بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحركة العمالية المصرية وأزمة التنظيم

عمال البريد يتظاهرون أمام نقابة الصحفيين، وسط دعاوى لإضراب جديد. عدسة: حسام الحملاوي، 25 يونيو 2009.
عمال البريد يتظاهرون أمام نقابة الصحفيين، وسط دعاوى لإضراب جديد. عدسة: حسام الحملاوي، 25 يونيو 2009.

موجة الإضرابات العمالية التي شهدتها مصر في فبراير الماضي وأدت لإقالة حكومة حازم الببلاوي قد تمثل محطة هامة في مسار للحركة العمالية المصرية، كانت تلك الإضرابات هي الأكثر اتساعا منذ الإطاحة بمحمد مرسي في الثالث من يوليو 2013. شارك في إضرابات شهر فبراير عمال شركات الغزل والنسيج وعمال البريد والنقل والعمال القطاع الصحي وعمال وزارة العدل وعمال النظافة، فضلا عن عشرات الإضرابات والاحتجاجات العمالية في شركات القطاع الخاص، وبقدر تقرير لمركز المحروسة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية إجمالي الاحتجاجات العمالية في شهر فبراير بأكثر من ألف احتجاج متنوع بين اعتصام وإضراب ومظاهرة، بالقياس لأقل من 50 احتجاج في شهر يناير وأقل من 400 احتجاج في شهر مارس، وبالنظر لأعداد العمال في المواقع التي وقعت بها الإضرابات فإن عدد العمال الذين دخلوا في إضرابات في أقل من شهر يزيد على 250 ألف عامل.

لا تكتسب تلك الموجة من الإضرابات العمالية أهميتها فقط من حجمها وأعداد العمال المشاركين فيها فالظرف العام الذي وقعت فيه هذه الحركة يضفي عليها أهمية خاصة، كانت الحركة العمالية قد وصلت لصعود غير مسبوق في الشهور الخمسة الأولى من 2013. وشارك فيها مئات الآلاف من العمال في مختلف أنحاء مصر، ولكن عقب الإطاحة بمحمد مرسي بدأت الحركة العمالية في الهدوء وتراجعت إلى حد كبير وتيرة الإضرابات، ولم يقطع هذا الهدوء سوى إضرابات متناثرة، وقد تعاملت معها السلطة الجديدة بالقوة، حيث أقدمت على فض بعضها باستخدام الأمن، واتهمت العمال المضربين وقياداتهم بأنهم منتمين للإخوان المسلمين، وأن تلك الإضرابات تهدف لإحراج السلطة الجديدة، حتى إن اتحادات العمال الرئيسية أصدرت بيانات عقب إعلان خارطة الطريق في الثالث من يوليو تؤيد فيها السلطة الجديدة وتتعهد بعدم تنظيم أي إضرابات دعماً منها للدولة فيما أسمته “الحرب على الإرهاب”، الملفت أن اتحاد العمال الرسمي الذي تراعاه الدولة والإتحاد المصري للنقابات المستقلة الذي تأسس خلال ثورة يناير في مواجهة هيمنة الدولة على العمل النقابي، أصدرا بيانات مستقلة مؤيدة لسلطة 3 يوليو وتؤكد فيها الامتناع عن تنظيم الإضرابات في مرحلة مواجهة الإرهاب، وهذا ما يعطي إضرابات فبراير أهمية خاصة، فقد استطاعت الحركة العمالية في صعودها الأخير كسر حالة الاستقطاب بين معسكري الدولة والإخوان والتي فُرضت على المجتمع المصري عقب 3 يوليو. كانت المرة الأولى التي تتحرك احتجاجات شعبية واسعة ضد الحكومة لا ترتبط بجماعة الإخوان. ورغم أن الدولة حاولت الربط بين الحركة العمالية تلك وتحريض الإخوان إلا أنها لم تفلح، لأن نفس المواقع العمالية نظمت إضرابات ضد الإخوان عام 2012 و2013. إستطاعت الحركة العمالية كشف عجز الحكومة وفشلها على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك احتمائها بشعار “الحرب على الإرهاب لتؤجل الاستحقاقات الاجتماعية وحقوق العمال.

