بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تكنولوجيا الاتصالات والتنظيم الثوري في القرن الحادي والعشرين

2013_01_30_lenin_ascii_477_3

لا يعني إيمان أفراد بنفس الهدف أو الفكرة السياسية أنهم يشكلون كيانا. ما يقيم الكيان أو يدمره هو مدى تناغم حركة أولئك الأفراد، مدى قدرتهم على تنسيق المواقف، مدى سرعتهم على الحشد والتعبئة، أي قدرتهم على الاتصال السريع بينهم لوحدة الفعل.

عندما يتناول تراثنا الماركسي عملية بناء الحزب السياسي نجد الإستعارات والتشبيهات من قاموس العسكرية لا تنتهي وهذا ليس مستغربا. الحزب الثوري كالجيش. الفارق الوحيد هو أن قيادات الحزب وغالبية “ضباطه” ينتخبون من “الجنود” ويحاسبون دوريا من القواعد. عدا ذلك، فهو جيش، من ناحية الهيكل والإستراتيجيات والتكتيكات. وليس غريبا أن يكون أكثر من أثر في فكر لينين عن التنظيم هو فيلسوف الحرب الألماني “كارل فون كلاوزفيتز” ومن يتصور أن الحزب الثوري منتدى ثقافي للحوار أو ناد إجتماعي هو مخطئ.

كتب “سن تزو” في القرن السادس قبل الميلاد في كتابه “فن الحرب”: القادة الماهرون هم من يبرعون في قطع الاتصال بين مقدمة ومؤخرة جيش العدو، وقطع سبل التعاون بين فرق العدو الكبيرة والصغيرة، وتعطيل قوات العدو الجيدة من نجدة الأخرى السيئة، وعرقلة قدرة الضباط على جمع وتعبئة جنودهم”.

في الحروب أول هدف للجيوش هو تدمير أو تشويش شبكة الاتصال الداخلية للعدو، ويأتي قنص جنود “الإشارة” دائما على قائمة الأولويات، ونفس الشيء في حرب الدولة على التنظيمات السياسية. إذا أردت إنهاء أي كيان فما عليك إلا تدمير أو تخريب جهاز اتصاله الداخلي سواءا كان جيشا، أو تنظيما سياسيا أو حتى شركة تجارية..

كيف يمكن إذاً لقيادة الجيش تعبئة جنودها؟ وإذا قررت قيادة الجيش تحريك قواتها أو الإنسحاب أو الهجوم كيف ترسل الأوامر والتكليفات بأسرع وقت لوحداتها المنتشرة في الجبهة مع العدو أو في جبهتها الداخلية؟ مرة أخرى ما هو هدف أول ضربة عسكرية للعدو عندما يهاجم جيشا؟ الإجابة بسيطة: جهاز الاتصال الداخلي، الاتصال الداخلي هو ما يقيم أي كيان (جيشا كان أم حزبا سياسيا) وهو ما يدمره إذا أصابه العطب، هو ما يتيح لأعضاء الكيان التحرك في تناغم وتناسق. غيابه يعني التفتت، اللامركزية، وشلل قيادته.

في ظل غياب جهاز اتصال داخلي حديث وقنوات تواصل سريعة تظل الرؤية السياسية لقيادة أي كيان حبيسة غرف مغلقة وأوراق لا تصل أحدا، وتظل قيادات الكيان عاجزة ومشلولة عن إيصال الرؤى والتكليفات والتنويهات بالسرعة المناسبة والمطلوبة لقواعدها، وعندئذ يتحول الكيان السياسي إلى كيان إفتراضي في عقول قياداته فقط وغير قادر على التعبئة والحشد والحركة في أي إتجاه وعرضة لإنفجارات داخلية متكررة.

الاتصال الداخلي والمنظمات الماركسية في التسعينيات:

في التسعينيات كانت المجموعات الماركسية صغيرة، لا يتعدى كوادرها بضع عشرات متركزين جغرافيا في القاهرة الكبرى.

تجتمع الكوادر أسبوعيا في اجتماع الخلية الذي يبذل جهدا في تأمينه. وفي إجتماع الخلية (بجانب النقاش السياسي والتثقيف وتقييم العمل بالموقع) يبلغون شفويا من مسؤول الخلية بأي تكليفات أو تنويهات من القيادة، ويتم الإتفاق على زمان ومكان اللقاء التالي. وتقريبا شهريا أو كل شهرين يتلقى الكوادر جريدة منظمتهم السرية ليتم توزيعها على العضوية والمرشحين للإنضمام والمتعاطفين.

