بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أسباب فشل الرأسمالية

2013_04_12_swml

 تعلمنا أن قوانين السوق هي قوانين محتومة بقدر حتمية قانون الجاذبية، وأن الرأسمالية هي النظام الطبيعي  لسير الأمور وأنه بشكل عام نظام ناجح. ولكن، في حين أن قلة قليلة تبلي بلاء حسنًا في ظل الرأسمالية، فإن السواد الأعظم من الناس منخرطون في نضال دائم يومًا بعد يوم، في ظل نفس النظام، فقط من أجل البقاء على قيد الحياة.

هناك أكثر من مليار شخص من سكان العالم يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، وسنويًا يلقى قرابة ال 6 مليون طفل حتفهم جرّاء أمراض ناتجة عن نقص الغذاء والجوع. ومن بين حوالي 4.4 مليار شخص يعيشون في الدول النامية، نجد أن ما يقارب من ثلاثة أخماس هذا العدد يفتقرون للصرف الصحي، وحوالي الثلث محرومون  من المياه النظيفة، وحوالي الربع يعيشون في مساكن غير آدميّة، وتقريبًا الخمس لا تتوفر لهم الخدمات الصحية اللازمة.  

وفي الولايات المتحدة الآن تتفاوت مستويات الدخل لدرجة أعلى من تلك التي كانت موجودة في روما القديمة. فوفقًا لدراسة حديثة أجراها مؤرخان أمريكيان عام 2011، فإن نسبة 1% من أصحاب الدخول في روما القديمة كانوا يسيطرون على حوالي 16% من ثروة المجتمع. وبالمقارنة، فإن نسبة 1% من أصحاب الدخول الآن في الولايات المتحدة يسيطرون على نحو 40% من الثروة.

أعلن مكتب الموازنة في الكونجرس الأمريكي، أن دخول أغنياء الـ 1%  قد ارتفعت تقريبًا بنسبة 275% في الفترة ما بين عامي 1979 وعام 2007. فقط ستة مليارديرات – ورثة شركة “وول مارت” العملاقة للبيع بالتجزئة – حازوا على نفس هذا القدر من الثروة في عام 2007 بما يساوي مجموع ثروات حوالي 30% من مجمل الشعب الأمريكي. وعلى نفس المنوال، نشهد هذا التفاوت الصارخ أيضًا على النطاق العالمي.

ووفقًا لتقرير الثروة العالمية لعام 2011، فإن أغنياء العالم بنسبتهم التي لا تتعدى الـ 1% يمتلكون ما يقرب من نصف ثروات العالم، بينما يمتلك نحو نصف سكان العالم حوالي 1% فقط من الثروة. وحسب ما أعلنته مجلة “فوربس”، فإن نحو 1226 شخص هم عدد المليارديرات حاليًا تقدّر ثروتهم جميعًا بما يقرب من أربع أضعاف إجمالي الناتج المحلي لدول جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية أو ما يعرف بـ أفريقيا السوداء*. وفي العام الماضي، ووفقًا لمنظمة “أوكسفام”* للإغاثة، فإن هؤلاء الأغنياء قد جنوا أرباحًا تقدر بنحو أربعة أضعاف ما يكفي لإنهاء الفقر المدقع في العالم.

في أستراليا، ورغم حالة الازدهار التي طالت مجال التعدين بها منذ عقود، فإنها لم تفلت من معدلات التفاوت المتزايدة عالميًا. تقدّر نسبة الأغنياء في أستراليا بنحو 20% من مجمل السكان وهم يمتلكون حوالي 61% من ثروات البلاد، بينما تمتلك النسبة الأفقر والتي تقدّر بنحو 20% فقط حصة تساوي حوالي 1% من الثروة. وحالياً هناك نحو 2,2 مليون أسترالي (بمعدل أسرة من بين كل 8 أسر) يعيشون تحت خط الفقر، وذلك حسب ما تذكر تقارير المجلس الأسترالي للخدمات الاجتماعية، وهناك أكثر من 105 ألف أسترالي (واحد من كل 200 شخص) مشردين بلا مأوى.

ما هي أسباب التفاوت؟!