تكتسب إضرابات العمال في فبراير أهمية أخرى إذا نظرنا إلى المطلب الرئيسي الذي رفعته. لقد كان المطلب الرئيسي للإضرابات العمالية هو الحد الأدنى للأجور، والمفارقة هنا أن الحد الأدنى للأجور كان قد تم تطبيقه بالفعل بشكل مشوه وقاصر أدى لإستفزاز العمال بدلاً من إرضائهم، لقد إتخذت الحكومة قراراً في سبتمبر 2013 بوضع حد أدنى للأجور 1200 جنيه، وهو ما كان يطالب به العمال منذ 2008 ،ولكن القرار الذي اتخذته الحكومة دون حوار مع ممثلي العمال جاء قاصراً، فالقرار لم يشمل سوى العاملين بالدولة والذي يبلغ عددهم حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حوالي ستة ملايين عامل فقط. ومن يقل أجرهم عن الحد الأدنى المقرر حوالي ثلث هذا العدد بينما يتجاوز عدد العمال في مصر 24 مليون عامل، موزعين بين قطاع الأعمال والهيئات الاقتصادية بالدولة مثل البريد، السكة الحديد والنقل، فضلاً عن العاملين بالدولة، ما يعني أن المستفيدين من القرار نسبة قليلة من العمال، ولن يستفيد من هذا القرار عمال القطاع الخاص والذين يعانون من إنخفاض أجورهم، حيث لا يتجاوز متوسط أجر العامل في القطاع الخاص 300 جنيه أسبوعياً بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن عام 2012، ولكن قرار الحد الأدنى للأجور أدى عند تطبيقه إلى إرتفاع للأسعار كان له أثراً مضاعفاً على العمال الذين لم يطبق عليهم القرار، المفارقة هنا أن القرار الذي إتخذته الحكومة لتزيد به شعبيتها وتظهر كمنحازة لمطالب العمال كان هو بالذات السبب في تفجر الحركة العمالية على هذا النحو الذي أدى لإقالة الحكومة.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يتحرك فيه هذا العدد من العمال على مطلب موحد، وكانت أيضا المرة الأولى التي تطالب فيها الحركة العمالية بشكل جماعي بمعالجة قضية الأجور بشكل جذري عبر الحد الأدنى وليس عبر زيادة مؤقتة وجزئية للأجر، لم يكن هذا هو مظهر التطور الوحيد في الحركة. فقد بدت في الحركة ساعتها درجة أعلى من الوعي والتنظيم لم تتوافر في الحركة العمالية سابقاً، فمثلاً جرى التنسيق بين عمال سبع شركات للغزل والنسيج في محافظات مختلفة ليحدث الإضراب فيها بشكل متزامن لرفع نفس المطلب وهو “الحد الأدنى للأجور”، كذلك قامت وفود من عمال السكة الحديد ومترو الأنفاق بزيارة عمال النقل العام في إضرابهم للتضامن معهم في مطلب الحد الأدنى للأجور، وأعلنوا لهم أنه في حالة قيام الدولة بأي إجراء ضد العمال المضربين سوف يعلنون الإضراب في السكة الحديد والمترو تضامناً معهم.

