بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مقدمة في الاشتراكية الثورية

كارل ماركس

مقدمة
في كثير من الأحيان يتم خلط الأوراق فيما يتعلق بتعريف التيارات السياسية. فعلى سبيل المثال، يضع البعض كافه التيارات الإسلامية في سلة واحدة، متجاهلين أحياناً الفوارق الكبرى بين تلك التيارات. فلا فرق عندهم بين الجهاد والجماعة الإسلامية والإخوان المسلمين، ولا يميزون بين طالبان أفغانستان وحماس، والقاعدة.

يعاني اليسار من مشكلة شبيهة فيتم الخلط، علي سبيل المثال، بين ما يمثله حزب التجمع وما يمثله الاشتراكيون الثوريون، وبين “اشتراكية” الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية في فترة الحرب الباردة وبين “اشتراكية” شافيز في فنزويلا اليوم، و”الاشتراكية العربية” التي كان يدعو لها عبد الناصر في ستينات القرن الماضي. والخلط بين اليسار في حقبات تاريخية مختلفة وفي بلدان ومناطق مختلفة وبين تيارات لا يربط بينها إلا أنها تسمي نفسها “اشتراكية” أو يسارية . وتصبح النتيجة تحميل الاشتراكيين الثوريين اليوم في مصر، علي سبيل المثال، أوزار كافة الجرائم والكوارث التي ارتكبت من أنظمة وحركات نعت نفسها بالاشتراكية أو اليسارية. وتماما كما في حالة الحركة الإسلامية يكون هذا التشويه متعمدا في كثير من الأحيان ولكن في بعض الأحيان يكون نتيجة عدم معرفة كافية لتاريخ ومواقف مختلف التيارات اليسارية.

سنحاول فيما يلي تقديم تعريف أولي لليسار والاشتراكية وللأفكار والمبادئ والمواقف التي نتبناها نحن الاشتراكيون الثوريون اليوم في مصر.

بدأ استخدام مصطلح “اليسار” خلال الثورة الفرنسية. ففي المجلس الوطني كان ممثلي الكنيسة والنبلاء يجلسون في الجانب الأيمن من القاعة في حين يجلس ممثلي الطبقة الوسطي والعمال والفلاحين في الجانب الأيسر. الكنيسة والنبلاء كانوا بالطبع يريدون استمرار النظام الملكي الإقطاعي كما هو، في حين كانت الطبقة الوسطي والعمال والفلاحين يريدون تغييرات جذرية. وأصبحت منذ ذلك الحين الخريطة السياسية في أي بلد تقسم إلي يمين ويسار. اليمين يمثل من يريدون استمرار الوضع القائم كما هو، واليسار يريد التغيير الجذري . اليمين يمثل الطبقات الغنية الحاكمة واليسار يمثل الطبقات الفقيرة المظلومة والمستغلة.

إذا كان ذلك هو أصل مصطلح اليسار، فهل يعني هذا أن جذور اليسار هي جذور غربية لا تمت بصلة لتراثنا وتاريخنا العربي الإسلامي؟ للإجابة علي هذا السؤال علينا التمييز بين المصطلح والمعني. إذا كان معني “اليسار” هو تمثيل الطبقات الفقيرة والمظلومة والرغبة في تغيير النظام لمصلحتها ففي هذه الحالة يكون لليسار جذوراً عميقة في التراث العربي الإسلامي. فهناك في تاريخنا انقسامات واضحة بين العلماء الذين كانوا (ولا يزالوا) يبررون كافة أفعال السلطان ورجاله (أيا كانت درجة ظلمهم وأخطائهم) وبين علماء وقفوا في صف غالبية شعوبهم المقهورة (حتى وإن وصل ثمن ذلك الموقف إلي الاستشهاد). علماء السلطان هم “اليمين” الذي يريد استمرار الوضع القائم علي ما هو عليه وعلماء الحق والعدل هم “اليسار” الذي يريد تصحيح الأوضاع لصالح الفقراء.