لقد خلقت المنافسة بين الرأسماليين رغبة مستمرة في الابتكار بشكل لم يُسمع به من قبل في المجتمعات الطبقيَة السابقة. وحاليًا يوجد ما يكفي من الموارد لتوفير الغذاء الكافي للجميع، والمأوى، وخدمات التعليم والصرف الصحيّ. وفي الواقع، قد تطورت قدرة البشر الإنتاجيّة والمعرفيّة إلى درجة تفتح الباب أمام إمكانية حدوث قفزة تقدميّة هائلة في مجال العلم، والفن، والثقافة، والاستدامة البيئية والتضامن الإنساني.

ولكن في ظل الرأسمالية، فإن الأرض، والموارد الطبيعية، والآلات والمصانع – أي وسائل الإنتاج – جميعها ملكًا لأقلية ضئيلة من الناس، الطبقة الرأسمالية. بينما يتعين على الأغلبية، أي الطبقة العاملة، بيع قوة عملهم للرأسماليين في مقابل أجر أو راتب شهري. ويخبروننا أن هذا أمر “عادل”. لكن الرأسماليين يبيعون السلع والخدمات التي ينتجها العمال بأكثر من تكلفة الرواتب التي يدفعونها لهم. وهذا بالضبط ما تسميه الماركسية “الاستغلال”. يعيش الرأسماليون على الأرباح، أما البقية فيعيدون استثمارها لمراكمة المزيد من الثروات.

مثل كل شيء آخر قابل للبيع في ظل الرأسمالية، فإن قدرتنا على العمل تعد سلعة، وتحديد سعرها يبقى مرتهنًا بالتقلبات الخاضعة لقوانين السوق. في الواقع، تسعى الرأسمالية لتحويل كل شيء من قيمة إلى سلعة؛ بدئًا من البيت الذي نعيش فيه، إلى الطعام الذي نأكله، وحتى الماء الذي نشربه. فالسلع والخدمات لا تُنتج في مجتمعاتنا لتلبية احتياجات الناس، وإنما ليتم بيعها طمعًا في الأرباح.

إن “دافع الربح” هذا، ليس مجرد نتيجة لجشع بعض فرادى الرأسماليين. ليس لديهم الكثير من الحجج في هذا الشأن. على الرأسماليين تحقيق الربح للحفاظ على استثماراتهم ولتجنب الإفلاس. وتجبرهم المنافسة مع غيرهم من الرأسماليين على إعادة استثمار جزء كبير من أرباحهم بما يمكنهم من الحفاظ على وسائل وآساليب الإنتاج القائمة حتى الآن، وبالتالي دفع أقل قدر ممكن من الأجور.

في نظر الرأسماليين، تصبح الثرون ضائعة إذا استخدمت في شيء آخر غير زيادة الأرباح. ولذلك، تتركز الثروة الهائلة الناتجة في ظل هذا النظام الآن في يد عدد أقل بكثير من أي وقت مضى.

صعود الشركات العالمية

تزامن نمو التفاوت في الدخل على النطاق العالمي مع صعود الشركات متعددة الجنسيات العملاقة. فمن بين مائة من أكبر الاقتصادات في العالم، هناك 52 شركة متعددة الجنسيات، و48 اقتصاد وطني. والأكبر على الإطلاق من بين هذه الشركات هي شركة “إكسون موبيل” والتي زادت عائداتها خلال عام 2011 بنسبة 28% أي بما يعادل حوالي 453 مليار دولار أمريكي (أكثر من الناتج الإجمالي لجنوب أفريقيا). وتسيطر نحو 500 شركة من الشركات الصناعية الكبرى على حوالي 70% من إجمالي التجارة العالمية.

في بدايات القرن العشرين، تزامن صعود الشركات متعددة الجنسيات مع تقسيم الأسواق العالمية بين القوى الاستعمارية. في البداية كان الرأسماليون تجارًا يتجارون في السلع بمختلف أنواعها بما في ذلك التوابل، والأقمشة، والعبيد. ثم انتقلوا إلى ما هو أكثر من مجرد “الشراء بأسعار زهيدة” و”البيع بأسعار باهظة” إلى استغلال العمل. في البداية ساعدوا الحرفيين على العمل في المنازل والورش. وفي القرن الثامن عشر ومع بزوغ الثورة الصناعية في بريطانيا، انتظم العمال معًا تحت سقف واحد في مصانع السخرة.

