بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرية

سلسلة: أ.ب اشتراكية

هل تنجح الثورة بدون جماهير؟

2012_10_10_hl_tnjh_

لا يذكر التاريخ ثورة واحدة سارت طوال الطريق على خط مستقيم؛ فالثورة ليست معركة من جولة واحدة بين خصمين متصارعين يحرز أحدهما نصراً على الآخر في جولة واحدة، بل عملية قد تطول من الصراع بين معسكر الجماهير الفقيرة والمقهورة ومعسكر الطبقة الحاكمة التي تقاتل هي الأخرى من أجل الحفاظ على صلاحياتها ومكاسبها، حتى وإن غيّرت قناعها من العسكري إلى الإسلامي، إلخ.

ويتوقف استمرار الثورة على العديد من العوامل المختلفة، التي من بينها عمق الأزمة الاجتماعية والسياسية، ومدى قوة وتماسك الطبقة الحاكمة أثناء محاولاتها هزيمة الثورة أو احتوائها.. لكن العامل الأكثر أهمية هو وحدة وتنظيم الجماهير الفقيرة لصفوفها أثناء النضال من أجل تحقيق أهداف الثورة. وبقدر ما تستطيع الجماهير تنظيم صفوفها (العمال في المصانع، والطلاب في الجامعات، والفلاحين في القرى، والفقراء والعاطلين والمهمشين في أحيائهم)، بقدر ما تستطيع إحراز النصر وإلحاق الهزيمة بالطبقة الحاكمة ومخططاتها المضادة، والتقدم بالثورة إلى الأمام من خلال التصعيد الثوري والانتقال من مرحلة إلى أخرى في طريق الانتصار.

ولا شك أن أي معركة تخوضها الجماهير، من أجل تحقيق النصر فيها، فهي تحتاج لاتخاذ خطوات تصعيدية تهدد بها السلطة الحاكمة وتجبرها على تحقيق مطالبها، وصولاً إلى انتزاع هذه السلطة نفسها. لكن هل يمكن أن تُتخذ خطوات التصعيد في النضال من قبل الثوريين فقط، من قبل أولئك الذين يناضلون من أجل تغيير المجتمع جذرياً فقط؟ وهل يكفي أن يمضي الثوريون وحدهم في التصعيد من دون الجماهير التي صنعت – وتصنع – الثورة بنفسها؟

تراث الاشتراكية الثورية.. نضال “الأغلبية”

إن تراث الاشتراكية الثورية هو تراث نضال مئات الآلاف والملايين من العمال والطلاب والفقراء ضد الاستغلال والاستبداد والاضطهاد. فأحد ركائز الاشتراكية الثورية الأساسية هو أنه لا يمكن إنجاز التغيير الجذري في المجتمع، ولا يمكن تحقيق النصر في المعارك المختلفة، إلا بنضال ومشاركة ووحدة الجماهير – أو على الأقل أغلبها – فيها، سواء كانت تلك المعارك في المصنع أو الجامعة أو القرية أو الحي الفقير من أجل مطالب وإصلاحات جزئية، أو كانت نضالاً مباشراً ضد الرأسمالية وسلطة الدولة التي تحميها.

هكذا في الثورة الروسية، على سبيل المثال، لم يكن ممكناً للثورة أن تُسقط القيصر في فبراير 1917 من دون مشاركة جماهير غفيرة بالملايين من العمال والفلاحين والطلاب الثوار. وحتى فيما بعد، خلال الأشهر التالية على إسقاط القيصر، لم يكن من الممكن أيضاً استيلاء المجالس العمالية الديمقراطية على السلطة وتحقيق أهداف الثورة (الأرض والخبز والسلام) من دون انتفاضة “أغلبية” العمال والفلاحين واقتناعهم العملي التام بالشعار الذي رفعه وقتها الحزب البلشفي الثوري لاستيلاء مجالسهم الديمقراطية، التي أنشأوها بأنفسهم، على السلطة في أكتوبر 1917.