اليسار والاشتراكية والاتحاد السوفيتي السابق
يأتي إلي أذهان الكثيرين عندما يسمعون كلمة “يسار” أو “اشتراكية” صوراً للشمولية ونظام الحزب الواحد ولعالم رمادي كئيب لا حقوق فيه ولا حريات. والسبب في ذلك هو أنه لفترة طويلة من القرن العشرين ارتبط شعار الاشتراكية بالاتجاه السوفيتي السابق وبدول الكتلة الشرقية والتي كانت بالفعل دولا شمولية مستبدة تضطهد شعوبها لمصلحه أقلية علي رأس الدولة والحزب الحاكم. ولكن بالنسبة لنا نحن الاشتراكيون الثوريون فتلك الدول لم تكن اشتراكية إلا في الاسم ولكنها كانت في الواقع شكلاً من أشكال رأسمالية الدولة، لا تختلف في جوهرها من الدول الرأسمالية الغربية. فنحن نؤمن بمبادئ الثورة الروسية التي هزت العالم في 1917 ولكننا نري أن تلك المبادئ قد تم قلبها رأساً علي عقب خلال ثلاثينات القرن الماضي حين تم تصفية الثورة وتحولت الحرية إلي الاستبداد والمساواة إلي شعار فارغ وحكم الجماهير إلي حكم أقلية في قمة الحزب والدولة.

وما ينطبق علي الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية ينطبق أيضاً علي التجربة الناصرية. فهناك تناقض صارخ بين الشعارات حول التحرر الوطني والتنمية المستقلة وبين سيطرة حفنة صغيرة من الضباط علي السلطة والثروة. وتأمينات الستينات لم تكن انتقالاً من ملكية كبار رجال الأعمال إلي ملكية وسيطرة جماهير الشعب، بل انتقالاً إلي إدارة وسيطرة الضباط. والحديث عن الحرية في ظل امتلاء المعتقلات بالمناضلين، سواء من الإخوان أو من الشيوعيين هو نفاق محض. كل هذه التناقضات ساهمت بلا شك في انهيار التجربة الناصرية مع مأساة الهزيمة في 1967.

الاشتراكيون الثوريون وقضية المرأة
الكثيرون يتصورون -وبالأخص الإسلاميون- أن رؤية الاشتراكيين من المرأة لا تتميز عن الرؤية الغربية الرأسمالية. أي أن كل ما يريده الاشتراكيون هو تحويل المرأة المصرية أو العربية والمسلمة عموماً إلي نسخة طبق الأصل من المرأة الغربية “المتحررة”.

هذا التصور أيضاً لا أساس له من الصحة. فالاشتراكيين الثوريين يرون أن المرأة في الغرب ما زالت تعامل كسلعة، بل تستخدم لترويج السلع من قبل الشركات والإعلام الرأسمالي. لا يزال علي المرأة الغربية أن “تتحرر” من ذلك كله ومن عبودية السلعة. نحن ندافع عن المساواة الكاملة بين المرأة المصرية والرجل المصري في الحقوق والواجبات، في المواطنة والأجور وفرص العمل، والتعليم، والصحة (وأيضا حقها في تولي كافة المناصب بما فيها رئاسة الجمهورية) وندافع عن مطالب المرأة العاملة من حضانات للأطفال ومن أجازات الوضع ومتطلبات الأمومة ومن قوانين صارمة ضد كافة أشكال التحرش.

نحن ندافع عن كرامة المرأة وإنسانيتها ضد السلعية الغربية وأيضا ضد العبودية الشرقية.

من هذا المنطلق فنحن نناضل من أجل حق المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب أو النقاب في أوروبا وضد كافة محاولات فرض زىّ غربي عليها. فالهجمة علي المرأة المسلمة في أوروبا هي جزء من هجمة شاملة وعنصرية ضد المسلمين.

ونحن نناضل أيضاً من أجل حق المرأة المصرية في ارتداء الحجاب والنقاب في أجهزة الإعلام، وفي الجامعات والمدارس. فليس من حق الدولة أن تتدخل في حرية المرأة في اختيار ملبسها. وبنفس المنطق ندافع عن حق المرأة أن تختار ألا ترتدي خماراً أو حجاباً أو نقاب، ونرفض أن تفرض الدولة أياً منهم علي المرأة.

