بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي: العلم والتقنية والمجتمع

2013_02_16_trwtsky_ythdth

هذا النص هو خطبة ألقاها الاشتراكي الثوري الروسي ليون تروتسكي في المؤتمر الأول لجمعية أصدقاء الراديو لعامة روسيا في 1 مارس 1926، أي قبل عامين فقط من طرد تروتسكي خارج روسيا على يد بيروقراطية جوزيف ستالين التي خربت الاشتراكية في روسيا. تُرجمت الخطبة إلى الإنجليزية لأول مرة في الذكرى الرابعة عشر للثورة الروسية. 

عصر جديد من الفكر العلمي والتقني 
أيها الرفاق، لقد عُدت لتوي من تركمانستان، حيث حضرت الاحتفال بعيدها القومي. تركمنستان الجهورية الشقيقة الواقعة في وسط آسيا تحتفل اليوم بالذكرى السنوية لتأسيسها. بالطبع، سيبدو ذكر تركمانستان وكأنه موضوع بعيد الصلة عن تقنية الراديو، وبعيدًا عن جمعية أصدقاء الراديو، لكن في الواقع، هناك صلة وثيقة جدًا بينهما. لأنه وبسبب بعد المسافة بيننا وبين تركمانستان، يجب أن تكون أكثر قربًا للمتواجدين في هذا المؤتمر.

ونظرًا لضخامة واتساع مساحة بلدنا الاتحادية، والتي تضم تركمانستان فيما تضم – والتي تغطي مساحة تصل إلى نحو 600 ألف فيرست[1]، أي أنها أكبر من ألمانيا، أكبر من فرنسا، أكبر من أي دولة أوروبية، أرض يتناثر فيها السكان بين الواحات، حيث لا توجد طرق ممهدة – وكما قلت، نظرًا لهذه الظروف، ربما تكون تقنيّة الراديو قد اخترعت خصيصًا لصالح تركمانستان، كي تتواصل معنا. نحن بلد متخلف؛ وبلدنا بالكامل، بما في ذلك حتى المناطق الأكثر تقدمًا، متخلفة للغاية من الناحية التقنيّة، وفي نفس الوقت ليس لدينا أي حق في البقاء على هذه الحالة، لأننا نبني الاشتراكية، وتفترض الاشتراكية وتتطلب مستوى عال من التقنية.

وكما أن شق الطرق وتعبيدها في المناطق الريفية يحسّن من أوضاع تلك المناطق ويبني جسورًا تعبر بهم للأمام (وكم نحن بحاجة ماسة للمزيد من هذه الجسور)، يتعين علينا في الوقت نفسه اللحاق بركب الدول الأكثر تقدمًا في مجال أحدث الانجازات العلميّة والتقنيّة – ومن بين هذه التقنيات، وفي المقام الأول، تقنيّة الراديو. يمكنني القول بأن اختراع كل من التلغراف والهاتف ربما يكون وكأنه حدث خصيصًا من أجل إقناع المتشككين فيما بيننا بالإمكانيات غير المحدودة الكامنة في العلم والتكنولوجيا، ولإظهار أن كل الإنجازات التي سجلها العلم حتى الآن ليست سوى مقدمة موجزة لما ينتظرنا في المستقبل.

دعونا نلقي نظرة على الخمس وعشرين عامًا الأخيرة – فقط ربع قرن من الزمان – لنتذكر ما قد حققه الإنسان من إنجازات وفتوحات في مجال التكنولوجيا أمام أعيننا، أمام أعين الجيل الأقدم الذي أنتمي إليه. أتذكر – وربما أنا لست الشخص الوحيد بين الحضور الذي يتذكر هذا، رغم أن غاليبة الحضور هم من الشباب –  ذاك الوقت حين كانت السيارات تعد من النوادر. وفي نهاية القرن الماضي، لم يكن هناك أي حديث عن الطائرة. وفي العالم بأسره، على ما أعتقد، لم يكن هناك سوى 5 آلاف سيارة، بينما يقدر عددهم الآن بنحو 20 مليون سيارة، منهم 18 مليون سيارة في أمريكا وحدها – 15 مليون سيارة صغيرة و3 ملايين شاحنة. لقد أصبحت السيارة، وأمام أعيننا، وسيلة مواصلات ذات أهية قصوى ولا غنى عنها.

لازلت أتذكر الأصوات المضطربة المشوشة التي لاحظتها وأنا أستمع للفونوغراف لأول مرة. كنت آنذاك في المستوى الأول من المدرسة الثانوية، حينها كان قد وصل إلى “أوديسا” أحد الرجال هواة المغامرة، أثناء ترحاله بين جميع أنحاء مدن جنوب روسيا، وبحوزته فونوغراف أسمعنا إياه. والآن يعد الجرامافون، حفيد الفونوغراف، واحداً من أهم المعالم المألوفة والأكثر انتشارًا للحياة المنزلية.

والطائرات؟! في عام 1902، أي منذ ثلاثة وعشرون عامًا مضت، نشر الكاتب هـ. ج. ويلز (معظمنا يعرف رواياته عن الخيال العلمي) كتابًا، بيّن فيه، في أكثر من موضع، أن في رأيه الشخصي (وكان يعتبر نفسه ذو خيال مغامر وجريء فيما يتعلق بالمسائل التقنيّة) أنه، تقريبًا، وبحلول منتصف القرن العشرين الحالي سيتم ليس فقط اختراع، بل سيكون هناك وبشكل متقن، آلة أثقل من الهواء لكنها تطير، وستستخدم أيضًا في العمليات الحربية. هذا الكتاب كتب عام 1902. ونحن نعلم علم اليقين أن الطائرات قد لعبت دورًا واضحًا وحاسمًا في الحرب الإمبريالية – ولايزال هناك خمسة وعشرون عامًا يفصلون بيننا وبين منتصف القرن!

والتصوير السينمائي؟! هذا أيضًا ليس شأنًا تافهًا. لوقت قصير جدًا مضى لم يكن قد ظهر بعد؛ العديد من الحضور يتذكر ذلك الوقت. ومع ذلك، وفي أيامنا هذه، من المستحيل أن نتخيل حياتنا الثقافية بدون السينما.