وكانت الأوراق التنظيمية وأوراق الحوار أيضا تصل للعضوية في إجتماع الخلية ولكن لم يحدث قط أن انتظمت، وكانت تصدر كل بضعة أشهر، وتحوي تقاريرا عن العمل التنظيمي العام والإخفاقات والإنجازات والمتطلبات. وكانت تلك الأوراق تصل للعضوية في الخلية عن طريق مسؤول الخلية في الإجتماع، وتقرأ فيه وعادة لا تترك للعضوية، بل يجب قراءتها في الإجتماع ثم يجمع المسؤول الأوراق ويتخلص منها بمعرفته لاحقا سواء بالحرق أو التمزيق.

مسؤول الخلية كان هو حلقة الوصل بين أعضاء الخلية والقيادة. ولصغر حجم المنظمات آنذاك كان يعني ذلك أن مسؤول الخلية في أحيان كثيرة هو نفسه عضو في القيادة، وكانت المستويات الوسيطة غير موجودة في فترات طويلة غير في القطاع الطلابي، ليعكس ذلك طبيعة عضوية المنظمات التي إقتصرت على 3 أو 4 جامعات بدرجات متفاوتة ولم تكن لها جذور حقيقية آنذاك في الطبقة العاملة.

الاتصال التليفوني:

الوسيلة الأساسية لنقل التكليفات كانت كما شرحنا أعلاه: شفوية وفي الإجتماع الأسبوعي. وإذا أرادت القيادة نقل تكليف للعضوية، كان ذلك يعني أن التكليف يجب أن ينتظر أياما حتى تجتمع الخلية مع مسؤولها في الميعاد الذي تم تحديده في الإجتماع السابق. أما إذا كان الأمر عاجلا؛ كان عضو في القيادة يذهب إلى أي كابينة تيليفون عامة ويقوم بالإتصال بمسؤول الخلية على رقمه في المنزل أو تليفونه المحمول إذا توافر (في نهاية التسعينيات) والاتفاق على لقاء سريع ويكون ميعاد ومكان اللقاء متفق عليهما مسبقا لعدم الخوض في أي تفاصيل على التليفون المراقب غالبا، فيقابل مسؤول الخلية مسؤوله القيادي وتنقل التكليفات شفويا من القيادة إليه.

وكيف ينقلها بعد ذلك مسؤول الخلية للعضوية؟ عليه أي يمر على منازل الرفاق منزلا منزلا لتبليغهم بالتكليفات إذا كانت طارئة جدا، أو الإنتظار لليوم التالي على أمل أن يرى مسؤول الخلية رفاقه في الجامعة مثلا، وينقل إليهم التكليف شفويا أيضا.

ولنفترض أن كادرا لم يستطيع رؤية مسؤوله؟ لا توجد أي وسيلة لإيصال التكليف إلا إذا ذهب المسؤول إليه في بيته يبحث عنه أو يكلف عضوا آخر بالخلية بنقل التكليف إلى العضو الذي لم يتمكن المسؤول من الوصول إليه.

كانت تلك طرق اتصال تناسب تنظيما صغير الحجم، يعرف معظم أعضاءه بعضهم البعض في الحقيقة، ومتركزين في موقعين أو ثلاثة (جامعات بالأساس) وبالتالي يعتمدون على كونهم يلتقون تقريبا كل يوم. وكيف كنا ننسق العمل بين تلك المواقع؟ يكفي إجتماع دوري، أسبوعي أو شهري لمسؤول من كل جامعة في مستوى وسيط.

قد تبدو الإجراءات المذكورة أعلاه بيروقراطية للغاية وبطيئة، ولشاب حديث العهد في العمل التنظيمي قد تبدو رواية دراما بوليسية، ولكن اقتضت الظروف الأمنية غاية السوء آنذاك طريقة العمل تلك، ويجب الوضع في الإعتبار أن الصراع الطبقي لم يكن مشتعلا في مصر، وبالتالي سرعة تدخل المنظمات الماركسية (وسائر التكوينات السياسية الموجودة في الساحة آنذاك) المطلوبة كانت أقل وتيرة بمراحل مقارنة بظروف اليوم.