ولتحقيق هذا التحول في الإنتاج، كانوا بحاجة لنوعين من التطور: الأول، جمع الثروات بغرض بناء المؤسسات الرأسمالية الكبيرة والثاني، توفر القوى العاملة. التطور الأول تم تحقيقه عن طريق الاستيلاء على ثروات المستعمرات. وتحقق الثاني بدفع الفلاحين بعيدًا عن أراضيهم.

في كتاب “رأس المال”، يوضح لنا الثوري الألماني “كارل ماركس” كيف نهب الأوروبيون الأمريكتين، كيف نشروا المستعمرات، وكيف عززوا التجارة والصناعة على حساب البلدان والشعوب الواقعة في نطاق سيطرتهم:

“إن اكتشاف الذهب والفضة في أمريكا، واقتلاع السكان الأصليين واستعبادهم ودفنهم في المناجم، وبدايات غزو ونهب الهند الشرقية، وتحويل أفريقيا إلى مستعمرة لصيد وتجارة الرقيق من ذوي البشرة السوداء، هي كلها أمور ميزت بزوغ فجر عصر الإنتاج الرأسمالي”.

في بريطانيا، وكما كشفت الثورة الصناعية، ظهرت طبقة جديدة من الأجراء، بعد سرقة الأراضي المشاعيّة التي كان يعتمد عليها الفلاحين في معيشتهم. بكل بساطة انقض النبلاء الإنجليز و”وضعوا أيديهم” على الأراضي العامة، وخصصوها لرعاية الأغنام حتى يتمكنوا من بيع صوفها اللازم لعمل مصانع النسيج حديثة العهد آنذاك. واضطر الفلاحون الذين طُردوا من الأراضي، التي اعتادواعلى حرثها لقرون عدة مضت، على يد الجنود إلى النزوح إلى المدن بحثًا عن العمل.

وكما انتقل الإنتاج الصناعي من أوروبا وأمريكا الشمالية إلى المستعمرات السابق ذكرها، تكررت هذه العملية مرة أخرى ولكن على نطاق أوسع بكثير. كما رصد ذلك الكاتب الأمريكي “مايك ديفيز”، في كتابه “كوكب العشوائيات”:

“إن حجم وسرعة التوسع الحضريّ في دول العالم الثالث يتضائل أمامه التوسع الحضريّ في العصر الفيكتوري بأوروبا. ففي عام 1910 كانت لندن قد أصبحت أكبر سبع مرات عما كانت عليه عام 1800، بينما مدن مثل دكّا، كينشاسا، ولاجوس  قد ازداد حجمهم بما يقارب أربعون ضعفًا عما كانوا عليه في عام 1950.”  طبقًا للأمم المتحدة، هناك أكثر من مليار شخص يعيشون في عشوائيات مدن الجنوب متكدسين في مدن من الصفيح، لقد أجبر سكان العشوائيات هؤلاء على البحث عن حياة بائسة في ظل اقتصاد غير رسمي.

وبينما طردت الجيوش الخاصة بطبقة النبلاء الفلاحين الإنجليز خارج أراضيهم في القرنين السابع والثامن عشر، فإن التوسع الحضري في دول العالم الثالث كان مدفوعًا بقوى عولمة الشركات. لقد شهد العالم أول أزمة للديون في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وكانت برامج “التعديل الهيكلي” اللاحقة، والتي فرضتها المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، على دول العالم الثالث، قد أدت إلى طرد الملايين من أراضيهم ودفعت بهم نحو فقر أكبر من أجل رفع هوامش أرباح الشركات العالمية.

اليوم، نرى أن الاستعمار الذي تزامن مع صعود الرأسمالية قد أفسح المجال أمام إقامة نظام استعماري عالمي جديد، حيث تسيطر فيه الشركات متعددة الجنسيات على التكنولوجيا والتمويل بدعم من التكتلات التجارية الكبرى والقوة العسكرية.

الرأسمالية: حرب بلا هوادة

لقد تسبب صعود الرأسمالية كنظام عالمي في حروب أكثر من أي وقتٍ مضى. هناك ما يقرب من 100 مليون شخص قد قضوا نحبهم أثناء الحربين العالميتين خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث خاضت القوى الإمبريالية الأوروبية تلك الحروب بهدف السيطرة على المستعمرات والأسواق الاستراتيجية.