الننائج التي تحققت من تلك الإضرابات لا تتناسب بالمرة مع حجمها وقتها، ربما يكون إقالة حكومة الببلاوي على خلفية الإضرابات حدثاً فريداً يوحي بإنتصار ساحق للحركة العمالية، ولكن هذا التصور يتبدد إذا ما نظرنا إلى الحكومة الجديدة التي تولت والتي تنتمي في مجملها لنظام مبارك، إقالة حكومة الببلاوي لم تكن في جوهرها استجابة لمطالب العمال، بل على العكس تبدو بسبب فشلها في السيطرة على الحركة العمالية ومنع الإضرابات. يتأكد ذلك بالنظر للسياسة التي اتبعتها الحكومة الجديدة تجاه الحركة العمالية، فإلى جانب آداء شعبوي انتهجه رئيس الحكومة في زياراته لمواقع العمل، لم يقدم سوى وعود بالنظر لمطالب العمال، ولكنه أيضا طالب العمال بالصبر والتقشف وتحمل الظروف الصعبة حتى تمر الأزمة. ولكن خلف هذا الخطاب الشعبوي بدأت آلة القمع الحكومية تتحرك صوب الحركة العمالية. بدأت قوات الأمن تعتقل قيادات الإضراب وتوجه لهم تهمة الإثارة والتحريض والإضرار بالأمن القومي. كانت البداية مع عمال البريد حيث اعتقل الأمن أربعة من قيادات الإضراب في الإسكندرية من منازلهم فجرا، وأفادت تقارير حقوقية أنهم تعرضوا للضرب والتعذيب، وفي إحدى شركات السراميك المملوكة لأحد رجال الحزب الوطني تدخلت أجهزة الدولة بالضغط على العمال وتهديدهم لتجبر 25 من قياداتهم على التقدم باستقالة على أثر إضراب طالبوا فيه بتحسين الأجور. ولكن المفارقة كانت في القبض على ثلاثة عمال من شركة البولي بروبلين ببور سعيد، لقد ذهب العمال الثلاثة كممثلين للعمال إلى مقر الشرطة للإخطار بعزم العمال تنظيم اعتصام للمطالبة بتحسين أوضاعهم وصرف مستحقات متأخرة، كان العمال بذلك يطبقون قانون التظاهر الذي أصدرته الدولة نفسها، فتم إلقاء القبض على العمال وتوجيه تهم التحريض وتهديد الأمن القومي لهم، حدث ذلك قبل أيام من احتفال العمال بأول مايو، وتم حبس العمال أربعة أيام ثم أخلي سبيلهم، فإنضموا إلى الإضراب الذي نظمه عمال الشركة إحتجاجاً على اعتقال زملائهم، السياسات التي أعلنتها الدولة لاحقا أكدت عدم نيتها في تحسين أوضاع العمال، فقد أعدت برنامجاً تقشفياً يتضمن رفع أسعار الطاقة وخفض الدعم بما يؤثر بشكل مباشر على ذوي الدخول المحدودة، ومن ناحية أخرى أكدت سياسات الدولة على انحيازها لرجال الأعمال والمستثمرين عبر إصدار تشريعات تحمي رجال الأعمال من الملاحقة القضائية عبر تحصين العقود المبرمة بين الدولة ورجال الأعمال، والتي كشف عن مظاهر فساد كثيرة بها سابقاً وحكم ببطلان بعضها، كما أنها تجاهلت إعادة طرح قضية الحد الأدنى للأجور كما طالب العمال.

تم منح العمال مكاسب جزئية في عدد من المواقع المضربة. ولكن هناك تناقضاً واضحاً بين قوة الحركة العمالية وحجمها وإتساعها من ناحية، وبين قدرتها على انتزاع مطالبها والتأثير في السياسة العامة للدولة، فحركة بهذا الحجم لم تحرز تقدماً حقيقياً في المطلب الرئيسي لها وهو الحد الأدنى للأجور، كما أن تصاعد القمع الأمني للعمال لاحقاً والسياسات التي أعلنتها الدولة توحي بأنها خرجت منتصرة من المعركة.

