بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أ ب اشتراكية: الـديـمـقـراطـيـة

تطورت في التاريخ رؤيتان مختلفتان عن “الديمقراطية”. الأولى ترى أن الديمقراطية تقدم الحلول السحرية لمشاكل المجتمع، وبالتالي يرفع أصحاب هذه الرؤية شعار “الديمقراطية وحدها تكفي”، ويعتبرونها غاية تسبق كل شيء. بينما ترى الرؤية الثانية أن مشاكل المجتمع هي في الطريقة والنظام الذي يُدار به، والذي عن طريقه يتم توزيع الثروة وتقاسم السلطة في المجتمع، وبالتالي يرى أصحاب هذه الرؤية أن الديمقراطية السياسية وحدها “لا” تكفي.

“الديمقراطية وحدها تكفي”. هذا الشعار رغم بريقه، إلا أنه خاطئ ورديء. ومن يرفعونه يرون المجتمع عبارة عن تكوين واحد متجانس يحتاج فقط إلى إدارة رشيدة، وذلك الرشاد يعتمد على آليات الديمقراطية –وعلى رأسها الانتخابات- لاختيار الأكفأ لإدارة المجتمع، عن طريق إلقاء ورقة في صندوق الانتخاب مرة كل ست أو خمس سنوات. هذا ما يحدث بالفعل في الدول الرأسمالية المتقدمة. في حين ليس من حق أحد، في تلك الدول، انتخاب القضاة الذين يحاكمونه أو الضباط الكبار في الجيش والشرطة، ليس من حقه انتخاب رؤسائه في العمل أو في الجامعة، إلخ. يتم سؤال كل مواطن عن الرئيس الذي يريده من بين المرشحين، لكن لا يتم سؤاله ما إذا كان يوافق على طرده من العمل أو تخفيض أجره أو زيادة الأسعار أو عندما تعتزم الدولة الدخول في حرب، وهكذا.

وبالرغم من ذلك، فإن البلدان التي تفتقر إلى الديمقراطية السياسية، تكون فيها الحاجة إلى الديمقراطية ضرورة ملحة؛ فالديكتاتورية في تلك البلدان تكون أداة رئيسية لتنفيذ مخططات الطبقة الرأسمالية في السيطرة والنهب، وليست سياسات قمعية معزولة عن عملية الاستغلال (لم يكن في مصر، على سبيل المثال، من الممكن خصخصة ونهب المصانع، أو قمع الاعتصامات والمظاهرات، أو عقد اتفاقيات الكويز والغاز مع إسرائيل، دون ديكتاتورية تحكم البلاد بيد من حديد).

ولكن حتى في البلدان ذات الحكم الديمقراطي، باستمرار سيطرة الرأسماليين على الثروة فيها، تظل الديمقراطية مهددة؛ حيث تتحكم حفنة ضئيلة من الرأسماليين، ليس فقط في وسائل الإنتاج المادي، ولكن أيضاً في وسائل الإنتاج الذهني مثل الصحافة والتليفزيون وغيرهما من وسائل الدعاية. ومن ناحية أخرى، لعله من المنطقي أن نعتقد أن جهاز الدولة الرأسمالي سيقف بجانب الرأسماليين، إذ أن الجيش والبوليس والجهاز القضائي سيبقون على دعمهم للطبقة الرأسمالية. وبذلك تستطيع هذه الطبقة الانقلاب على الديمقراطية بسهولة إذا ما انتخبت الجماهير حكاماً لا يسعون لخدمة المصالح الطبقية للرأسماليين (كما حدث في بنما وشيلي وفنزويلا ودول أخرى). لذلك فإن الديمقراطية وحدها ليست كافية على الإطلاق؛ إذ أن اللامساواة والاستغلال والاضطهاد يبقون جميعاً على حالهم طالما ظلت الثروة الاجتماعية في أيدي أقلية صغيرة من الرأسماليين في المجتمع.

وبالنسبة للديمقراطية فهي بالتأكيد لا تحمل معنى ثابت متفق عليه، فالمجتمع ليس كتلة متجانسة، بل طبقات متصارعة ومتناقضة في المصالح، والدولة ليست حكماً عادلاً أو محايداً بين هذه الطبقات لكنها منحازة بوضوح للطبقة المسيطرة اقتصادياً واجتماعياً. وفي كثير من الأحيان تكون الديمقراطية، بالنسبة للطبقة الرأسمالية، آلية مناسبة تتوافق مع مصالحها، حيث يمكن تغيير السياسات العامة بلا مخاطر أو عنف أو صدام مباشر مع الجماهير والفقراء، كما أنها تعطي هؤلاء الجماهير انطباعاً بالمشاركة في الاختيار.

لا يمكن أن يكون ذلك هو مفهوم الديمقراطية التي نريدها، فالديمقراطية الحقيقة تعني سيطرة الجماهير ليس فقط على اختيار ممثليها، ولكن أيضاً المشاركة في اتخاذ وصياغة كل قرار، بما يتطلب التحكم الجماهيري المباشر في أدوات الإنتاج وتخطيط وإنتاج وتوزيع ثروة المجتمع، من خلال المجالس القاعدية للجماهير في المصانع والأحياء والقرى، تلك المجالس واللجان التي يخلقها النضال الجماهيري من أسفل، والتي نرى نماذج كبيرة وصغيرة منها في الانتفاضات والثورات المختلفة، منذ الثورة الروسية 1917 إلى ثورات القرن الحادي والعشرين. ذلك النموذج الديمقراطي الجماهيري القاعدي هو ما نرى جنينه في رحم النضالات العمالية والجماهيرية في مصر.

التعليقات