إن قتل الملايين من البشر وعلى نطاق واسع تم تجميله بحجة العلم. لقد منحتنا الرأسمالية القنبلة الذريّة؛ التي قتلت مئات الآلاف في هيروشيما ونجازاكي، ومنحتنا أيضًا الألغام الأرضية والقنابل العنقوديّة، التي تتسبب في القتل والتشويه حتى بعد وقف إطلاق النار وانتهاء الحرب. اليوم، بعد مرور حوالي عشرين عامًا على نهاية الحرب الباردة، لا يزال سباق التسلح النووي مستمرًا، مهدِدًا بفناء الجنس البشري.

تمامًا مثلما تستخدم الحكومات الرأسمالية الشرطة ضد المتظاهرين، ولسحق الإضرابات العماليّة، فإن الدول الإمبريالية القوية تستخدم جيوشها للتدخل في الدول النامية التي تهدد النضالات الشعبية فيها استثمارات الشركات متعددة الجنسيات. انعكس هذا في كتاب “الحرب عملية ابتزاز” الصادر عام 1933، للجنرال الأمريكي المتقاعد “سميدلي بتلر”، الذي خدم لمدة ثلاثين عامًا في سلاح مشاة البحرية، حيث يقول:

“لقد كنت طوال الوقت الرجل القوي رفيع المستوى المسئول عن تهيئة الأجواء أمام الأعمال التجارية الكبرى، كنت أعمل لصالح وول ستريت ولصالح المصرفيين الكبار. باختصار، كنت أقوم بدور المبتز، رجل عصابات في خدمة الرأسمالية. في عام 1914، ساعدت على جعل المكسيك آمنة من أجل المصالح النفطيّة الأمريكية. كما جعلت كل من هايتي وكوبا أماكن تليق برجال البنك الوطني، ليتمكنوا من جمع الإيرادات. كما سهلت عملية اغتصاب أكثر من نصف دستة من دول أمريكا الوسطى لصالح وول ستريت. إنه سجل طويل من الابتزاز”.

منذ الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القوة المهيمنة في العالم. وهي تستخدم اليوم القوة العسكرية الكبيرة من أجل فرض السيطرة العالمية بشتى السبل والوسائل – بما في ذلك حروب الاحتلال (العراق وأفغانستان) وتسليح الدول العميلة مثل (كولومبيا وإسرائيل).

لقد كانت عبارة “الحرب على الإرهاب” ذريعة لكثير من المذابح. وعندما كانوا بحاجة إلى ورقة توت متمثلة في دعم الدبلوماسية الدوليّة، طلبوا دعم وتأييد مجلس الأمن لمثل تلك الفتوحات الإمبريالية. أما حلفاء الولايات المتحدة الموثوق بهم، مثل قوى حلف شمال الأطلسي “الناتو” واستراليا، فقد دعوا للمشاركة في القتال إلى جانب مشاة البحرية الأمريكية لتوفير الغطاء المسمى بـ “الدعم الدولي”. وبالفعل، فقد شاركت استراليا منذ الحرب العالمية الثانية في العديد من الفتوحات الإمبريالية، بما في ذلك الحرب على كوريا، فيتنام، وأفغانستان والعراق.

إن الحروب التي تضع العمال في مواجهة بعضهم البعض، توفر للشركات متعددة الجنسيات، بدعم من الدول الإمبريالية، وسيلة لحماية وتوسيع حصصهم في الأسواق مع التهديد بـ – أو استخدام- العنف. بعد عودته عام 1999، وضّح الكاتب بصحيفة نيويورك تايمز “توماس فريدمان” لقراءه باقتدار العلاقة بين الحرب والسوق الحرّة، حيث قال:
“إن اليد الخفيّة للسوق لن تعمل أبدًا دون قبضة خفيّة – لا يمكن أن ينتشر “ماكدونالدز” ويزدهر دون مساعدة “ماكدونيل دوجلاس”، مصمم الطائرة المقاتلة  المعروفة باسم إف-15*. وتلك القبضة الخفيّة، التي تبقي العالم آمنًا لصالح ازدهار تكنولوجيا الـ “سيليكون فالي”*، تسمى الجيش الأمريكي.

