بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نظرية

الجبهة المتحدة

عندما تصبح الوحدة قوة

2013_08_09_ml_wjnwd_rws_bd_ltsdy_lnqlb_kwrnylwf_

في هذا المقال يشرح لنا “سابي ساجال” كيف يمكن أن تدفع الجبهة المتحدة العمال والاشتراكيين نحو نضال مشترك من أجل التغيير الثوري

كيف يمكن لأقلية من الاشتراكيين الثوريين كسب قطاعات عمالية واسعة، بحيث في النهاية يكسبون أغلبية المؤمنون بالثورة؟ هذا هو السؤال الهام الذي لطالما واجه الاشتراكيين تاريخيًا، وها هو يثار مرة أخرى على إثر الأزمة العميقة التي تعصف بالرأسمالية الآن، بالإضافة إلى التطرف المتزايد داخل الأوساط العمالية. إن التراث الثوري الذي نما إبان اندلاع الثورة الروسية عام 1917 استخدم تكتيك الجبهة المتحدة من أجل العمل على سد تلك الفجوة.

ماهية الجبهة المتحدة

الجبهة المتحدة هي وسيلة لنشر الأفكار الثورية بين قطاعات عمالية واسعة، وهدفها النهائي هو إقناعهم بنبذ ومقاطعة الأفكار والتنظيمات الإصلاحية. ويسعى الثوريون جاهدين لتحقيق هذا جزئيًا من خلال أفكارهم، ولكن أيضًا، بل والأهم من خلال وحدتهم مع العمال ومشاركتهم في نضالاتهم اليومية حول قضايا نوعية محددة.

اعتمد لينين استراتيجية الجبهة المتحدة لأول مرة أثناء الثورة الروسية، عندما حاول الجنرال اليميني كورنيلوف الإطاحة بحكومة كيرنسكي المتداعية في أغسطس 1917. وبالرغم من أن كيرنسكي كان يضطهد البلاشفة، إلا أن لينين لم يتردد في الدعوة إلى عقد تحالف معه. ولم يخف البلاشفة خلافاتهم السياسية مع كيرنسكي – بل إنها تقدمت المطالب السياسية كشرط مسبق لدعهم.

أدت الجبهة المتحدة تلك إلى إنهيار انقلاب كورنيلوف، وكنتيجة مباشرة لها تمكن البلاشفة من الفوز بأغلبية داخل السوفيتيات المنتشرة في جميع أنحاء روسيا. ولكن بحلول أوائل العشرينيات كانت الرأسمالية العالمية قد نجت من العاصفة الثورية التي اجتاحت أوروبا. وبسبب سلسلة من الأزمات الاقتصادية العميقة خلال العقدين اللاحقين لم تكتف الطبقات الحاكمة بصد هجمات العمال وحسب، بل شنوا هجماتهم الخاصة أيضًا.

كيف يمكن مقاومة هذه الهجمات؟ لقد كانت الأحزاب الشيوعية الأوروبية منظمات جماهيرية بالفعل، ورغم هذا ظلوا أقليات. لقد واصل ملايين العمال دعم الأحزاب العمالية الإصلاحية القديمة، أو في أحسن الأحوال دعموا التنظيمات “المعتدلة” الأحدث، والتي تأرجحت بين الإصلاح والثورة.

يؤمن الثوريين بأن الأغلبية ستنقلب على الإصلاحية عندما يكتشفون من خلال تجربتهم الخاصة أن التنظيمات القائمة بالفعل غير قادرة على صد هجمات أرباب العمل ولا على الدفاع عن المكاسب التي سبق وأن حققها العمال. وكان السؤال الجوهري: ما هو العمل المشترك الذي يمكن أن يعبر بوضوح شديد عن الوحدة التي يريدها أكثر العمال وعيًا.

الجبهة المتحدة تعني شن حملة سياسية حول قضايا محددة، على سبيل المثال، تخفيض الأجور أو زيادة معدلات البطالة، وبالتالي تطرح المطالب، التي عادة ما تكون دفاعية، والتي من شأنها أن يتوحد العمال من مختلف الأحزاب عمليًا حولها، بل وأيضًا العمال المستقلين. إن اختبار الممارسة كفيل بإقناع الإصلاحيين من العمال بصحة الأفكار والحجج، وأن قادتهم لم يكونوا جاديين فيما يتعلق بالنضال من أجل تلك المطالب.

ولهذا السبب، أصر كل من لينين وتروتسكي على ضرورة حفاظ الثوريين على هويتهم السياسية المستقلة داخل الجبهة المتحدة. والتأكيد على حقهم في انتقاد شركائهم في هذا التحالف وبكل حرية، ومواصلة إصدار بياناتهم الخاصة والعمل بشكل مستقل إذا لزم الأمر. أو كما قال تروتسكي: “نشارك في الجبهة المتحدة، ولكن دون أن نذوب فيها ولو للحظة واحدة. نحن نعمل في الجبهة المتحدة بوصفنا فصيل مستقل”.