كل هذه الابتكارات دخلت حياتنا خلال الربع الأخير من القرن، والتي أنجز خلالها الجنس البشري أيضًا، بالإضافة إلى ذلك، بعض الأمور التافهة الأخرى مثل الحروب الإمبريالية، حيث دمرت مدن وبلدان بأكملها، وأبيد جراءها ملايين البشر. وفي سياق نفس الربع قرن هذا، اندلعت أكثر من ثورة في سلسلة من البلدان، وإن كان ذلك على نطاق أقل مما حدث في بلدنا.

خلال خمس وعشرين عامًا، تعرضت الحياة لغزو السيارات، والطائرات، والجرامافون، والسينما، والتلغراف، والهاتف. لو أننا فقط نتذكر حقيقة أن الأمر، ووفقًا لحسابات العلماء الافتراضية، قد تطلب نحو 250 ألف سنة كي تنتقل البشرية من حياة الصيد البسيطة إلى تربية الماشية، عندها سيبدو هذا الجزء الضئيل من الزمن، خمسة وعشرين عامًا، تقريباً لا شيء. ولكن، علام يدل هذا الوقت الضئيل؟! إنه دليل على أن التكنولوجيا دخلت في مرحلة جديدة، مرحلة يتسارع فيها معدل تطورها باستمرار.

علماء الليبرالية – هم فقط دون غيرهم – من اعتادوا على تصوير تاريخ الجنس البشري كخط مستقيم ومستمر من التقدم. وكان هذا خطأ. إن مسار التقدم منحني، مكسور، ومتعرج. الحضارة تتقدم الآن، وتنحدر الآن. كانت هناك حضارة آسيا القديمة، كانت هناك حضارة العصور القديمة، والحضارة اليونانية والرومانية، ثم أخذت الحضارة الأوروبية في التطور، والآن تتجلى الحضارة الأمريكية في صورة ناطحات السحاب.

ما الذي تبقى من الحضارات السابقة؟ّ! ما الذي تراكم نتيجة التقدم التاريخي؟! فقط العملية التقنيّة، وطرق البحث. فقط الفكر العلمي والتقنيّ، ولكن، ليس دون انقطاعات أو فشل، هو الذي استمر. حتى لو تأملت في هذه الأيام البعيدة القادمة حين ستتوقف الشمس عن التألق وتموت كل أشكال الحياة على الأرض، رغم هذا سيظل أمامنا متسع من الوقت.

أعتقد أنه وفي خلال القرون المقبلة، سيتقدم الفكر العلمي والتقنيّ، في ظل مجتمع اشتراكي التنظيم، دون انقطاعات، أو تعرج، أو فشل. سيكون قد نضج إلى الحد الذي يجعله مستقلاً علميًا، ويقف بثبات على قدميه، وهكذا سيمضي قُدمًا بطريقة ثابتة، سابقة التخطيط، جنبًا إلى جنب مع نمو القوى الانتاجية التي يترابط معها بدرجة وثيقة.

انتصار الماديّة الجدليَّة
تتمثل مهمة العلم والتكنولوجيا في إخضاع المادة للإنسان، إلى جانب المكان والزمان، غير المفصولين عن المادة. صحيح أن هناك بعض الكتب المثالية – ليست ذات طابع ديني ولكن تلك الفلسفية – حيث يمكنك قراءة أن الزمان والمكان ما هما إلا بعض من تصنيفاتنا العقلية، وأنهما ناتجان عن متطلبات تفكيرنا، لكن في الحقيقة لا شيء يتوافق معهما في الواقع بالفعل.

لكن من الصعب أن نتفق مع هذا الرأي. لو أن أي فيلسوف مثاليّ، بدلاً من أن يصل في الوقت المحدد للحاق بقطار الساعة الثامنة مساءًا، يتعين عليه الذهاب متأخر دقيقتين، فما سيراه هو مؤخرة القطار المغادر للمحطة بدونه، وحينها ستقنعه عيناه أن الزمان والمكان لا يمكن فصلهما عن الواقع المادي. إن مهمة العلم هي تقليص المسافات، والاقتصاد في الوقت لإطالة حياة الإنسان، وتسجيل الماضي لإثراء الحياة ورفعها إلى مستوى أعلى.

هذا هو السبب وراء الصراع مع الزمان والمكان، والذي يكمن في جوهره الصراع من أجل إخضاع المادة للإنسان، التي تشكل الأساس ليس فقط لكل شيء موجود بالفعل، ولكن هي أساس كل خيال أيضًا. إن نضالنا من أجل تحقيق الإنجازات العلمية نفسه مجرد منظومة متكاملة من ردود الأفعال، بمعنى، الظواهر الفيسيولوجية التي نشأت على أساس تشريحي، وهذه الأسس التشريحية بدورها تطورت من عالم غير عضوي، تطورت من خلال علوم الكيمياء والفيزياء. كل علم ما هو إلا تراكم للمعرفة، استنادًا إلى الخبرة المتعلقة بالمادة ولخصائصها، ولفهم شامل حول كيفية إخضاع هذه المادة لمصالح واحتياجات الإنسان.

كلما توصل العلم إلى اكتشافات تتعلق بالمادة، وتكشفت أمامنا خصائص “غير متوقعة” لها، كلما اشتعل حماس الفكر الفلسفي المنحط للبرجوازية لمحاولة استخدام تلك الخصائص أو المظاهر الجديدة للمادة لإظهار عدم أهمية المادة.

إن التقدم في العلوم الطبيعية فيما يتعلق بمسألة إخضاع المادة، يقابله صراع فلسفي ضد النزعة المادية. حاول الفلاسفة، وحتى بعض العلماء، استخدام ظاهرة النشاط الإشعاعي في صراعهم ضد المادية: كان هناك دائمًا الذرات والعناصر، وكانوا أساس المادة والفكر المادي، ولكن الآن تحولت هذه الذرة لأجزاء في أيدينا، وانقسمت لإلكترونات، وفي البداية عند ظهور النظرية الإلكترونية وعندما بدأت تحظى بشعبية، تسبب هذا في إشعال صراع محتدم داخل حزبنا، حول ما إذا كانت هذه النظرية دليل إثبات مع أو ضد المادية.