لكن جدير بالذكر أيضا أن تلك الإجراءات الأمنية في التسعينيات لم تكن تتبع بحذافيرها. كان التراخي موجودا في أوقات، وكما هو ضروري جدا نقل خبرة التسعينيات في العمل التنظيمي إلى الرفاق حديثي العضوية اليوم وجب التأكيد أيضا على أن فكرة “الكادر الخارق السوبر” الملتزم حرفيا بكل إجراءات التأمين لم تكن موجودة في الماضي، وإن كان السعي إلى الكمال والإحتراف في العمل مطلوبا دائما.

بعد إندلاع الانتفاضة الفلسطينية في 2000، وجدت المنظمات الماركسية نفسها في ظرف سياسي جديد. من منظمات صغيرة معزولة في بعض التكوينات الطلابية التي تجاهد بصعوبة للوصول إلى الشارع، خلقت حركة التضامن مع الانتفاضة ثم مناهضة الحرب وبعدها حركة التغيير الديمقراطي هامشا أكبر للعمل في الشارع. فشخص من جيلي، جيل التسعينيات، الذي كان أكبر طموحه هو الخروج بمظاهرة صغيرة من حرم الجامعة لمسافة 10 أمتار قبل أن يسحقنا الأمن المركزي، وجد فجأة نفسه في مظاهرات ومسيرات تجوب شوارع وسط القاهرة بـ”المئات” وفي بعض الأحيان “الآلاف”، بل ووصل الأمر إلى تنظيم وقفة أمام وزارة الداخلية نفسها في ميدان لاظوغلي في 2005.. كان هذا أشبه بأفلام الخيال العلمي بالنسبة لجيل التسعينيات.

وصاحب ذلك الانفتاح الجزئي في العمل السياسي في الشارع انفتاح في هامش حرية الرأي والتعبير:

1- بصدور صحف خاصة (ولا أستعمل مصطلح صحافة مستقلة) مملوكة لرجال أعمال مثل “المصري اليوم”- بالطبع لا صلاح دياب أو نجيب ساويرس ولا غيرهم من ثوار الكلمة الحرة- ولكنهم كرجال أعمال يهدفون للربح يدركون جيدا أن عصر “الأهرام” و”الأخبار” و”الجمهورية” قد ولى وأن هناك سوقا لصحافة أكثر إحترافا، بحدود حمراء بالطبع يتم التفاوض عليها مع النظام والأجهزة الأمنية وتتغير شروط التفاوض والسقف الممنوح حسب الظروف.

2- انتشار الفضائيات مثل الجزيرة وغيرها كان يعنى أن ماسبيرو فقد احتكاره للصوت والصورة على عكس التسعينيات وما قبلها. وتبع ذلك بزوغ برامج الـ”توك شو” على القنوات الفضائية المصرية، والتي مرة أخرى لا يمكن وصفها طبعا بالإعلام المستقل أو الثوري، ولكن معايير الاحتراف التي كانت أعلى من ماسبيرو ووجود هامش لديها أكبر في نقل بعض جوانب الاحتجاجات، ساهم في زيادة رقعة التعبير وإن لم يكن ذلك مخططا لدى مالكيها الغارقين حتى آذانهم في التحالف مع نظام مبارك. بل وفي أوقات كثيرة استعمل المتظاهرون قبل ثورة يناير وسائل الإعلام التقليدية تلك للتواصل مع زملائهم في نفس القطاع وحثهم على الحركة.

فمثلا قال لي أحد قياديي الضرائب العقارية ومؤسسي النقابة المستقلة أنه التحق بالاعتصام في شارع حسين حجازي (ديسمبر 2008) بعد أن شاهد تقريرا خبريا على قناة “دريم”. وآخر من محافظة الشرقية قال لي انه التحق بالاعتصام بعد أن قرأ عنه في “المصري اليوم”، وتكرر ذلك في العديد من الاعتصامات العمالية التي تجاوزت الحركة فيها حدود المحافظة الواحدة (مثل حركة موظفي البريد، النقل العام ومراكز المعلومات).

3- انتشار وسائل الاتصال الحديثة مثل رسائل التيليفون المحمول القصيرة SMS وظهور المدونات والاستعمال الواسع للقوائم البريدية ومنتديات الإنترنت آنذاك لنشر الآراء التي لا تستطيع الصحف الحكومية والخاصة نشرها، ولتداول أخبار الفعاليات وصورها وفيديوهاتها.