الاشتراكيون الثوريون والعلمانية والإلحاد
دائما ما كان يتهم الاشتراكيين بالإلحاد. كان ذلك هو الاتهام الجاهز، الذي تستخدمه حكومات بلادنا لتشويه الاشتراكية في أعين الجماهير. ولكن الواقع هو أنه لا توجد أي علاقة بين الإلحاد والاشتراكية. الاشتراكية الثورية تنطلق من المصالح التاريخية للفقراء من العمال والفلاحين ومعركتنا هي ضد الرأسمالية والاستعمار وليست ضد الدين أو المتدينين. نحن ندافع عن حقوق العمال علي سبيل المثال سواء كان هؤلاء مسيحيين أو مسلمين، ملتزمين دينياً أو غير ملتزمين. قضيتنا هي وحدة العمال في نضالهم بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية. ونحن نؤمن بأن جوهر الدين هو الحق والعدل وبالتالي فلا يتعارض مع ما نناضل من أجله. فأين الإلحاد في ذلك؟

أما العلمانية فهي قضية ملتبسة عند الكثيرين. فهناك من يري أن فصل الدين عن الدولة وعن الحياة العامة هي ضرورة من ضروريات التقدم للشعوب ويأخذون من النموذج الأوروبي مثالاً يجب تقليده وتحقيقه في بلداننا. وهم بذلك يتجاهلون الفوارق الكبرى التاريخية والثقافية بين الشعوب. هؤلاء العلمانيون المتطرفون يجعلون من العلمانية صنماً يعبدونه وهدفاً في حد ذاته بغض النظر عن وسيلة تطبيقها حتى وإن كان ذلك بالقمع والقهر والجيش وضد رغبة الغالبية العظمي من السكان (تركيا والجزائر مثالاً). ويعادون من يرفع الشعارات الدينية حتى وإن كان هؤلاء يحاربون الظلم والاستعمار (لبنان وفلسطين مثالا). أما نحن الاشتراكيين الثوريين فنقف صفاً واحداً مع كل مقاوم للاستعمار والظلم، سواء كان يرفع شعاراً دينياً أم لا (فيتنام في حرب التحرير ضد الاحتلال الأمريكي وأفغانستان ضد نفس الاحتلال). ونناضل ضد من يضطهد الشعوب باسم الدين (النظام الحاكم في السعودية أو السودان أو باكستان). فقضيتنا ليست حول درجة التداخل بين الدين والدولة أو بين الدين والحركة السياسية بل المضمون الطبقي لتلك الدولة أو الحركة. نحن نناضل ضد كراهية الإسلام واضطهاد المسلمين في أوروبا ونناضل من أجل الحرية الدينية للمسيحيين في مصر ومن أجل المساواة التامة بين المسيحيين والمسلمين في مصر في كافة الحقوق والواجبات (بما في ذلك حق المواطن المسيحي في أن يكون رئيساً للجمهورية).

الاشتراكيون الثوريون ومعارك اليوم في مصر
يناضل الاشتراكيون الثوريون اليوم من أجل ثلاث أهداف متداخلة لا يمكن الفصل بينهم. فنحن نناضل ضد الرأسمالية وهجومها المتوحش ضد الغالبية العظمي من الشعب المصري من العمال والفلاحين والفقراء، ونناضل من أجل تجاوز هذا النظام الرأسمالي وبناء مجتمع جديد تصل فيه تلك الغالبية من الشعب إلي السلطة (سلطة الأغلبية) وينتهي فيه زمن تحكم أقلية صغيرة من كبار رجال الأعمال والشركات المحلية والأجنبية في مصير الملايين من شعب مصر.

ويناضل الاشتراكيون الثوريون ضد الاستبداد والديكتاتورية ومن أجل ديمقراطية حقيقية تنهي الطوارئ والقوانين الاستثنائية وتضمن الحرية الحقيقية في تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات والحركات وتضمن انتخابات حرة نزيهة، واستقلال كامل للقضاء والفصل التام بين السلطات ، والحرية الكاملة للرأي والنشر والصحافة.

ويناضل الاشتراكيون الثوريون في ذات الوقت ضد الاستعمار والصهيونية ومع المقاومة المسلحة للشعب الفلسطيني واللبناني والعراقي والأفغاني ولكافة حركات التحرر ضد الاستعمار في العالم.

ونناضل ضد دور النظام المصري في خدمة الاستعمار والصهيونية وضد مشاركته في حصار شعب غزه ومن أجل إنهاء كافة أشكال التعاون الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري بين مصر والكيان الصهيوني بما في ذلك إلغاء اتفاقية كامب دافيد وإغلاق قناة السويس أمام السفن الحربية الأمريكية ووقف التدريبات الأمريكية المصرية المشتركة.

هذه المجالات الثلاث (الاجتماعي والديمقراطي والوطني) هي محور نضالنا ونحن نرى أن هدف تجاوز الرأسمالية، وتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، وتحقيق ديمقراطية حقيقية وجذرية في مصر هي أهداف لا يمكن الفصل بينها.

                  

التعليقات