وكل من هو مهتم بهذه القضايا سيستفيد استفادة كبيرة بقراءة كتاب فلاديمير إيليتش لينين حول “المادية والمذهب النقدي التجريبي”. وفي الواقع لم تكن ظاهرة النشاط الإشعاعي “الغامضة”، ولا ظاهرة موجات البث اللاسلكي الكهرومغناطيسي التي لا تقل “غموضًا” عنها، السبب في أي ضرر، ولو بسيط، للمادية.

يمكن توجيه ظاهرة النشاط الإشعاعي، التي أدت إلى ضرورة التفكير في الذرة كمنظومة معقدة من الأجزاء الدقيقة التي “لا يمكن تصورها”، ضد الماديّة فقط من خلال النموذج البائس للماديين المبتذلين، ذلك النموذج الذي يعترف بأن المادة هي فقط كل ما يمكن الإحساس به باليد المجردة. ولكن هذه شهوانية، وليست مادية. فكل من الجزيئات، أي الجسيمات الكيميائية، والذرة، أي الجسيمات المادية، هي أشياء لا يمكن التحقق منها من خلال حاستي الإبصار أو اللمس. لأن أجهزتنا الحسيّة، على الرغم من كونها أولى الأدوات المعرفية، ليست هي على الإطلاق الملاذ الأخير للمعرفة. فالعين والأذن البشرية هي أجزاء من أجهزة بدائية جدًا، غير كافية للوصول حتى للعناصر الأساسية للظواهر الفيزيائية والكميائية، إلى حد أننا أثناء تفكيرنا عن الواقع نسترشد فقط بالنتائج اليومية لأجهزتنا الحسيّة، لذلك من الصعب علينا تخيل أن الذرة منظومة معقدة، وأن لديها نواة، وتدور حول هذه النواة إلكترونات، وبالتالي، ينتج عن هذا ظاهرة النشاط الإشعاعي.

إن خيالنا بشكل عام اعتاد على تقبل الفتوحات المعرفية الجديدة بصعوبة شديدة. عندما اكتشف كوبرنيكوس في القرن السادس عشر، أن الشمس ليست هي من تدور حول الأرض، لكنها الأرض هي التي تدور حول الشمس، بدا هذا رائعًا، ولكن لايزال الخيال المحافظ حتى الآن يواجه صعوبة في التكيف مع هذه الحقيقة. نلاحظ هذا في حالة الأشخاص الأميين، أو بين الأجيال الجديدة من تلاميذ المدارس. إلا أننا، أي من هم على قدر من العلم، ورغم حقيقة أنه على ما يبدو لنا نحن، أيضًا، من أن الشمس هي التي تدور حول الأرض، فإننا لا نرتاب في أن ما يحدث في الواقع هو العكس، لأن هذا مؤكد من خلال مراقبة شاملة ورصد واسع النطاق للظواهر الفلكيّة.

فالدماغ البشري هو نتاج لتطور المادة، وفي نفس الوقت هو أداة إدراك هذه المادة؛ تدريجيًا يعدل من نفسه بما يتوافق مع وظائفه، ويحاول التغلب على أوجه قصوره، فيبتكر المزيد من الأساليب العلمية جديدة، ويتخيل المزيد من الآلات المعقدة والدقيقة، يتحقق من عمله مرارًا وتكرارًا، وخطوة بخطوة ينفذ إلى أعماق لم يكن يدركها من قبل، ويغير مفهومنا عن المادة، ومع ذلك، دون الانفصال عن الأساس لكل ما هو موجود بالفعل.

النشاط الإشعاعي، كما ذكرنا آنفًا، لا يشكل بأي حال من الأحوال تهديدًا للماديّة، كما أنه في نفس الوقت يعد انتصارًا عظيمًا للجدليّة. فحتى وقت قريب افترض العلماء أن هناك حوالي تسعين عنصرًا في العالم، تلك العناصر كانت بعيدة عن التحليل ولا يمكنها أن تتحول من واحد للآخر، وإذا جاز التعبير، فالأمر أشبه بسجادة للكون مكونة من تسعون خيطًا مختلفة الصفات والألوان. هذا المفهوم يتناقض مع الماديّة الجدليّة، التي تتحدث عن وحدة المادة، وأيضًا عن، وهو الأهم، قابلية عناصر المادة وقدرتها على التحول. الكيمايئي العظيم، ماندليف، ظل وحتى نهاية حياته مقاومًا لفكرة أن العناصر يمكن أن تتحول من شكل لآخر؛ وكان يعتقد اعتقادًا راسخًا في استقرار هذه “التوحدات”، رغم أنه كان على دراية جيدة بظاهرة النشاط الإشعاعي.

لكن هذه الأيام، لا يصدق أي من العلماء في قدرة العناصر على التحول. ومن خلال عملية النشاط الإشعاعي، تمكن الكيميائيون من “التفكيك” المباشر لثمانية أو تسعة عناصر، وهكذا أيضاً قضوا تماماً على آخر بقايا الميتافيزيقا في المادية. والآن ثبت علمياً إمكانية تحويل عنصر كيميائي إلى آخر. أدت عملية النشاط الإشعاعي إلى انتصار حاسم للفكر الجدلي.

تستند ظاهرة الراديو على البث اللاسلكي للموجات الكهرومغناطيسية. واللاسلكية لا تعني على الإطلاق انتقال غير مادي. فالضوء لا يأتي فقط من المصابيح، بل من الشمس أيضًا، وينتقل إلينا أيضًا دون مساعدة الأسلاك. نحن معتادون تمامًا على الانتقال اللاسلكي للضوء ولمسافات طويلة جدًا. ورغم هذا، قد أصابتنا دهشة شديدة، حينما بدأنا في نقل الأصوات عبر مسافات أقصر كثيرًا، بمساعدة نفس تلك الموجات الكهرومغناطيسية التي تكمن وراء ظاهرة الضوء. وجميعها ظواهر للمادة، وتحولاتها عبر الزمان والمكان. الاكتشافات الحديثة وتطبيقاتها التقنيّة دليل على أن المادة ذات إمكانات أكثر تنوعًا وثراءًا مما كنا نعتقد حتى الآن. ولكن، كما كان من قبل، لا شيء يحدث من فراغ.

