بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال وفلاحين

مقدمات الثورة المصرية

انتفاضة 6 أبريل 2008

انتفاضة 6 ابريل 2008 بالمحلة

يمثل السادس من أبريل أحد أهم الحلقات في مسيرة التغيير الثوري في مصر. التعريف البسيط للحدث، أن دعوة للإضراب العام على مواقع التواصل الاجتماعي أدت لانتفاضة شعبية في مدينة المحلة. ولكن بنظرة أكثر عمقا للحدث يمكن أن نكتشف بسهولة أنه كان نقطة التقاء لمجموعة عوامل ستكون سببا فيما بعد في تفجير ثورة يناير.

دعوة الإضراب العام التي أطلقها مجموعة من الشباب على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، جاءت على ضوء إعلان عمال غزل المحلة تنظيم إضراب في الشركة في نفس اليوم. إعلان عمال المحلة عزمهم تنظيم الإضراب كانت له مصداقية خاصة لدى الجميع، لأن العمال أنفسهم سبق ونظموا إضرابا ناجحا في ديسمبر 2006 استمر لمدة ثلاثة أيام، وكان لهذا الإضراب تأثيرا قويا على كل الحركة العمالية وأدى لانتشار موجة قوية من الإضرابات في أنحاء مصر، بعد فترة هدوء طويلة في الحركة العمالية. وتلا هذا الإضراب إضرابا آخر في سبتمر 2007 استمر لمدة أسبوع. وفي تطور هام للحركة العمالية، وقبل دعوة إضراب 6 أبريل، في 17 فبراير 2008، نظم عمال المحلة مسيرة في المدينة ضمت أكثر من عشرة آلاف عامل للمطالبة بالحد الأدنى للأجور لكل عمال مصر.

كان إعلان عمال المحلة عن إضرابهم، بما مثّلوه من رافد هام لحركة الاحتجاج الجماهيري وتحريكهم للنضال العمالي على مستوى مصر يبعث على الثقة والجدية، ما دفع الشباب المتطلعين لتغيير الأوضاع لتلقف الدعوة واعتبارها مناسبة للحشد والتعبئة ضد النظام. القوى المطالبة بالتغيير – وفي مقدمتها حركة كفاية – وجدت في الدعوة نافذة جديدة تفتح للحراك الذي كان على وشك الإجهاض بعد أن استطاع نظام مبارك تمرير كل الخطوات السابقة على التوريث سواء تعديل الدستور أو انتخابات الرئاسة أو السيطرة على حركة القضاة إلى جانب ترتيب أجهزة الدولة استعدادا للتوريث، وأصبحت حركات التغيير الديمقراطي في حالة انكماش شديد حتى تفجرت الحركة العمالية. لذا انضمت القوى المطالبة بالتغيير للدعوة واعتبرتها إعادة إحياء لحلم التغيير، خاصة بعد انضمام عشرات الآلاف من المشاركين لدعوة الفيسبوك.

لا يمكن طبعا تجاهل أن تلك الفترة هي التي شهدت موجة ارتفاع أسعار شديدة جعلت الغضب الشعبي على وشك الانفجار. حركة عمالية مناضلة وجيل شاب يحلم بالتغيير وقوى سياسية تبحث عن مساحة للحركة وأزمة اقتصادية طاحنة ونظام حكم لا يكترث سوى بترتيب انتقال السلطة. التقت تلك العوامل لتصنع الانتفاضة في السادس من أبريل.

بذلت أجهزة الأمن كل جهودها لمنع إضراب العمال في شركة غزل المحلة يومها، وكانت الدولة ممثلة في اتحاد العمال الرسمي قد أجبرت عددا من القيادات العمالية في الشركة على إعلان التراجع عن دعوة الإضراب. نجحت الدولة بالفعل عبر إجراءات صارمة في منع العمال من الإضراب يوم السادس من أبريل، ولكن ما منعته في الشركة انفجر على نحو غير مسبوق في شوارع المحلة وميادينها. فانفجرت المظاهرات الشعبية الضخمة في أنحاء المدينة وارتفعت الهتافات ضد ارتفاع الأسعار والفقر والبطالة وحطم المتظاهرون صور مبارك في شوارع المحلة، ولم يفلح القمع الوحشي في وقف المظاهرات التي استمرت ثلاثة أيام، حتى اضطر رئيس الوزراء أحمد نظيف لزيارة المحلة مع مجموعة من وزرائه وتقديم عدد من التنازلات للجماهير الغاضبة.

