه بالنسبة لخزانة الدولة، وآلت المهام الحكومية بشكل متزايد إلى مؤسسات غير منتخبة.

ديمقراطية العمال

يتضح من تاريخ الديمقراطية البرلمانية أنه إذا تم القضاء على الفقر الجماعي والحروب والاضطهاد، وإذا تم الحفاظ على البيئة، سوف يكون وجود صورة بديلة من الديمقراطية أمرًا ضروريًا تمامًا، ويوضح تاريخ النضالات العمالية شكل هذا البديل.

انتفض عمال باريس عام 1871 واستولوا على المدينة واستبدلوا آلات الدولة القديمة بكميونة باريس، رأى ماركس أن العمال قد قدموا إجابة لسؤال كيفية استبدال الرأسمالية وأنظمة سلطاتها، لقد خلق العمال تنظيماتهم الديمقراطية الأصلية، ليست تلك الناتجة عن نظرية مجردة، ولكن عن أفعال الثوريين الذين استولوا على باريس، ثم عندما انتفض عمال روسيا في الثورة عام 1905 كانت الطبقة العاملة أكثر قوة في الدفاع عن حقوقها، مما أعطانا صورة أكثر وضوحًا.

تم اختيار المندوبين بالكميونة في باريس طبقًا للنطاق الجغرافي مما منح إصلاحيي الطبقة الوسطى تأثيرًا غير مستحق، وفي روسيا عام 1905 خلق العمال هيئات تمثيلية مكونة من مندوبين من أماكن العمل، مما أثار مسألة السلطة الديمقراطية في أماكن العمل حيث يتم إنتاج ثروة المجتمع، كان يمكن استدعاء المندوبين في أي وقت على عكس سياسيينا الذين يعملون بشروط محددة، تلقوا رواتب توازي رواتب العمال المهرة وظلوا يعملون بينما كانوا يختبرون عواقب قراراتهم إلى جانب هؤلاء الذين صوّتوا لصالحهم، علينا أن نفكر كم أن هؤلاء المندوبين يصبحون أكثر تحملًا للمسئولية من الأشخاص الذين نصوّت لصالحهم ولكننا لا نلتقي بهم أبدًا وجهًا لوجه إلا عندما نتظاهر أمام مكاتبهم احتجاجًا.

لقد تم تأسيس تلك الأنواع من التنظيمات؛ مثل السوفييتات في روسيا، والمجالس العمالية في إنجلترا، ومجالس “شورى” في إيران عام 1979 قبل تحطيمهم من قبل رجال الدين الإسلاميين، وسط العديد من الحركات العمالية الثورية منذ ذلك الوقت، كانوا يجعلون إدارة الشئون الاقتصادية والاجتماعية في يد الهيئات التمثيلية، وهو ما أشار ماركس إلى أهميته الشديدة في عام 1871. إن العمال يخلقون الثروة التي يمكن استخدامها لإثراء المجتمع بأسره، لذا لا يمكنهم فصل الحكم السياسي عن السيطرة على عملية الإنتاج كما يفعل المستغِلون، والنضالات الثورية التي تفرز مجالس العمال تغيّر العمال وتجعلهم ملائمين للحكم كما يقول ماركس، حيث يتغلبون على الانقسامات ويصبحون قادرين على بناء مجتمعٍ إنساني جديد، بدلًا من ترقيم بضعة صناديق في الانتخابات.

هناك من يقولون أن المجتمع اليوم أكثر تعقيدًا من أن يقوم العمال بتنظيمه، ولكن بجانب نمو طبقة عاملة مثقفة ماهرة طوّرت الرأسمالية أنظمة اتصال هائلة. في بولندا عام 1981 استخدم العمال أنظمة الهاتف لإذاعة الاجراءات في الاجتماعات بين ممثليهم ورؤسائهم في المصانع، أما اليوم فليس من الصعب تصور أن تكون مجالس العمال في أماكن العمل متصلة؛ ليس فقط على مستوى المدينة أو الأمة بل على المستوى الدولي، لن تكون هناك حاجة للسرية ويمكن تحميل المندوبين المسئولية واستبدالهم إذا لم يقوموا بتنفيذ السياسات التي يدعمها ناخبوهم.

بالطبع سوف تكون هناك اختلافات بشأن كيفية الوصول إلى عالمٍ أفضل، ولكن بمجرد أن يتم كسر سلطة الرأسمالية يمكن إجراء تلك النقاشات بين الأشخاص ذوي المصالح المشتركة، ففي مجتمع طبقي حيث يعيش المستغلون على ما ينتجه عمل الأغلبية لا يمكن حل المصالح المتضادة عن طريق النقاش، ولذا يعتمد الرأسماليون على الدولة القمعية لفرض مصالحهم عند الضرورة.

إن الديمقراطية الرأسمالية هي حل وسط بين الطبقات، وهي تنازل انتزعه العمال بنضالهم، وبينما يجب الدفاع عن الحقوق الديمقراطية دائمًا إلا أنه يجب النظر إلى تلك الحقوق باعتبارها مجرد أساس يمكننا الانطلاق منه للنضال من أجل حكمٍ من الشعب إلى الشعب، فلا يمكن أن نثير الفوضى أكثر من العصابة التي تحكم في الوقت الحالي.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 10 سبتمبر 2013 بموقع منظمة البديل الاشتراكي بأستراليا

التعليقات