أبرز علمائنا يقولون أن العلم، لا سيما الفيزياء، وصلت في الفترة الأخيرة إلى نقطة تحول. فمنذ وقت ليس ببعيد، كانوا يقولون، أننا لازلنا نقترب من المادة “ظاهريًا”، أي من زاوية مراقبة مظاهرها، لكننا الآن قد بدأنا في النفاذ بشكل أعمق من أي وقت مضى إلى داخل المادة، لمعرفة هيكلها، وسنكون قريبًا قادرين على تعديلها من “الداخل”. من شأن الفيزيائي الجيد، بطبيعة الحال، أن يكون قادرًا على التحدث عن هذا الأمر أفضل مني. تأخذنا ظاهرة النشاط الإشعاعي إلى مشكلة تحرير طاقة الذرة الداخلية. فالذرة تحتوي داخلها على طاقة قوية خفيّة، ومهمة الفيزياء العظمى هي دفع هذه الطاقة إلى الخارج، نزع الفلينة الكابحة بحيث تندفع الطاقة الكامنة في صورة نافورة. ليصبح بالإمكان استبدال الطاقة الناتجة عن الفحم والنفط بالطاقة الذرية، التي ستصبح أيضًا القوة المحركة الأساسية.

وهذه ليست مهمة مستحيلة، ويالها من آفاق تلك التي تفتحها أمامنا! هذا وحده يعطينا الحق في أن نعلن أن الفكر العلميّ والتقنيّ يقترب من نقطة تحول عظيمة، وأن الحقبة الثورية المتعلقة بتطور المجتمع البشري سيصاحبها حقبة ثورية أخرى في مجال إدراك المادة والتحكم فيها. وستفتح الباب لإمكانيات تقنيّة غير محدودة أمام البشرية المحررة.

الإذاعة والعسكرية والخرافة 
ريما قد حان الوقت الآن للاقتراب أكثر من القضايا السياسية والعملية. ما هي العلاقة بين تقنيّة البث الإذاعي والنظام الاجتماعي؟ هل هو اشتراكي أم رأسمالي؟ لقد طرحت هذا السؤال لأنه، ومنذ أيام قليلة خلت، أعلن الإيطالي الشهير، ماركوني، في برلين أن نقل الصور من على بعد عبر موجات هيرتس هي هدية رائعة للسلام، متنبئًا بنهاية سريعة للحقبة العسكرية. لماذا ينبغي أن يحدث هذا؟ لقد أعلنت نهايات تلك الحقب مرات عدة، إلى الحد الذي جعل بدايتها ونهايتها مختلطة وملتبسة بالنسبة لدعاة السلام.

إن حقيقة أننا سنتمكن من الرؤية من على مسافات بعيدة تفترض وضع حد ونهاية للحروب! بالتأكيد، إن إختراع وسيلة لنقل صورة حيّة من على مسافة كبيرة مهمة جذابة للغاية، لأنها إهانة للعصب البصري، أن يكون العصب المسئول عن السمع، والفضل للراديو، متميزًا عنه الآن في هذا المجال. ولكن افتراض أن هذا الأمر سوف يضع حدًا للحروب محض سخف وحسب، ويظهر فقط أنه في حالة العظماء من أمثال ماركوني، كما هو الحال مع غالبية الأشخاص المتخصصين في أحد فروع العلم دون غيره – حتى أنه ربما يجوز للمرء أن يقول غالبية الناس بشكل عام – يسيطر التفكير العلميّ على الدماغ، ويجعله يفكر في المسألة  بشكل جزئيّ، وليس كليّ، فقط في بعض الأقسام الصغيرة.

تمامًا كما في حالة الأقسام الداخلية التي يصعب اختراقها من هيكل السفينة البخارية، يتم وضعها بحيث إذا ما تعرضت السفينة لحادث فإن تلك الأقسام تحول بين غرقها كلها مرة واحدة، كذلك في الوعي البشري هناك العديد من الأقسام التي لا يمكن اختراقها: في أحد الأقسام يمكن أن تجد، وربما حتى في حزمة من هذه الأقسام، التفكير العلمي الأكثر ثورية، ولكن خلف الأقسام تكمن المحافظة والتشبث بالتقاليد إلى أقصى درجة. وهنا تكمن أهمية الماركسية ومغزاها العظيم، كفكر يعمم كل التجربة الإنسانية، مما يساعد على تحطيم تلك الأقسام الداخلية للوعي من خلال النظرة المتكاملة للعالم. ولكن، لنقترب أكثر من القضية التي نتناولها، لماذا، تحديدًا، إذا كان المرء يرى عدوه، لماذا لابد وأن ينهي هذا اندلاع الحروب؟ في أوقات سابقة عند اندلاع حرب ما كان الخصوم يتقابلون وجهًا لوجه. هكذا كانت تجري الأمور في زمن نابليون.

إن اختراع الأسلحة بعيدة المدى دفعت تدريجيًا بالخصوم بعيدًا عن بعضهم البعض، وأدت إلى وضع أصبحوا فيه يتبادلون إطلاق النار على أهداف غير مرئية. فإذا ما أصبح الهدف الخفيّ مرئيًا، هذا فقط سيعني أن الثالوث الهيجلي قد انتصر في هذا المجال أيضاً – بعد الفكرة ونقيضها، يأتي “توليف” الإبادة المتبادلة.

أتذكر ذلك الوقت عنما قال العلماء أن تطوير الطائرات من شأنه وضع نهاية للحرب، لأنها قد تدخل كتل سكانية في غمار العمليات العسكرية، مما يؤدي إلى تخريب الحياة الاقتصادية والثقافية لبلدان بأكملها، وما إلى ذلك. في الواقع، لقد فتح اختراع “آلة أثقل من الهواء تطير” فصلاً جديدًا أشد قسوة في تاريخ العسكرية. وليس هناك شك أننا الآن، أيضًا، نقترب من بداية فصل أكثر دموية وأكثر رعبًا.