 هل أثر الوضع السياسي وهذا الإنفتاح على العمل التنظيمي في التنظيمات الماركسية؟ بكل أسف كان تطور الماكينة التنظيمية بطيئا للغاية. أصيبت المنظمات بحالة من الإنفصام. أستطيع أن أجزم بأنه لم يكن واضحا لأي كادر منظم ما هو “السري” وما هو “العلني” ولم يكن واضحا (في التطبيق العملي بغض النظر عن أي كلام أو كتابة عن الموضوع) للأعضاء القدامى ماهي طريقة الاستيعاب المثلى للعضوية الجديدة التي بدأت تتدفق على الفكر اليساري في تلك الظروف.

وفي الوقت الذي بدأت فيه تقريبا كل “حركات الشباب” إستعمال البريد الإليكتروني ومنتديات الويب والشبكات الإجتماعية مثل فيسبوك للتواصل السريع بين أعضائها، آثرت المنظمات الماركسية على الاستمرار في اتباع نفس طرق الاتصال القديمة ونفس الأشكال التنظيمية القديمة الموروثة من التسعينيات. فالتكليفات تنقل أيضا في الإجتماعات شفويا وجها لوجه. وتكلفة ذلك كانت فادحة في تقديري:

1- لا تستطيع الحفاظ على المركزية والديمقراطية معا، والعمل على نقل التكليفات بالسرعة الكافية التي تواكب الظرف السياسي المتغير في تنظيمات تتسع عضويتها وبدأت تخلق تواجدا له في محافظات خارج “جيتو” القاهرة الكبرى، عبر لقاءات أسبوعية في عصر كانت العضوية الجديدة فيه تتلقى الأخبار والتحديثات السياسية دقيقة بدقيقة عبر الانترنت ورسائل المحمول. وإذا قررت أن اللقاء الأسبوعي غير كاف، فمن أين تأتي بوقت (لعضوية غير متفرغة) للقاء أكثر من مرة بالأسبوع؟

2- فشل أعضاء قيادة المنظمات الماركسية في التواصل السريع مع مختلف القطاعات كان يعني هذا اتهامات مستمرة بالمركزية الشديدة والاستبداد. ولكن المركزية الشديدة في تقديري ناجمة عن سوء وعدم قدرة القيادة ببساطة على الإتصال اليومي بقواعد المنظمة. هذا الاتصال اليومي آنذاك (بطرق العمل القديمة الموروثة من التسعينيات) كان يعني لقاء يوميا على الأقل وهو مستحيل لقيادة أعضاؤها غير متفرغين ويعملون في وظائف بجانب عملهم التنظيمي وتبعات ذلك: ترهل وبطء في اتخاذ القرار تجاه أي موقف سياسي متغير، وقدرة ضعيفة على التعبئة، وفشل في إستيعاب العضوية الجديدة. النقاش الديمقراطي في أي منظمة يتطلب أيضا السرعة في نقل الآراء المختلفة لباقي العضوية، وفي ظل رفض استعمال الانترنت لتخوفات من “مجهول تكنولوجي” غير مبررة، لم تكن أوراق الحوار الداخلية المطبوعة غير منتظمة الصدور بديلا أمثل. فلماذا يكلف الكادر نفسه عناء كتابة ورقة يعلم هو أنها لن تنشر إلا بعد شهور أو الله وحده يعلم متى ستطبع وتوزع وإذا كانت ستصل لكل العضوية أم لا؟ غياب قنوات الحوار الداخلي السريعة سبب رئيسي لانفجارات تنظيمية داخلية وانشقاقات أو احباط البعض وخروجهم من المنظمة. 

3- عند حدوث أي انشقاق في أي تنظيم ماركسي في تلك السنوات أو عند أي حالة احتقان وبالذات في المحافظات كان دائما الاتهام الأول الموجه من أي طرف في المشكلة هو “الكذب”. لماذا؟ من الطبيعي على منظمات تعتمد على التراث الشفوي في التعامل التنظيمي أن تنفجر بتلك الإحتقانات والاتهامات حال توسعها وخروجها عن نطاق المجموعة الصغيرة التي كانت تعرف بعضها البعض في التسعينيات. إن ذلك نتيجة حتمية بل وعلمية!