هذا الشعور بالنصر هو ما استمر مع تنصيب السيسي رئيساً للجمهورية في الثامن من يونيو الماضي، فمع استمرار الخطاب الشعبوي الداعي للاستيقاظ مبكراً والعمل والتضحية، والتوقف عن المطالب “الفئوية” ـ وهو المصطلح الذي توصف به المطالب العمالية والاجتماعية ـ اتجه السيسي أيضاً لتطبيق سياسة تقشفية قاسية، فقد رفض الموازنة العامة التي أعدتها الحكومة قبل تنصيبه، وطالب بإعادة النظر فيها لخفض العجز عبر تخفيض دعم الطاقة وزيادة الموارد بفرض ضرائب جديدة، أدت تلك الإجراءات لرفع أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 40 و 175% ،ولكن توزيع تلك الزيادات لم يتسم بالعدالة، فبينما ارتفع سعر الغاز الطبيعي لسيارات الأجرة بنسبة 175% كانت نسبة زيادته للمصانع كثيفة الاستهلاك للغاز بنسبة تراوحت بين 30 و 40% فقط. وبينما زاد وقود بنزين سيارات الأجرة والسيارات الفقيرة بنسبة 75% زاد البنزين الفاخر بنسبة 40% فقط، استهدفت الزيادات استهلاك الفقراء بشكل أكبر، وبالإضافة إلى ذلك، فقد عوضت الدولة المصانع التي تستخدم الغاز عن الزيادة بالسماح باستيراد الفحم، النتيجة المباشرة لهذه الزيادات كان ارتفاع عشوائي في أسعار المواصلات في كل أنحاء مصر، والنتيجة المتوقعة هي ارتفاع أسعار كافة السلع والخدمات، سواء بسبب زيادة تكلفة النقل أو بسبب زيادة تكلفة الإنتاج. وهو ما يعني بالضرورة انخفاض حاد في الأجور الحقيقية للعمال، ولا يمكن استبعاد موجة جديدة من الاحتجاجات العمالية والاجتماعية ضد تلك الإجراءات، وقد ظهرت بالفعل إضرابات ووقفات إحتجاجية لسائقي الأجرة في عدد من المحافظات عقب زيادة أسعار الوقود.

هذا التناقض بين قوة الحركة العمالية وتأثيرها ونتائجها ليس بالأمر الجديد، إذ يكاد يكون سمة مميزة للحركة العمالية، فمثلاً لعبت الحركة العمالية دوراً هاماً في التمهيد لثورة يناير، فقد بلغ عدد العمال المضربين في موجة الإضرابات السابقة على الثورة مليوني عامل، بحسب إحصاء لاتحاد عمال الصناعات الأمريكي، وخلال الثورة ظهر الدور الحاسم للحركة العمالية في الأيام الأخيرة عندما قام العمال في العديد من مواقع العمل باحتلال المنشآت واحتجاز مسئولي الدولة حتى إسقاط مبارك، فضلاً عن انتشار الإضرابات في كل مكان انحيازاً للثورة، ومع ذلك فعقب سقوط مبارك مباشرة بدأ هجوماً شرساً على الحركة العمالية واعتبار إضرابات العمال مضرة بالثورة، وأصدر المجلس العسكري الحاكم ساعتها قانوناً يجرم الإضرابات ويحيل العمال المضربين للمحاكم العسكرية، الأمر نفسه تكرر فيما بعد، فقد مثلت الحركة العمالية لحكم محمد مرسي المعارضة الأقوى التي لم يتمكن من التغلب عليها، حتى باستخدام الجيش لفض الإضرابات مثلما حدث مع عمال السكة الحديد في أبريل 2013 وعندما استخدم لكلاب المدربة ضد عمال أسمنت العامرية في مارس 2013. لقد فاق عدد الإضرابات في عام 2012 كل الإضرابات التي وقعت طوال السنوات العشر السابقة على الثورة حسب تقرير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أما في 2013 فإن الإضرابات التي حدثت في الخمس شهور الأولى من 2013 فاقت إضرابات 2012 حسب تقرير مؤشر الديموقراطية الصادر عن مركز تنمية الديموقراطية، ومع ذلك فإن السلطة التي تولت في الثالث من يوليو عقب الإطاحة بمرسي واجهت إضرابات العمال بالقمع فضلاً عن تجاهل مطالبها.

قد يفسر هذا التناقض بعض الشيء النظر للوضع وسط الحركة العمالية، بداية لا يوجد تنظيم سياسي أو حزب يمثل الحركة العمالية أو حتى يدعي تمثيلها، والمحاولات التي جرت لبناء حزب للعمال عقب الثورة كانت محدودة ولم تحظى بنجاح، كان أبرزها محاولة تأسيس حزب العمال والفلاحين التي لم تنجح، فالحركة العمالية لا تتمتع بتنظيم سياسي فعلياً وإن كانت العديد من الأحزاب والحركات السياسية تطرح في برامجها مطالب العمال وقضاياهم، إما على أساس انتمائها الفكري والسياسي أو للحصول على تأييد وشعبية في الأوساط العمالية.