للعلم والتكنولوجيا منطقهما الخاص – منطق إدراك الطبيعة والسيطرة عليها من أجل صالح البشرية. لكن لا يتطور كل من العلم والتكنولوجيا في الفراغ، وإنما في المجتمع الإنساني، الذي يتكون من طبقات. والطبقة الحاكمة، هي التي تمتلك، وتتحكم في التكنولوجيا ومن خلالها تسيطر على الطبيعة. التكنولوجيا في حد ذاتها لا يمكن أن تسمى عسكرية أو سلمية. المجتمع الذي تسيطر عليه طبقة حاكمة عسكرية، تصبح فيه التكنولوجيا في خدمة العسكرية.

وتقوض التكنولوجيا والعلم، بما لا يرقى للشك، الخرافات. ولكن طبيعة المجتمع الطبقي تخلق قيودًا هائلة في هذا المجال أيضًا. لنأخذ أمريكا كمثال، هناك تذاع خطب الكنيسة من خلال الراديو، ما يعني أن الإذاعة تُستخدم كوسيلة للدعاية والشعائر الدينية. هذا الأمر لا يحدث هنا، أعتقد هذا – آمل أن جمعية أصدقاء الراديو يراقبون هذا؟ (ضحك وتصفيق) في ظل النظام الاشتراكي، العلم والتكنولوجيا، مثل كل شيء آخر، يوجهان دون شك ضد التحيزات الدينية، ضد الخرافات، الخرافات التي تعكس ضعف الإنسان أمام الإنسان، أو ضعفه أمام الطبيعة. الصوت الوحيد الذي يمكن أن يبث عبر الإذاعة لجميع أنحاء البلاد ويكون بالفعل “صوت من السماء” هو صوت آت من متحف العلوم التطبيقية! (ضحك).

علينا ألا نتخلف! 
إن الانتصار على الفقر مكفول لنا، شريطة أن نمضي قدمًا من الناحية التقنيّة. يجب ألا نتخلف عن البلدان الأخرى. أول شعار يجب أن يقبع في ذهن كل أصدقاء الراديو هو: لا تتخلف! إلا أننا متخلفون للغاية بالفعل بالنسبة للبلدان الرأسمالية المتقدمة، وهذا التخلف هو الإرث الذي ورثناه عن الماضي. أيها الرفاق، ما عسانا أن نفعل؟ لو واصلت الدول الرأسمالية تطورها بثبات ونمو مطّرد، كما كان الحال قبل اندلاع الحرب، لذا وجب أن نسأل أنفسنا في قلق: هل سنتمكن من اللحاق بهم؟! وإذا لم نتمكن من اللحاق بهم، هل نضمن آلا نرتد ونتراجع؟! ولهذا نقول: أننا لا يمكن أن ننسى أن الفكر العلميّ والتقنيّ، في المجتمع البرجوازي، قد بلغ أعلى مستوى تطور له في الفترة التي بدأ فيها المجتمع البرجوازي مرحلة التدهور الاقتصادي. الاقتصاد الأوروبي لا يتقدم. خلال الخمسة عشر عامًا الماضية أصبحت أوروبا أكثر فقرًا، وليس أكثر ثراءًا. لكن، رغم هذا، أنجزت خلال هذه الفترة اختراعات واكتشافات ضخمة.

وفي الوقت الذي اجتاحت فيه الحرب أوروبا ودمرت مساحات واسعة من القارة، منحت الفكر العلميّ والتقنيّ دفعة هائلة، بعدما كانت براثن الرأسمالية المتهالكة تخنقه. لكن، لو نظرنا إلى التراكمات الماديّة التقنيّة، ولا أقصد هنا أسلوب التفكير البشري، ولكن تلك التقنيّة التي تجسدت في صورة  الآلات، والمصانع، والمطاحن، والسكك الحديدية، خدمات التلغراف والهاتف، إلخ، عندئذ يظهر لنا بوضوح أننا متخلفون بقدر كبير في هذا المجال. ربما سيكون أكثر صحة أن نقول أن هذا التخلف سيكون ضخمًا حقًا لو أننا لا نمتلك الميزة الهائلة المتمثلة في التنظيم السوفييتي للمجتمع، الأمر الذي يتيح الفرصة أمام تنفيذ خطط تنموية تهدف إلى تطوير العلم والتكنولوجيا، بينما تختنق أوروبا في تناقضاتها.

إن التخلف الذي نعاني منه حاليًا في جميع المجالات لا يجب أن نتستر عليه ولا أن نخفيه، ولكن يجب أن يُقاس بمعايير موضوعية للغاية، دون أن نقسو على أنفسسنا، ولكن دون أن نخدع أنفسنا أيضًا ولو حتى للحظة واحدة. كيف يتحول بلد ما إلى وحدة متكاملة اقتصاديًا وحضاريًا؟! عن طريق الاتصالات: السكك الحديدية، البواخر، خدمات البريد، التلغراف والهاتف – والآن خدمات البرق والهواتف اللاسلكية. ولكن، ما هو موقفنا من تلك المجالات؟!

نحن على درجة كبيرة من التخلف. في الولايات المتحدة الأمريكية، تبلغ شبكة السكك الحديدية حوالي 405 ألف ك. م، وتبلغ في بريطانيا حوالي  40 ألف ك. م، وفي ألمانيا حوالي 54 ألف ك. م، بينما تبلغ هنا فقط حوالي 69 ألف ك.م – رغم وجود كل هذه المساحات الشاسعة في بلدنا! من المهم هنا أيضًا، المقارنة بين كم الأحمال التي يتم نقلها بواسطة السكك الحديدية في هذه البلدان والتي يتم نقلها هنا، وليكن معيارنا هو طن- كيلو متر، أي طنًا واحدًا لكل كيلو متر. في العام الماضي، بلغت حمولة السكك الحديدة في الولايات المتحدة الأمريكية  حوالي 600 مليون طن/ كيلو متر، بينما بلغت لدينا حوالي 48 مليون و500 ألف، وفي بريطانيا حوالي 30 مليون، أما ألمانيا فحوالي 69 مليون، أي أن، حمولة السكك الحديدية الأمريكية بلغت نحو عشرة أضعاف حمولة السكك الحديدية الألمانية، وعشرين ضعفًا عند مقارنتها ببريطانيا، ونحو ضعفين أو ثلاثة أضعاف حمولة السكك الحديدية في أوروبا بأكملها، بالإضافة إلى روسيا.