اللقاء بين النضال العمالي والاجتماعي والحركة السياسية المطالبة بالتغيير في السادس من أبريل كانت نتيجته انتفاضة المحلة. والعكس كان يحدث دائما، فعندما كانت تنفصل الحركات المطالبة بالديمقراطية عن مطالب العمال والفقراء كانت تفشل في إحراز أي تقدم. المثال الأوضح على ذلك تخلي الحركات السياسية المختلفة عن دعم الحركة العمالية عقب الثورة واعتبارها حركات فئوية ودعم هيمنة المجلس العسكري ساعتها وقطع الطريق على استكمال الثورة.

مثلت دعوة السادس من أبريل أول استخدام لوسائل التواصل الاجتماعي في الحشد والتعبئة الاحتجاجية، وهو ما جعلها تصبح لاحقا أداة أساسية في العمل النضالي. وكان لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في العمل النضالي تأثيرا عميقا، ليس فقط لأنه وفر سرعة الاتصال بين أعداد ضخمة وتوفير سبل للعمل والتواصل أكثر أمنا وبعيدة عن سيطرة الدولة، ولكن لأنه كان طريقة فعالة لإدماج الأجيال الشابة والمتمردة في العمل النضالي والاحتجاجي واستطاع استيعاب مهاراتهم الحديثة وتطويرها بعيدا عن الأدوات والوسائل التقليدية التي لم تحصل على ثقتهم.

كحدث جماهيري كشفت انتفاضة السادس من أبريل عن طاقة الغضب الكامنة لدى الجماهير وإمكانية انطلاق تلك الطاقة لتتحول إلى حركة قوية قادرة على مواجهة أجهزة الأمن وقادرة أيضا على أن تهز أركان النظام. الغضب الذي انطلق في السادس من أبريل 2008 على نطاق ضيق سيعود للانفجار على نطاق أوسع في يناير 2011.

وكحدث سياسي أوضح الفارق بين ما يمكن أن تحققه النخب السياسية المناضلة مهما بلغت درجة إخلاصها وبين قدرة الجماهير على التغيير عندما تدخل كطرف في المعركة. لم ينجح الإضراب العام الذي بشرت به دعوة السادس من أبريل. ولكن الدعوة نجحت بالفعل في فتح أفق جديدة للنضال من أجل التغيير ظهرت فيه مفاهيم أكثر جذرية وجماهيرية مثل الإضراب العام والانتفاضة الشعبية والعصيان المدني والثورة. نجحت دعوة السادس من أبريل في فرض آليات جديدة للعمل تستوعب قدرات وطموحات الأجيال الشابة وتمكنها من لعب أدوار قيادية وليست تابعة.

استطاعت الطبقة العاملة المناضلة أن تلقي طوق النجاة لحركة النضال الديمقراطي التي أحبطت وتراجعت بعد 2005. تماما مثلما تدخلت بقوة في ثورة يناير لتحسم الجولة. ومثلما استمرت في النضال وحدها ضد بقايا نظام مبارك عقب الثورة فيما انصرفت أغلب القوى لجني ثمار الثورة. وكما استمر نضاها ضم حكم مرسي ونظمت آلاف الإضرابات في فترة حكمه. تماما مثلما تعود الإضرابات اليوم بمتهى القوة رغم سياسات القمع والإرهاب التي تنتهجها الثورة المضادة في مواجهة العمال. أثبتت الحركة العمالية في كل المراحل أنها الأكثر صلابة وقدرة على دفع حركة النضال وحسم المعارك ضد الاستبداد والاستغلال.

وللمصادفة تمر الذكرى السادسة لانتفاضة 6 أبريل متزامنة مع صعود الحركة العمالية مرة أخرى، في الوقت الذي قررت فيه أغلب القوى السياسية الانحياز للاستبداد الديني أو الاستبداد العسكري، بينما تصر الحركة العمالية على انحيازها لمعارك العدالة الاجتماعية والحرية لتقدم بديلا آخر للقوى التي ترفض هذا الاستقطاب الذي وجدت فيه الثورة المضادة ملاذها. وكما ألهمت الحركة العمالية في 2008 القوى المناضلة والأجيال المتمردة، فإنها اليوم أكثر قدرة على إلهامهم وإرشادهم لطريق استكمال الثورة وانتصارها.

   

التعليقات