من الطبيعي إذا كانت طريقة نقل التكليفات هي التعليمات الشفهية أن يحدث سوء فهم. فعندما يأتي مسؤول محافظة ما إلى القاهرة للقاء القيادة ونقل التنويهات والنقاش السياسي إلخ شفهيا يحدث أن تكون القيادة تقصد شيئا بينما مسؤول المحافظة يفهم أمرا آخر، ثم يذهب إلى محافظته وينقل ذلك شفهيا ويفهم الأعضاء هناك شيئا ثالثا.

 إن أول تجربة عملية يقوم بها طلبة علم الإجتماع في الغالب تكون أن يهمس الأستاذ في أذن طالب بشيء ويطلب منه نقله همسا إلى زميله بجانبه والذي بدوره ينقله إلى من جانبه وعندما يأتي الدور على آخر طالب في قاعة المحاضرات يكون ما سمعه مختلفا كليا عما همس به الأستاذ في البداية. طبقوا نفس التجربة العلمية على أي تنظيم تفهمون سر الاتهامات بالكذب والتخبط وسوء الفهم المنتشر في كل القطاعات على مر السنوات الماضية. وسيستمر هذا الاحتقان طالما اعتمدنا الشفهية وليس المراسلات المكتوبة. 

4- تسبب الانفتاح السياسي في الشارع في سنوات ما قبل الثورة وبزوغ نجم المنظمات الماركسية في قيادة الحراك في أحيانا كثيرة، ولكن مع الإصرار على اتباع نفس الوسائل القديمة في العمل التنظيمي، إلى ضياع فرص كبيرة في النمو. ففي تقديري كانت الحالة السياسية والأمنية تسمح بأن تعمل المنظمات الماركسية برايات علنية بكل وضوح منذ 2005 وما بعدها وعدم اتباع الوسائل “الكاريكاتورية” التي جعلت منها أحيانا أضحوكة بين النشطاء الجدد القادمون من خلفية العمل في الشارع وليس النقاشات في حجرات مغلقة مثل التسعينيات.

البعض بدا كالنعامة تدفن رأسها في التراب متخيلة أن أحدا لا يراها. وأتذكر جيدا مقولة كان يرددها بعض النشطاء في نقاشاتهم مع الماركسيين: “أنكم تبنون تنظيما سريا على العضوية ومكشوفا للأمن”، وللأسف كان هذا صحيحا. فقد كانت معظم العضوية “محروقة” آنذاك ومكشوفة للأمن بسبب العمل في الشارع واستعمال التليفون في نقل التكليفات، وهو ما يعني أن من يعلم بالتكليفات هو العضو القيادي والعضو المسؤول المتلقي على الطرف الآخر بالإضافة لكل أجهزة الأمن، ولكن باقي قطاعات أي منظمة لا تعلم ما يحدث في باقي أنحاء المنظمة بسبب دواعي “السرية”!

وبالطبع لم يكن ممكنا الخوض في كل تفاصيل النقاشات والتكليفات التنظيمية على التليفون، فكان يعني هذا أن التكليفات التنظيمية وأي نوع من الاستفسارات التنظيمية أو النقاشات في المحافظات أن تنتظر سفر المسؤول القيادي إلى المحافظة أو سفر مسؤول المحافظة إلى القاهرة لمقابلة القيادة. واضعين في الإعتبار أيضا أننا لا نتحدث هنا عن تنظيمات بمحترفين متفرغين، فطلب القيادة مقابلة مسؤول ما في محافظة ما كان أيضا يرتبط بالظروف الحياتية وارتباطات عمل المسؤول القيادي أو مسؤول المحافظة. والمحصلة النهائية أننا أمام قنوات اتصال يستحيل فيها بناء تنظيمات يتعدى أفرادها العشرات بدون أن تحتقن وتنفجر من الداخل.