دعونا نلقي نظرة على الخدمات البريدية، وهي واحدة من وسائل الاتصال الثقافية الأساسية. وفقًا للمعلومات التي قدمتها مفوضية البريد والبرق، استنادًا إلى أحدث الأرقام، خلال العام الماضي، بلغ مقدار الإنفاق على الاتصالات البريدية في الولايات المتحدة الأمريكية نحو مليار وربع روبل، أي حوالي 9 روبل و40 كوبيك لكل مواطن. أما هنا، فإن النفقات البريدية بلغت نحو 75 مليون روبل، أي 33 كوبيك للفرد. وبالطبع تلاحظون الفرق – مابين 9 روبل و40 كوبيك، وبين 33 كوبيك. لا تزال أرقام الخدمات البريدية تثير الاهتمام بشدة. حيث يبلغ إجمالي طول أسلاك البرق في الولايات المتحدة حوالي 3 ملايين ك. م، وفي بريطانيا حوالي نصف مليون ك. م، بينما تبلغ هنا نحو 616 ألف ك. م. ولكن يعد مقدار طول أسلاك البرق في الولايات المتحدة صغيرًا نسبيًا، لأن لديهم الكثير من الأسلاك التليفونية، التي تصل إلى نحو 60 مليون ك. م، بينما في بريطانيا تصل إلى حوالي 6 مليون ك. م، وهنا تبلغ فقط حوالي 311 ألف ك. م تقريبًا.

دعونا لا نسخر من أنفسنا، يا رفاق، ولا نخاف أيضًا، فقط يجب أن تظل هذه الأرقام في اعتبارنا وأن تبقى راسخة في أذهاننا؛ علينا دائمًا القياس والمقارنة، من أجل اللحاق بهم بل وتجاوزهم أيضًا، مهما كان الثمن! (تصفيق) يصل عدد الهواتف – وهو مؤشر جيد لمستوى التحضر- في الولايات المتحدة إلى حوالي 14 مليون هاتف، وحوالي مليون هاتف في بريطانيا، وهنا يصل إلى عددهم نحو 190 ألف هاتف تقريبًا. بمعنى أن، هناك حوالي 13 هاتف لكل 100 شخص في الولايات المتحدة، وفي بريطانيا هاتفان لكل 100 شخص، أما في بلدنا فواحد على عشرة من هذا المقدار، أو بعبارة أخرى، نسبة عدد الهواتف إلى عدد السكان في الولايات المتحدة الامريكية تصل إلى نحو 130 ضعف عن نسبتها هنا.

وفيما يتعلق بالإذاعة، أنا لا أعرف تحديدًا مقدار إنفاقنا اليومي في هذا المجال (أعتقد أن على جمعية أصدقاء الراديو توضيح هذا الأمر)، لكن في الولايات المتحدة الأمريكية ينفقون حوالي مليون دولار، أي حوالي 2 مليون روبل يوميًا، أي حوالي 700 مليون روبل سنويًا. تكشف هذه الأرقام بقسوة عن مدى تخلفنا. لكنها تكشف أيضًا عن أهمية وجود الإذاعة، كأرخص وسيلة إتصال، في بلدنا الفلاحي الضخم. ليس في مقدورنا الحديث بجديّة عن الاشتراكية دون الأخذ في الاعتبار تحول البلاد إلى وحدة متكاملة، مترابطة فيما بينها عن طريق جميع أنواع الاتصالات.

ولتطبيق الاشتراكية يجب علينا أولاً وقبل كل شيء أن نكون قادرين على التواصل مع الأجزاء النائية من البلاد، مثل تركمانستان. وتركمانستان، والتي بدأت بها حديثي اليوم، تنتج القطن، كما تعتمد مصانع النسيج في كل من موسكو وإيفانوفو – فوزنيسينسك على الأيدي العاملة التركمانستانية. ويعد التواصل الفوري والمباشر مع جميع المناطق في البلاد، واحداً من أهم  خصائص الإذاعة، ولذلك لا يجب أن تصبح الإذاعة في بلادنا لعبة في أيدي الطبقات العليا من سكان المدن، من ينعمون بظروف معيشية متميزة مقارنة بالآخرين، بل يجب أن تصبح وسيلة للاتصال الاقتصادي والثقافي بين المدينة والريف.

لكن بينما يتم ترميم الأسس الأولية لاقتصادنا، بالأخص الصناعة، فإن المزايا التقنية والثقافية الهائلة التي تتفوق بها المدينة على الريف تعيد تأكيد نفسها.

المدينة والريف 
دعونا لا ننسى أن هناك تناقضات مادية وثقافية ضخمة بين المدينة والريف داخل الاتحاد السوفيتي، وجميعها قد ورثناها عن الرأسمالية. وخلال هذه الفترة الصعبة وصلنا إلى الحد الذي تلجأ فيه المدينة للريف لتمنحها مقدارًا من الخبز في مقابل معطف، أو بعض المسامير، أو ربما جيتار، إن وضع المدينة يرثى له بالمقارنة بوضع الريف المريح.

لقد فعلنا الكثير في مجالي السياسة والقانون من أجل التخفيف، بل والقضاء تمامًا على التناقضات بين الريف والمدينة. ولكن فيما يخص التكنولوجيا فإننا لم نحرز أي تقدم حتى الآن. لا يمكننا بناء الاشتراكية في الريف في ظل هذا الوضع من الحرمان التقنيّ وانعدام الثقافة بين الفلاحين. إن بناء الاشتراكية يعني أولاً وقبل كل شيء التسوية التقنيَة والثقافية بين الريف والمدينة، بمعنى، وضع كل من المدينة والريف في ظروف اقتصادية وثقافية متجانسة. لهذا تعد عملية إذابة الفوارق بين الريف والمدينة مسألة حياة أو موت بالنسبة لنا.