الدمار البيئي

لقد وضع صعود الرأسمالية مستقبل البشرية في خطر كنتيجة لما أصاب البيئة من تخريب متعمد. ففي سبيل الجوع الأبدي للأرباح اقتطعت الغابات، وأنهكت التربة، وأعاقت السدود مجاري الأنهار، كما انقرضت بعض الكائنات. كما أدى اختراق الوقود الأحفوري إلى إنتاج المزيد من لغازات المتسببة في حالة الاحتباس الحراري، التي تتفاقم يومًا بعد يوم.

وبمواجهتها بالأدلة الدامغة على التغيرات المناخية، اضطرت الحكومات الرأسمالية للاعتراف بضرورة اتخاذ بعض الإجراءات. ومع ذلك، تظل الحلول التي طرحتها تلك الحكومات خادعة وفاقدة للمصداقيّة. مثلما أخبرونا أن الطاقة النوويّة آمنة، برغم الكوارث التي وقعت في فوكوشيما وتشيرنوبيل، التي أجبرت مئات الآلاف على النزوح بعيدًا عن ديارهم، كما ستؤدي لوفاة الكثرين بسبب مرض السرطان لعدة عقود قادمة.

إن الركيزة التي تعتمد عليها السياسة البيئية للحكومة الأسترالية هي خطة تداول الكربون، والتي تعطي رجال الأعمال فرصة شراء حقوق التلوث. وفقًا لتلك الخطة، فإن محطات الطاقة التي تعمل بالفحم يمكنها مواصلة تلويثها للبيئة، شريطة أن تدعم عملية التخلص من الكربون، حيث سيتم استيعاب إنبعاثات الكربون تلك من الغلاف الجوي عن طريق زراعة المزيد الأشجار.

لقد ثبت أن مخططات تداول الكربون، والتي طبقت في أوروبا لأكثر من عقد من الزمان، ذات نتائج كارثية. وفي حين يتحمل المستهلكون بشكل متساو كلفة التلوث، يُبذل القليل جداً من الجهد في سبيل الانتقال اللازم من استخدام الوقود الأحفوري إلى استخدام الطاقة المتجددة. وهذا يرجع إلى أن الشركات العالمية، التي تسيطر على المعروض من الوقود الأحفوري مثل النفط والفحم والغاز، لا ترغب خسارة أرباحها أمام طاقة من مصادر متجددة جاهزة وبأسعار معقولة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسيّة.

وليس هناك أي حلول يقدمها “السوق” للكارثة البيئية التي نعيشها؛ فلا يمكن أن نحافظ على الهواء نقيًا بخصخصة الهواء الذي نتنفسه. ومع ذلك، فقد وُجدت التكنولوجيا بالأساس لتلبية احتياجاتنا من الطاقة بشكل ممتد بمصادر متجددة وبكفاءة أعلى.

نظام في أزمة

لقد دفعت الأزمة الاقتصادية بـ 26 مليون عامل في أوروبا إلى الوقوف في طوابير الإعانات. في إسبانيا واليونان والبرتغال هناك أكثر من واحد من بين خمس عمال، وما يقارب من نصف الشباب عاطلين عن العمل. وفي الشرق الأوسط ومنطقة شمال أفريقيا، أدت البطالة الجماعية بين صفوف الخريجين، والقمع الخانق إلى اندلاع ثورات الربيع العربي، سلسلة الانتفاضات التي أسقطت الطغاة من تونس وحتى مصر واليمن.

الأزمة ليست بسبب الديون أو سوء النظام المالي. لقد فسرها “نورييل روبيني” أستاذ الاقتصاد بجامعة نيويورك، عام 2011، في صحيفة وول ستريت جورنال، قائلاَ:

“ماركس كان محقًا، عند نقطة معينة يمكن أن تدمر الرأسمالية نفسها.. كنا نعتقد أن الأسواق تعمل بنجاح. على العكس تمامًا. فما يبدو للفرد بأنه مبررًا وطبيعيًا وفقًا لمصلحته، ما هو إلا عملية تدمير ذاتي”.