كما يجب أن تنتظم الجبهة المتحدة حول قضايا معينة محدودة. فالجبهة المتحدة لا تهدف إلى حجب أو طمس خلافات سياسية حقيقية ومهمة، على سبيل المثال، مثل الخلاف حول طبيعة البرلمان. فالجبهة المتحدة هي توحيد في العمل والفعل.

ووفقًا لتروتسكي، وبسبب الطبيعة المحدودة للجبهة المتحدة، لا ينبغي للثوريين أن يطالبوا العمال الغير ثوريين بالموافقة المسبقة على برنامجهم الثوري بأكمله، خاصة وأن مثل هؤلاء العمال يريدون خوض معاركهم المتعلقة بقضايا محددة. لذلك لن يتمكن الثوريون من كسب العمال الإصلاحيين لأفكارهم إلا من خلال إشراكهم في عمل مشترك. ومن ثم ينبغي أن تكون اقتراحاتهم في إطار القضايا المتفق عليها.

وأكد تروتسكي على ضرورة أن تتشكل الجبهة المتحدة من تنظيمات متماثلة في الحجم. فعلى الشركاء المختلفين أن يقدموا شيئًا، مهما كان صغيرًا، للحملة المشتركة، مما يعني ضرورة أن يكونوا ممثلين عن قوى حقيقية، وليس مجرد إحصائيات على الورق. لذا، حين كان حزب العمال البريطاني في صفوف المعارضة، كانت من العبث الدعوة لجبهة متحدة مع الحزب ككل. لأن التفاوت في الحجم والتأثير بين الأطراف المشاركة في الجبهة المتحدة يجعلها تبدو مناورة دعائية ذاتية، أكثر من كونها استراتيجية عمل حقيقية. من ناحية أخرى، فإن التقدم باقتراح للوحدة مع حزب العمال أو أنصاره السابقين، لمكافحة الفاشية، يبدو منطقيًا، مثل عصبة مكافحة النازية. ولا تزال هذه الدعوة حقيقية وجوهرية خاصة مع تنامي الشعور العدائي تجاه الشركات الكبرى والسياسات العمالية الجديدة.

وببساطة، لا يمكن أن تستند جبهة موحدة إلى اتفاق رسمي بين قيادات تنظيمات مختلفة وحسب. عليها التركيز القواعد، بما في ذلك العمال في مواقع العمل المختلفة وقاطني المناطق الشعبية الذين يدركون أهمية الوحدة ضد الخصخصة، والعنصرية، وضد وقف تمويل الخدمات الصحية والتعليمية والإسكان. قال تروتسكي أن أسمى تعبير عن الجبهة المتحدة تجسد في السوفييتات – مجالس العمال التي أنشئت خلال الثورة الروسية. في الوضع الحالي، مع تراجع الأحزاب الشيوعية القديمة والانحراف اليميني الحاد لحزب العمال الجديد،فإن الأمر يتطلب التوجه لقواعد اليسار العمالي والنقابات. وفي نفس الوقت لا يمكننا تجاهل قادة المنظمات الإصلاحية. إن النضال الموحد  ينطوي على محاولات للتفاوض معهم من أجل بناء أرضية وعمل مشتركين.

خبرات ودروس

كيف طبقت نظرية الجبهة المتحدة عمليًا خلال السنوات المضطربة التي شهدت الأزمة الاقتصادية التي  سبقت الكساد العظيم عام 1929؟! آنذاك انخرط العمال في كل مكان في معارك دفاعية ضد البطالة وخفض الإجور والاستقطاعات في مجال الخدمات الاجتماعية، بالإضافة إلى خطر الفاشية المتنامي حينها.

كان الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني متذبذبًا، وقد تسامح مع نظام برونينج شبه الديكتاتوري بحجة أنه “أهون الشرور” بمقارنته مع الفاشيست وانتظارًا لزوال الأزمة الاقتصادية. حثّ تروتسكي قادة الحزب الشيوعي الألماني على اغتنام الفرصة الذهبية أمامهم لدعوة قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي للانضمام إليهم وتشكيل جبهة متحدة لهزيمة النازية. وكان الحزبين ليحوزا على 40% من أصوات الناخبين، أغلبها من الطبقة العاملة الذين، لو اتحدوا، لتمكنوا من صد قوى الفاشية.

ولكن، وبإيعاز من ستالين، اعتمد الحزب الشيوعي الألماني وبطريقة مأساوية خطاً يسارياً متطرفاً وعصبوياً، واصفًا الحزب الديمقراطي الاشتراكي بـ “الفاشيين الاجتماعيين”. وبالنسبة لستالين، كانت الاشتراكية الديمقراطية، من الناحية الموضوعية، هي “الجناح المعتدل من الفاشية”. وبالفعل في عام 1930 رفض الحزب الشيوعي الألماني حكومة مولر عضو الحزب الديمقراطي الاجتماعي ووصفوه بـ “الفاشي”. ولكن إذا كانت “الفاشية” موجودة بالفعل، ما السبب وراء الحاجة الملحة لمكافحة النازيين الذين يمثلون فقط “شكلاً مختلفًا من الفاشية”؟ لقد اعتبروا أن العمال الألمان قد وصلوا إلى مستوى كاف من الثورية مما يجعل مسألة تشكيل جبهة موحدة أمرًا زائدًا عن الحاجة.