5- أضاعت منظمات اليسار الثوري فرصا ذهبية للنمو وتركت الساحة لحركات شبابية وأحزاب وحملات أخذت زمام المبادرة في استعمال وسائل الاتصال الحديثة ونجحت في تكوين تواجد سياسي قوي في فترة زمنية ضئيلة، وهو تواجد أيضا كنا نعلم أنه مؤقت ولن يستمر للأبد ولكن تلك الحركات كانت وماتزال قادرة على الحشد السريع والتنسيق بين مختلف قطاعاتها في المحافظات المختلفة لاعتمادها على الإنترنت، مقارنة بالمنظات الماركسية التي كان لها باع طويل في السياسة ولكنها بطيئة للغاية في رد فعلها على أي تطور سياسي يحدث ولم تتعدى قدرة حشد كوادرها في أي وقفة عن عشرات بالرغم من النمو في العضوية. فالمشكلة كانت لاتزال قائمة: كيف تصل سريعا للكادر لتكليفه بشئ ما مثل حضور مظاهرة؟ أو كيف يتواصل الكادر سريعا في الأطراف مع مركز المنظمة لمعرفة الموقف من “س” أو “ص” أو ما العمل في هذا أو ذاك أو لنقل اقتراحات وانتقادات على أي شئ.

إعادة الهيكلة و”النشاطوية” واستمرار أزمة الاتصال:  

حدث بالفعل العديد من التطورات في الهياكل التنظيمية للمجموعات اليسارية المختلفة قبل وبعد الثورة مباشرة ولكنها خلقت جسدا بدون جهاز عصبي نظرا لغياب جهاز اتصال داخلي محترف وسريع، وحجم ما تم انجازه حتى الآن لا يرتقي بكل المقاييس لحجم ما كان يمكن إنجازه لو كانت قيادات الحركة أخذت الموضوع بالجدية المطلوبة، والاحتقانات المتكررة والانفجارات التنظيمية التي تتكرر في كل التنظيمات الماركسية بلا إستثناء عنصر مشترك في استفحالها وتكرارها هو غياب قنوات الاتصال الداخلية  والإنغماس في العمل في الشارع والمسيرات والمؤتمرات والمظاهرات على حساب بناء التنظيمات داخليا وتدعيم وتطوير هياكلها، والتوازن مطلوب بين العمليتين.

خارج الدوائر القيادية في المنظمات الماركسية حاليا يصعب على القواعد الإحساس بأنهم جزء من حركة منسقة أو تنظيم، والسبب الرئيسي هو عدم وجود قنوات اتصال سريعة وواضحة تناسب اللحظة الحالية. فإذا اتفقت القيادة السياسية مثلا على توجه معين أو تكليف ما أو قررت الحشد في مظاهرة معينة، فكيف نظن أن ذلك ممكنا؟ فور انتهاء اجتماع القيادة سيقوم أعضائها بالاتصال تليفونيا بعدد محدود من الكوادر الوسيطة ومقابلتهم ونقل التكليف لهم أو الاتصال بهم تليفونيا وإبلاغهم بكل التفاصيل التنظيمية على التليفون، ويكون كل كادر وسيط مكلفا بالاتصال أيضا تليفونيا بعدد من زملائه ودعوتهم للحضور. ويصاحب ذلك نشر الدعوة على فيسبوك والشبكات الإجتماعية على أمل أن يرى الدعوة باقي أعضاء الحركة ودوائر المتعاطفين ويحضرون. ولكن بغض النظر عن الحفنة الضئيلة من الكوادر التي يستطيع أعضاء القيادة السياسية الوصول إليها تليفونيا غالبا أو بالمقابلة السريعة وجها لوجه (وهذا يفسرضعف الحشد في المسيرات والمظاهرات بالرغم من النمو المتسارع لعضوية المنظمات الماركسية)، لا توجد لدينا قناة اتصال سريعة ومحددة لنقل التكليفات إلى العضوية بالقاهرة الكبرى، فما بالكم بنقل تكليفات بين المحافظات؟

وفي ظل عدم قدرة المنظمات الماركسية ماليا على تفريغ عدد من الكوادر القيادية والوسيطة، تظل كل منظمة تحت رحمة الظروف الحياتية اليومية للقيادات والكوادر الوسيطة. فإذا كان لا شئ يتم إنجازه إلا بالمقابلة وجها لوجه، فالله وحده يعلم متى تنتظم الاجتماعات ونسبة حضور الكوادر. فماذا إذا احتجنا بيانا عاجلا على موقف سياسي طارئ؟ كيف تتناقش القيادة سريعا في القرار وصيغة البيان إذا كان أعضائها “مسحولين” في حياتهم المهنية اليومية بين نوبتشيات العمل؟ هل سيقوم أعضاء القيادة بالاتصال التليفوني ببعضهم البعض فردا فردا ومناقشة تلك الأمور (في حضرة الأجهزة الأمنية التي تراقب هواتفنا بالطبع)؟ هل يكفي الاجتماع الأسبوعي وجها لوجه بين أعضاء القيادة السياسية لإدارة شؤون التنظيم؟ هل يكفي أن تجتمع الكوادر الوسيطة بكل قطاع مرة أسبوعيا أو كل أسبوعين لتنسيق العمل بينهم ويظلون باقي أيام الأسبوع بلا أي اتصال أو تنسيق بينهم؟ 