الوضع النقابي ليس أفضل كثيراً، لقد هيمن على الحركة النقابية منذ 1957 اتحاد العمال الذي أسسه عبد الناصر، وكان تابعاً بالكامل للدولة ولم يلعب أي دور في تنظيم وتطوير الحركة العمالية، على العكس عادة ما إتخذ موقفاً ضد الإضرابات والإحتجاجات العمالية، كان انطلاق تأسيس النقابات المستقلة في عام 2008 خطوة هامة على طريق كسر احتكار الدولة للعمل النقابي، ويدفع في سد الفراغ التنظيمي وسط الحركة العمالية، انطلاق النقابات المستقلة في بدايتها من قلب الإضراب واللجان العمالية المنظمة للإضرابات وفر لها فرصة ذهبية للحصول على ثقة العمال وحشد الحركة العمالية خلف النقابات المستقلة، كما أن الإقدام على إعلان تأسيس الاتحاد المستقل للعمال في ميدان التحرير أثناء الثورة كان له قيمة سياسية كبرى تجعل النقابات المستقلة جزء من مقدمات ونتائح الثورة، لقد تصاعدت حركة استقلال النقابات سريعاً عقب الثورة وتصاعدت معها الآمال بسد الفراغ التنظيمي في الحركة العمالية، ولكن الآمال التي تصاعدت سرعان ما تبددت، فبعد تأسيس الاتحاد المستقل للعمال بدأت الخلافات بين قياداته، وإن لم تكن الخلافات تلك واضحة بما يكفي، فالجميع متفق على أهمية استقلال النقابات عن الدولة وأجهزتها، والكل مؤمن بالديموقراطية الداخلية في التنظيم النقابي، ولا يوجد خلافات واضحة في الرؤية النقابية، بدا الأمر أقرب للتنافس على الهيمنة على الحركة النقابية المستقلة بين أطراف سياسية وأخرى حقوقية، أدى ذلك لانقسام الحركة النقابية المستقلة بين اتحادين مستقلين بل ومتنافسين أيضاً، أدى الانقسام والتنافس داخل الحركة النقابية المستقلة إلى تمهيد الأرض أمام الاتحاد الرسمي التابع للدولة ليعود قوياً من جديد ويفرض وجوده عبر ارتباطه بالدولة، الملفت أن النقابات المستقلة التي عادة ما انتقدت الإتحاد الرسمي لعدم شعبيته وأن عضويته وهمية وعلى الورق فقط، لم تنجح في أي مرة في حشد احتجاجاً ضخماً في أي مناسبة أو وراء أي مطلب، وأقصى ما تمكنت من حشده في مظاهراتها هو عدة مئات، رغم أن دفاترها تضم الملايين من العضوية، حتى أثناء الثورة عندما قررت النقابات المستقلة الحشد من أجل اقتحام مبنى الاتحاد الرسمي كأحد رموز نظام مبارك والاستيلاء عليه لصالح العمال لم تحشد سوى عشرات وفشلت مرتين في الاقتحام، على الأرض وفي الإضرابات تلعب العديد من النقابات الفرعية المستقلة دوراً هاماً في تنظيم إضرابات العمال وقبادتها، مثل إضراب النقل العام والسكة الحديد والبريد والمحلة وغيرها، ولكن على مستوى الاتحادين المستقلين بدأ الأداء العام يتجه للبيروقراطية والتفكك والانفصال عن أوضاع العمال اليومية ومطالبهم، بالإضافة للمنافسة والصراع داخل الحركة النقابية المستقلة.