لقد حدثت الأزمة الاقتصادية الحالية في أوروبا وشمال أمريكا كنتيجة لأزمة العقارات الأمريكية. ففي بداية الألفية الجديدة ارتفت أسعار المنازل، ولكن ظلت الأجور كما هي. ومن ثم قدمت البنوك قروضًا، مع علمهم بعدم قدرة المقترضين على السداد. هكذا مثلما حدثت الطفرة العقارية – بتمويل من القروض الخادعة – جاء وقت التوقف، أصابت المسساهمين بحالة من الذعر. أوقفت البنوك القروض، ودخل النمو الاقتصادي في طريق مسدود وبدأ العمال في فقدان وظائفهم.

حاليًا، تُطرد حوالي 500 عائلة إسبانية من منازلها يوميًا، في حين أن الآلاف من المباني السكنية حديثة البناء لاتزال خاوية. بعضٌ من الذين فقدوا وظائفهم وأصبحوا غير قادرين على تسديد أقساط رهنهم العقاري، ألقوا بأنفسهم من شرفات المنازل، هربًا من السجن.

وأخذت الحكومات الأوروبية واحدة تلو الأخرى في فرض خطط تقشفية قاسية في محاولة لإنقاذ بلادهم من الكارثة. ووفقًا لملاحظات الاقتصادي اليوناني كوستاس لابافيتساس خلال العام المنصرم فإنه: “حان وقت تسديد الدين، حيث يدرك الآن المواطنين الأوروبين العاديين أن الاشتراكية بالنسبة للأغنياء لا تعني سوى إضافة ثقب جديد لأحزمتهم المحكمة بشدة بالفعل”.

التقشف يطال كل شيء، من استقطاع للأجور والمعاشات وإعانات البطالة، وإقالات لللمعلمين والموظفين العمومين، إلى خصخصةالمستشفيات والمرافق العامة. لكن كل هذه التدابير لا تمر مرور الكرام بل  تواجه مقاومة شرسة. في نوفمبر الماضي، دفع  العمال، في جميع أنحاء أوروبا الجنوبية، بالصناعة إلى طريق مسدود بتنظيمهم لإضراب عام موحد.

يوجد بديل

إن الظلم وعدم المساواة الملازمان للرأسمالية، والتلوث البيئي، وغزو واحتلال الدول التي تأبى أن تكون تابعة، والبطالة الجماعيّة، ليست انحرافات عن النظام وبحاجة إلى  ترقيع. ببساطة، هكذا تعمل الرأسمالية.

تقوم الرأسمالية على تناقض عميق. بالرغم من أن التقدم الهائل في إنتاجية العمال في ظل الرأسمالية قد راكمت ما يكفي من الثروة للقضاء على الجوع والفقر، يبقى النظام الرأسمالي خاضع للأزمات الضخمة التي تلقي بالملايين بعيدًا عن عملهم، نظام يشن حروب وحشية ويؤدي إلى إفقار الغالبية العظمى من سكان العالم.

لقد نظمت الرأسمالية العمال معًا في المصانع، المناجم، المستودعات والمكاتب، حيث انتشرت أساليب الإنتاج الرأسمالي في جميع أنحاء العالم. وهكذا ولدت الطبقة العاملة العالمية، وهي أكبر طبقة اجتماعية في تاريخ البشرية. ولكن، حتى الآن لا يسيطر العمال على ظروف وشروط عملهم. بالنسبة للرأسمالين العمل ما هو إلا وسيلة لزيادة الأرباح. أما بالنسبة للعامل فهو، فقط، وسيلة لكسب العيش.

لنتخيل مجتمع، حيث وسائل الإنتاج هي ملكية عامة لكل الناس، تعمل من أجل المصلحة العامة للبشرية. لنتخيل سلع  تنتج لأنها ضرورية اجتماعيًا، بدلاً من إنتاجها لبيعها لجني مزيد من الأرباح؛ سلع تنتج وتوزع وفقًا لخطة يضعها العمال أنفسهم. لنتخيل مجتمع حيث “فائض الإنتاج” لا يكون سببًا في أزمة ينتج عنها حالة من البطالة الجماعية، بل يكون وسيلة للحد من ساعات العمل المطلوبة من عامل.