وبينما أنشأت الرأسمالية الصناعة والمؤسسات في المدينة، أبقت على أوضاع الريف المتردية، ولم يكن من الممكن ألا تفعل هذا؛ حيث بإمكانها دومًا الحصول على المواد الغذائية الضرورية والمواد الخام، ليس فقط من مناطقها الريفية، ولكن من الأراضي الواقعة على الجانب الآخر من المحيط، أي من المستعمرات، حيث تنتجها عمالة فلاحية رخصية. لكن ظروف الحرب واضطرابات ما بعد الحرب، والحصار وخطر تكراره مرة أخرى، وأخيرًا عدم استقرار المجتمع البرجوازي، كل هذه الأمور أجبرت البرجوازية على أن تولي اهتمام أكبر بالفلاحين.

مؤخرًا، استمعنا أكثر من مرة للساسة البرجوازين والاشتراكيين الديمقراطيين وهم يتحدثون عن ضرورة الارتباط بالفلاحين. ركزّ بريان، أثناء مناقشته مع الرفيق راكوفسكي على احتياجات صغار الملاك، ولا سيما الفلاحين الفرنسين [2]. وفي خطابه الأخير تحدث النمساوي أوتو باور، اليساري المنشفي، عن الأهمية الاستثنائية “للارتباط” بالريف. وقبلهم جميعًا، الشخصية المعروفة، لويد جورج – الذي وللحقيقة بدأنا ننساه – عندما كان لايزال عضو في تنظيم بريطاني يهدف إلى خلق رابط وعلاقة مع الفلاحين. أنا لا أدري ما هو شكل العلاقة التي ستنشأ في ظل الظروف البريطانية، ولكن من على لسان لويد جورج نفسه، تبدو الكلمة دون شك  مراوغة للغاية. وفي جميع الأحوال، لا أنصح بأن يتم انتخابه قيّماً على أي منطقة ريفية، ولا حتى عضوًا فخريًا في جمعية أصدقاء الراديو، لأن من شأنه، حتمًا، أن يخدعنا بشكل أو بآخر. (تصفيق)

وبينما تعد مسألة إحياء العلاقة مع الريف في بريطانيا، من جهة، مناورة سياسية وبرلمانية، ومن جهة أخرى تعتبر عرض هام من أعراض ترنح النظام البرجوازي، تعد بالنسبة لنا مشكلة إقامة علاقات اقتصادية وثقافية مع الريف مسألة حياة أو موت بالمعنى الحرفيّ للكلمة.

ويجب أن تكون كهربة الريف هي الأساس التقنيّ لهذا الارتباط، وهذا الأمر يتصل بشكل مباشر وفوريّ مع مسألة نشر تقنيّة الراديو على نطاق واسع. وفي سبيل الاقتراب من تحقيق أبسط المهام وأكثرها إلحاحًا من الضروري أن تمتلك جميع أجزاء الاتحاد السوفيتي القدرة على التحدث مع بعضها البعض، وأن يتمكن الريف من الاستماع إلى المدينة، بوصفها الأخ الأكبر المثقف والأفضل تجهيزًا من الناحية التقنيّة. دون تحقيق هذه المهمة ستظل الإذاعة ألعوبة في يد القطاعات المتميزة من سكان المدن.

لقد ذكرتم في تقريركم أن ثلاثة أرباع سكان الريف في بلدنا يجهلون ما هو الراديو، أما الربع المتبقي فتعرف عليه فقط من خلال العروض الخاصة أثناء المهرجانات، وما شابه. يجب أن ينص برنامجنا ليس على أن تعرف جميع القرى ما هو الراديو فحسب، لكن ينبغي أن يكون لكل قرية محطتها الإذاعية الخاصة أيضًا.

إلى أين نحن ذاهبون؟! 
الرسم البياني المرفق بتقريركم يبيّن تصنيف أعضاء جمعيتكم وفقًا لانتمائاتهم الطبقية؛ حيث يشكل العمال حوالي 20% (رقم صغير للمطرقة)، ويشكل الفلاحون حوالي 13% (رقم أصغر للمنجل)؛ بينما يشكل الموظفون حوالي 49% (الرقم الجيد يذهب لحاملي الحقائب المكتبية)؛ وتتبقى نسبة 18% للـ “آخرين” (لم يذكر التقرير من هم تحديدًا، ولكن هناك رسم لرجل يعتمر قبعة سوداء، بعصا في يديه ومنديل أبيض في جيب سترته، ومن الواضح أنه صاحب أعمال خاصة أو ما يعرف باسم نيبمان – NEPman [3]. أنا لا أقترح أن يطرد هؤلاء الرجال ذوي المناديل من جمعية أصدقاء الراديو، لكن يجب أن تتم محصارتهم بشكل أكثر قوة، بحيث يتم تصنيع راديو أرخص سعرًا من أجل أصحاب المطرقة والمنجل. (تصفيق) وعلى نحو أقل لازلت أميل إلى الاعتقاد بأن يتم تقليص عدد الأعضاء  من الموظفين. لكن من الضروري، بأي حال من الأحوال، أن يزداد عدد المجموعتان الأساسيتان، مهما  كان الثمن! (تصفيق)

نسبة العمال 20%، وهذا رقم ضئيل جدًا؛ والفلاحين 13% وهذا ضئيل بصورة مخجلة، بينما يتساوى عدد ذوي القبعات السوداء (18%) تقريبًا مع عدد العمال، ويتجاوز عدد الفلاحين الذين يشكلون 13% فقط! وهذا خرق صارخ للدستور السوفيتي. لابد من اتخاذ خطوات لضمان أنه خلال عام أو اثنين تصل نسبة الفلاحين إلى نحو 40%، و45% للعمال، و10% للموظفين، ولما يسمى بـ “الآخرين” فقط 5%. وتلك ستكون نسبة طبيعية، ومتوافقة تمامًا مع روح الدستور السوفيتي.