في فبراير الماضي أضرب ما يزيد على 250 ألف عامل من أجل مطلب واحد، وفي مواجهة حكومة واحدة، ولكن لم يكن إضراباً واحداً، كانت إضرابات كثيرة، وحتى التنسيق والتضامن الذي ظهر لم يوحدها بالكامل، كانت النقابات المستقلة في القاعدية في مواقع العمل تقود عدداً من تلك الإضرابات بالفعل، ولكن لم يكن هناك تنظيم واحد يدير تلك الإضرابات في حركة موحدة، قد يبدو ذلك تفسيراً مقبولاً للتناقض بين الحجم الكبير للحركة العمالية وتأثيرها المحدود، فالحركة العمالية التي لا تملك تنظيماً سياسياً، لازالت تفتقد أيضاً للتنظيم النقابي الذي من شأنه أن ينظم تلك الحركة الضخمة في وحدة فعالة، لم تنجح حتى الآن الحركة النقابية المستقلة في القيام بذلك الدور، ليس فقط بسبب التنافس والصراع الداخلي الذي يفضي إلى تبقرطها وانفصالها عن واقع الحركة العمالية، ولكن أيضاً بسبب الضعف التنظيمي وضعف الخبرات النقابية بها نتيجة احتكار الدولة للعمل النقابي لنصف قرن، ولكن خبرة الحركة العمالية منذ تفجر الإضرابات في ديسمبر 2006 من شركة غزل المحلة في دلتا مصر وحتى موجة إضرابات فبراير 2014 تؤكد أنه ما لم تمتلك الحركة العمالية تنظيمها النقابي والسياسي أيضاً، فإن ثمار نضالها الذي لا ينقطع لن تنضج.

إن قضية غياب التنظيم السياسي والنقابي للحركة العمالية لا ينتج عنه فقط عجز الحركة العمالية، رغم قوتها وحجمها، عن تحقيق مطالبها، فعدم وجود تنظيم نقابي قوي يقود الحركة العمالية ترك تأثيراً واضحاً على مسار الأحداث في مصر عقب الثورة، نظرة واحدة على تطورات الثورة التونسية منذ ديسمبر 2010 وحتى اليوم تكشف الفارق الذي أوجده الاتحاد التونسي للشغل، فرغم أي ملاحظات على مواقف الاتحاد التونسي للشغل، وبخاصة تردده في البداية في تأييد وتبني الانتفاضة، التي انطلقت من أطراف تونس وقتها، إلا أن استجابته لضغوط قواعده وتدخله في المشهد بقوة أدى لحسم الكثير من الأمور، أولها هروب بن علي من مواجهة الإضراب العام الذي تبناه الاتحاد. فضلاً عن أنه أصبح مرجعية وكتلة مرجحة لأي موقف. الأمر في مصر كان مختلفاً، الكتل العمالية الضخمة التي تحركت قبل الثورة وبعدها كان لها تأثيرا بالفعل على مسار الأحداث، ولكنه التأثير الطبيعي والتلقائي التي تخلقه موجات الحركة العمالية والاجتماعية، ولكن عدم وجود إطار تنظيمي موحد لتلك الكتل أدى لغياب تأثبرها على نتائج تلك الأحداث، وعدم القدرة على تقديم بدائل عن النظام الذي قامت ضده الثورة، أصبحت الساحة في مصر عقب الثورة مفتوحة وخالية، فكان من الطبيعي أن تشغلها القوى الأكثر تنظيما، مثل جماعة الإخوان المسلمين ومؤسسات الدولة والنظام القديم الذي انفجرت الثورة أصلا ضده، استمرار الفراغ التنظيمي وسط الحركة العمالية والاجتماعية لن يعني فقط استمرار تدني شروط العمل وعدم تلبية مطالب العمال، ولكنه سيعني استمرار غياب أي بديل حقيقي للنظام الذي قامت الثورة للإطاحة به، وسيعني أيضا تراجع احتمالات إصلاح هذا النظام وتحسينه، ببساطة اكتمال أركان الثورة المضادة.

موجة إضرابات فبراير ليست الأولى، والسياسات التي تطبقها الدولة تؤكد أنها لن تكون الأخير. ولكن ما لم تطور الحركة العمالية تنظيمها النقابي والسياسي فإن الموجة اللاحقة سيكون مصيرها كالسابقة.

         

التعليقات