ومن هنا تبنى قادة الحزب الشيوعي النهج الأكثر تطرفًا حيال عمال الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ذلك النهج الذي سبق وأن حذر منه تروتسكي، ورفضوا أن يدعوهم إلى الانضمام للجبهة المتحدة. وعوضًا عن المطالبة بهذا، صار العمال الاشتراكيون الديمقراطيون خلف الحزب الشيوعي وليس معه في نضال مشترك، وكانت نتيجة هذه الاستراتيجية أن واصلت الحركة العمالية الألمانية انقسامها، مما مكنّ هتلر من الاستيلاء على السلطة حتى  من دون أي قتال يُذكر.

أثناء الحرب الأهلية الإسبانية في من عام 1936 وحتى عام 1939، تحول ستالين من عصبوية اليسار المتطرف في ألمانيا إلى الانتهازية متمثلة في الجبهة الشعبية. فهنا، بدلاً من أن يدعوا الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين للانضمام لهم في الجبهة المتحدة التي تشكلت ضد فرانكو، دخل الحزب الشيوعي الإسباني في تحالف تباينت أطرافه حيث امتد من اليسار إلى الأحزاب البرجوازية الليبرالية.

لقد ارتكب الحزب الشيوعي الإسباني خطئاً فادحًا عندما افترض أن أعضاء الجبهة الشعبية من البرجوازيين لديهم رغبة حقيقية في الانخراط في نضال جديّ ضد الفاشية. بل إن البرجوازية الليبرالية قبيل الحرب الأهلية كانت قد أيدت استمرار ملكية الأراضي، وسلطة الكنيسة والجيش، لذلك لم يكن من المرجح أنها ستهاجم تلك المؤسسات في المعركة ضد فرانكو.

لكن الجمهوريين لم يكن لديهم أية فرصة لكسب كتلة الفلاحين الفقراء لقضية مناهضة الفاشية إلا إذا هاجموا حقوق الملكية لأصحاب الأراضي الريفية الكبيرة. لكن كان من المستحيل أن يعتمدوا تلك الاستراتيجية لأن البرجوازية الكبيرة، التي كانت لها مصلحة قوية في مسألة تملك الأراضي، كانت جزءًا من التحالف المناهض للفاشية.

مع بواكير ثلاثينيات القرن العشرين  أخذت الفاشية في النمو داخل فرنسا، ومع ذلك رفضت الأحزاب الشيوعية والاشتراكية فكرة الوحدة لمحاربتها. بحلول عام 1934 كانت الحركة الفاشية قد تمكنت من كسب مليون عضو، مما منحها الثقة لمهاجمة البرلمان في محاولة للإطاحة بالحكومة الليبرالية الراديكالية. لكن القاعدة العريضة لأعضاء الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي، بل وأيضًا أعضاء الكنفدرالية العامة للشغل أو نقابة العمال الرئيسية، بعيدًا عن قياداتهم ارتبطوا بشكل عفوي أثناء إحدى المظاهرات الضخمة رغم أنها قد بدأت بمسيرتين منفصلتين.

بعد ذلك بعامين، تحديدًا في مايو 1936، فازت حكومة الجبهة الشعبية في الانتخابات، مما أثار أضخم موجة إضرابات في تاريخ الطبقة العاملة الفرنسية. احتل العمال المصانع في جميع أنحاء البلاد. وبسرعة أبرم قادة الاتحادات العمالية اتفاقًا يشتمل على زيادة في الأجور، وتخفيض في ساعات العمل وتفعيل نظام الإجازات مدفوعة الأجر. وهكذا تم فض الإضرابات رغم المعارضة الآتية من أسفل.

وفيما يخص مناهضة الفاشية، فإن الجبهة الشعبية لم تدعو لأكثر من مجرد حظر التنظيمات الفاشية بواسطة الدولة. حتى أن بعض الراديكالين، من أعضاء الحزب المؤيد للإمبريالية، حكموا على برنامجها بأنه ضعيف جدًا. لقد كان هناك اتفاقًا بين القادة الذين تعالوا على الجماهير، كان يمنع تبادل الانتقادات فيما بينهم. لذلك كان من المستحيل بأي حال من الأحوال، أن تتمكن مثل تلك الحملة من توحيد العمال، بغض النظر عن كونهم ثوريين أو إصلاحيين، في عمل مشترك.

الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة التاريخية للجبهة الشعبية ذات صلة قوية بوضع الاشتراكيين في النمسا حاليًا ونضالهم ضد حزب الحرية أو النازيين الجدد بقيادة يورج هايدر. وستزداد أهمية تكتيك الجبهة المتحدة خلال السنوات المقبلة. وبتنامي شعورالعمال بضرورة النضال تحت وطأة  وضغط الأزمة الاقتصادية، وبفشل الأحزاب الديمقراطية والعمالية في تقديم شيئًا لأعضائهم، ستصبح الوحدة من أجل الدفاع عن حقوق العمال من صميم السياسات الاشتراكية.

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في مجلة “الاشتراكي” الشهرية البريطانية، في مايو 2000

التعليقات