لنتخيل مجتمع حيث يأخذ فيه كل فرد على قدر حاجته، ويعطي على قدر طاقته؛ مجتمع حيث لا يشعر الناس بالرضا والراحة إلا بعد التأكد من حصول الجميع على الطعام، والملبس، والمأوى والحياة الكريمة. لنتخيل مجتمع حيث لم يعد هناك تحريض للعمال ضد بعضهم البعض، بسبب المنافسة على العمل؛ مجتمع حيث الحروب، والمجاعات، والفقر، والعنصرية، والتمييز على أساس الجنس أشيائًا من الماضي. نعم، هناك بديل عن جنون وجموح ولا معقولية الرأسمالية. هذا البديل هو الاشتراكية.

والاشتراكية ليست فكرة جديدة. لكن اليوم، أصبحت الاشتراكية ممكنة كما لم يكن من قبل لأن الرأسمالية قد خلقت الظروف المادية والقوى الاجتماعية اللازمة للقضاء على المجتمع الطبقي. كما قال ماركس، فإن الرأسمالية قد أوجدت بالفعل “حفاري قبروها”: طبقة عاملة متنامية تمتلك القدرة على الإطاحة بالطبقة الرأسمالية الحاكمة. كتب رفيق حياة ماركس “فريدريك إنجلز” عام 1877، يقول:

“البرجوازية، هي الطبقة التي تحتكر كل وسائل الإنتاج وتسيطر على سبل العيش، لكنها ومع كل فترة ازدهار، وبعد كل أزمة يثبُت أنها لم تعد قادرة على السيطرة على قوى الإنتاج، حيث نمت تلك القوى خارج نطاق سيطرتها، طبقة في ظل قيادتها يصبح المجتمع في سباق نحو الخراب والدمار تمامًا مثل قاطرة سائقها أضعف من أن يتمكن من جذب مكابحها المحشورة. وإذا لم ينهار المجتمع الحديث بأسره، فإن ثورة على  نمط الإنتاج والتوزيع لابد آتية، ثورة من شأنها أن تضع حدًا لجميع الفوارق الطبقية”.

واليوم تظل هذه الكلمات صحيحة تمامًا كما كانت عندما كُتبت. ولكن ثورة كتلك لن تتحقق لنا بمجرد التمني والانتظار. علينا أن نقاتل لاحداث  التغيير. الاشتراكية – أي المجتمع الذي ينظم الإنتاج بما يلبي حاجة الإنسان، لا حاجة الشركات الجشعة – ليس ممكنًا فحسب، بل لازم وضروري على وجه السرعة.

هوامش:

أفريقيا السوداء: هو المصطلح المستخدم لوصف المنطقة من القارة الأفريقية التي تقع جنوب الصحراء الكبرى. وتُعد جغرافيا الحد الفاصل من الحافة الجنوبية من الصحراء الكبرى (المترجمة).

منظمة أوكسفام: إحدى أكبر المنظمات الخيرية الدولية المستقلة في مجالي الإغاثة والتنمية. وتدار أوكسفام اليوم كاتحاد دولي يضم15  منظمة تعمل كلها في أكثر من 90 بلد مع منظمات محلية شريكة من أجل التوصل إلى حلول دائمة للفقر (المترجمة).

إف – 15: طائرة مقاتلة، واحدة من أهم الطائرات المقاتلة التي ظهرت في الجزء الأخير من القرن العشرين. تمّ تصنيع أكثر من 1100 نموذج منها حتي عام 2008، وتخطط الولايات المتحدة لابقائها بسلاحها الجوي حتي عام 2025. كما صُدّرَت إلى دول حليفة لأمريكا. ومن بين تلك الدول إسرائيل والسعودية (المترجمة).

سيليكون فالي (وادي السيليكون): هي المنطقة جنوبي خليج سان فرانسيسكو في كاليفورنيا – الولايات المتحدة الأمريكية. هذه المنطقة أصبحت مشهورة بسبب وجود عدد كبير من مطوري ومنتجي التقنيات، وحالياً تضم جميع أعمال التقنية العالية في المنطقة، حيث أصبح اسم المنطقة مرادفاً لمصطلح التقنية العالية. وعلى الرغم من وجود العديد من القطاعات الاقتصادية المتطورة تكنولوجيًا إلا أن “سيليكون فالي” يبقى الأول في مجال التطوير والاختراعات الجديدة في مجال التكنولوجيا المتطورة ويساهم في ثلث العائدات الاستثمارية في مجال المشاريع الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية (المترجمة).

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 4 فبراير 2013 بموقع منظمة البديل الاشتراكي الأسترالية

التعليقات