إن غزو القرية عن طريق الإذاعة هي مهمتنا خلال السنوات القليلة المقبلة، وهي مرتبطة بشكل وثيق مع مهمة القضاء على الأمية وكهربة البلاد، وإلى حد ما تعد أحد الشروط الأولية لتحقيق تلك المهام. على كل المقطاعات الاستعداد لغزو الريف من خلال برنامج واضح لنشر الإذاعة. ووضع خريطة الحرب الجديدة على الطاولة! يجب أن يغزو الراديو كل مراكز المحافظات، بالإضافة إلى القرى الأكبر. من الضروري أن يمتلك أهل القرى من الأميين وأنصاف المتعلمين، حتى قبل أن يتمكنوا من القراءة والكتابة كما ينبغي، القدرة على تلقي الثقافة من خلال الراديو، الذي يعد الوسيط الأكثر ديمقراطية فيما يتعلق ببث المعلومات والمعرفة. من الضروري أيضًا أن يتمكن الفلاح من خلال تقنيّة الراديو من الشعور بأنه مواطنًا سوفيتيًا، وبأنه جزء من العالم بآسره.

نحن نعتمد بشكل كبير على الفلاحين في تطوير صناعتنا، لكن ليس هذا فحسب، فهذا أمر جليّ الوضوح: تعتمد أيضًا على فلاحينا ونموهم الاقتصادي، إلى حد ما، الثورات في البلدان الأوروبية. إن ما يقلق العمال الأوروبيين أثناء صراعهم من أجل السلطة – وذلك ليس من قبيل المصادفة – هو اعتماد الصناعة الأوروبية على بلدان تقع على الجانب الآخر من المحيط من أجل تأمين السلع الغذائية والمواد الخام، وهو الأمر الذي يجيد الاشتراكيون الديمقراطيون استخدامه من أجل تحقيق أغراضهم الرجعية. تستورد البلدان الأوروبية القطن والحبوب من الولايات المتحدة الأمريكية، والقطن من مصر، وقصب السكر من الهند، ومن جزر أرخبيل الملايو المطاط.. إلخ، إلخ. ويكمن الخطر في أن حصار الولايات الأمريكية المحتمل، الذي ستعاني منه الصناعة الأوروبية، أثناء الأشهر والسنوات الأكثر صعوبة من ثورة البروليتاريا، سوف يتسبب في مجاعة ونقص حاد في السلع الغذائية والمواد الخام.

وفي ظل هذه الظروف تعد زيادة صادرات الاتحاد السوفيتي من الحبوب وشتى أنواع المواد الخام عامل ثوري عظيم فيما يتعلق بالبلدان الأوروبية. يجب أن يدرك الفلاحون الروس أن كل حزمة إضافية يصدرونها إلى الخارج تضيف ثقلاً كبيرًا في ميزان النضال الثوري للبروليتاريا الأوروبية، فمن شأن هذه الحزمة أن تقلل من اعتماد أوروبا على أمريكا الرأسمالية. وكما أنه من الضروري أن يتم الربط بين فلاحي تركمانستان الذين يزرعون القطن وبين عمال النسيج في إيفانوفو – فوزنيسينسك وموسكو، كذلك يجب أن يتم الربط بينهم وبين البروليتاريا الثورية في أوروبا.

يجب أيضًا إنشاء شبكة من محطات الاستقبال الإذاعية في بلادنا، لأن شبكة كتلك ستمكن مزارعينا من عيش حياة الشعب العامل في أوروبا والعالم كله، وبالتالي المشاركة فيه يومًا بعد يوم. من الضروري، عندما يأتي اليوم الذي يتمكن فيه العمال الأوروبين من الاستيلاء على المحطات الإذاعية، عندما تسيطر البروليتاريا الفرنسية على برج إيفيل ويعلنون من فوق قمته بكل اللغات الأوروبية أنهم أسياد فرنسا (تصفيق)، في هذا اليوم وهذه الساعة يجب أن يتمكن ليس فقط عمال المدن والصناعة بل أيضًا الفلاحون في أقصى القرى النائية لدينا، من الاستجابة لنداء العمال في أوروبا: “هل تسمعوننا؟” – “نعم نسمعكم، أيها الأخوة، وسنساعدكم!” (تصفيق)  سوف توفر لكم سيبيريا الشحوم، إلى جانب الحبوب والمواد الخام، وستحصلون من كوبان والدون على الحبوب واللحوم، وستساهم كل من أوزباكستان وتركمانستان بما لديهما من قطن. وهذا سيظهر أن الاتصال اللاسلكي جعل من الإمكان تحويل أوروبا إلى إلى منظمة  اقتصادية واحدة.

إن تطوير شبكة  الإذاعة والتلغراف، من بين أمور أخرى كثيرة، هو تحضير لتلك اللحظة التي ستتحد فيها شعوب أوروبا وآسيا في ظل الاتحاد السوفيتي للشعوب الاشتراكية. (تصفيق)

هوامش: 
[1] فيرست: الفيرست وحدة قياس روسية للمساحات تساوي 1,067  كيلو متر. (المترجمة)

[2] إشارة للمفاوضات التي جرت بشأن تسديد الديون القيصرية للدائنين الفرنسيين والتي عرفت باسم المفاوضات الفرانكو- سوفيتية. وكان راكوفسكي ممثل الاتحاد السوفيتي في فرنسا، وفيما بعد واحدٍ من ضحايا ستالين. (المترجمة)

[3] نيبمان – NEPman: اسم يطلق على مالكي الأعمال الخاصة، حيث طبقت في الاتحاد السوفييتي منذ 1921 سياسات اقتصادية جديدة اتاحت الفرصة أمام الأعمال الخاصة، في محاولة لإنعاش الصناعة الروسية التي قد شهدت دماراً واسعاً بعد الحرب العالمية الأولى ومن بعدها الحصار والحرب التي شنتهما جيوش 18 دولة أوروبية على الدولة الاشتراكية الوليدة. (المترجمة)

   

التعليقات