الإجابة بالطبع لا! هذه كلها طرق عمل تناسب مرة أخرى تنظيم صغير الحجم لا يتعدى أفراده حفنة ضئيلة من العشرات ويتركز في محافظة واحدة. ومن العبث أن نتخيل استمرار طريقة العمل تلك إذا كانت منظمات اليسار الثوري جادة في التحول لحزب جماهيري بتواجد في جميع المحافظات وقادر على الحركة بشكل مركزي وتتوافر به القنوات السريعة للتواصل الديمقراطي.

لا يوجد بديل في رأيي غير تعميم استعمال البريد الإليكتروني عبر أجهزة المحمول كوسيلة اتصال أساسية.

“المحمول في يد الجميع”؟

هذه عبارة من أحد إعلانات موبينيل في التسعينيات وكانت مثار مزاح وسخرية الجميع، فقد كانت الهواتف المحمولة ترفا وحكرا على البرجوازية المصرية لارتفاع أسعار الخدمة آنذاك. ولكن اليوم في 2013 قد تكون تلك العبارة حقيقة واقعة. فتقارير وزارة الاتصالات المصرية الصادر في مايو الماضي تشير إلى نسبة تشبع السوق المصري بـ 112٪ أي أن عدد شرائح المحمول يفوق عدد السكان!! وبشكل عام هذه ظاهرة عامة في المنطقة. فيشير بحث أجرته شركة “إريكسون” عن:

أن انتشار الهواتف المحمولة يفوق معدلات المواليد في منطقة الشرق الأوسط. ووفقًا للتقرير فقد تم تسجيل 8 ملايين اشتراك جديد في خدمات الاتصالات المحمولة بمختلف أنحاء المنطقة ما بين شهري يوليو وسبتمبر 2012، في المقابل تقترب هذه الأعداد من عدد المواليد الجدد خلال نفس الفترة حوالي 1.1 مليون طفل فقط ، ووصل العدد الإجمالي لاشتراكات الاتصالات المحمولة بمنطقة الشرق الأوسط إلى نحو 990 مليون اشتراك خلال الربع الثالث من عام 2012، مع تقديرات لحوالي 600 مليون اشتراك إضافي بحلول عام 2018.وأشار تقرير”إريكسون” إلى أن منطقة الشرق الأوسط سجلت واحدة من أعلى معدلات انتشار الاتصالات المحمولة في العالم، حيث وصلت إلى 103% خلال الربع الثالث لسنة 2012

لم تعد الهواتف الذكية التي يستطيع بها الشخص الدخول على الانترنت وقراءة رسائله حكرا على النخبة والأرقام تتحدث عن نفسها. وإعتماد التواصل عبر قوائم البريد الإليكتروني من خلال الهواتف المحمولة بين أفراد المنظمات الماركسية يجب أن يكون وسيلة الاتصال الاساسية الآن.

ننسى أحيانا أن الماركسية ما هي إلا “الاشتراكية العلمية” التي تحلل العالم والتاريخ وتوفر دليلا للعمل بناء على أسس علمية. إن التطور المذهل في تكنولوجيا الاتصالات عبر العقدين الأخيرين من الزمن كان له تأثيرا كبيرا على علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، أي البنية التحتية لمجتمعنا وللعالم. أليس لهذا التطور إنعكاسا على البنية الفوقية، على طريقة حياة البشر، على طرق بناء التنظيم السياسي؟ هذه ليست دعوة لبناء تنظيم في عالم إفتراضي، بل هي دعوة لخلق حزب اشتراكي علمي يضرب بجذوره في الأرض ويوفر قنوات اتصال حديثة آمنة لأعضاءه من مختلف المواقع الجغرافية للتواصل الديمقراطي بالسرعة المطلوبة في عصرنا ولضمان تناغم ومركزية الفعل.

التعليقات