حتى أنه في يوليو 1917، حينما كان الشارع يموج بالعمال والجنود الذين كانوا يتظاهرون ضد الحكومة المؤقتة (التي أعقبت إسقاط القيصر وتصدت تماماً لأهداف الثورة)، تطورت هذه المظاهرات التي حملت الرايات البلشفية وظهرت خلالها الدعوة للاستيلاء بشكل مباشر على السلطة السياسية. لماذا إذن تأخر استيلاء المجالس العمالية على السلطة – كما دعا الحزب البلشفي – ليحدث في أكتوبر وليس يوليو 1917؟ كان البلاشفة حينئذ يحوذون تأييد أغلبية العمال في العاصمة الروسية (بتروجراد وقتها)، وصحيح أن ذلك كان كافياً للاستيلاء على السلطة في المدينة، لكن كان يجب قبل كل شيء حشد تأييد على الأقل “أغلبية” الجماهير في كل روسيا وليس في العاصمة فقط، لتأسيس سلطة جماهيرية قاعدية جديدة.

كان لينين، أحد أبرز زعماء الحزب البلشفي، وقتها على قناعة تامة بأنه من المستحيل الإقدام على هذه الخطوة – الاستيلاء على السلطة – من دون أن تكون “أغلبية الجماهير” على قناعة تامة أيضاً بذلك، على قناعة تامة بأن لا سبيل لانتصار الثورة إلا باستيلاء مجالس العمال على السلطة السياسية. ومن أجل ذلك، من أجل كسب تأييد أغلبية الجماهير لصالح هذه الخطوة، استغرق البلاشفة الشهور بين يوليو وأكتوبر لإقناع وكسب الجماهير في صف هذه الخطوة الثورية، ولم يكن ذلك فقط بالشعارات الثورية، لكن أيضاً – وهذا هو الأهم – بالتكتيكات والمواقف العملية في كل المعارك مهما كانت صغيرة.

إن تراثنا الثوري مليء بالعشرات من هذه الأمثلة في نضال الجماهير الثائرة ضد الطبقة الحاكمة من أجل الاستيلاء على السلطة، ومئات أخرى من الأمثلة في النضالات الأصغر حجماً في المصانع والجامعات والقرى ضد ممثلي تلك السلطة من رجال أعمال مستغلين ومجالس إدارات فاسدة، إلخ.

دور الثوريين

وإذا كان على الثوريين أن يسعوا بكل جهد ودأب لكسب تأييد الجماهير في مجرى الصراع المباشر ضد السلطة الرأسمالية الحاكمة، فعليهم أيضاً وبنفس القدر أن يناضلوا من أجل أن تقتنع الجماهير وتتبنى دعواتهم في كل المعارك الجزئية الصغيرة التي ينخرطون فيها. دائماً يريد الثوريون في هذه المعركة أو تلك أن يصعدوا النضال ضد إدارة المصنع أو الجامعة مثلاً من أجل انتزاع المطالب، لكن الخطوات التصعيدية التي يبتغيها الثوريون ويرونها صحيحة وضرورية لا يمكن أن تحقق أهدافها إلا إذا اتفقت عليها وشاركت في تنفيذها الجماهير نفسها، أو على الأقل أغلبها، في هذا الموقع أو ذاك.

لكن في الكثير من الأحيان يجد الثوريون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع السلطة، وحدهم في ميدان المعركة من دون مساندة جماهيرية تُذكر، حينها عليهم أن يسعوا جاهدين لكسب الآخرين لهذه المعركة بكل السبل الممكنة. لكن الكارثي في هذه الحالة أن يسبقوا زملائهم ويصعّدوا النضال من دونهم، بل والأنكى أن “يفرضونه” عليهم أيضاً.

إن الفعل الثوري الحقيقي ليس تصعيد النضال مائة خطوة للأمام بانفصال عن الجماهير، أو اتخاذ خطوات تصعيدية و”فرضها” على أغلبية الجماهير في الجامعة أو المصنع؛ فلن يُعد ذلك سوى إقرار عملي بأن هذه الجماهير ليست طرفاً في المعركة ولا رقماً في معادلتها، ولا يؤدي ذلك إلا إلى استعداء تلك الجماهير وبالتالي إلى المزيد من العزلة والتفكك، وهذا بالتأكيد هو أكبر خطر على الثورة بما يشمل كافة معاركها الجزئية.

إن الثوري الحقيقي الجاد في نضاله هو من يحرص خلال هذا النضال على أن يتخذ الخطوة التصعيدية تلو الأخرى بالجماهير المهضوم حقها ومعها.. يوحدها ويقودها ويرشدها للخطوات التالية الضرورية من أجل الانتصار في النضال بانتزاع المطالب.. هذا وحده هو الفعل الثوري الجاد الذي يوحد الجماهير وينظم صفوفها خلال النضالات، وليس أن يتعالى عليهم بالقفز مائة خطوة دفعة واحدة دونهم.

التعليقات