بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الجنرال والنقابات المستقلة وحرية التنظيم

نقابات

كل التوقعات تشير الى أن أجور العاملين بأجر ستواصل التدهور، وعمليات التشريد والإغلاق ستتزايد، والأسعار ستركب الصاروخ خلال الفترة المقبلة. وهو ما عبر عنه السيسي بوضوح “أجيبلكم منين.. مفيش”، وفي تصريحه الصادم: “لا نحتاج سوى إلى مليون موظف من أصل ما يقرب من سبعة مليون”.

هذه الصورة القاتمة تعني أن سلطة الثورة المضادة قررت أن الهجوم على حقوق الفقراء والكادحين هو الحل الوحيد للخروج من أزمة النمو المستعصية والقدرة على مواجهة الخلل في عجز الموازنة ناهيكم عن جذب الاستثمارات.

وما يزيد الطين بلة اللهث وراء القروض المشروطة من البنك والنقد الدوليين ومطالبهم المعروفة والمحفوظة من إلغاء الدعم على كافة الخدمات من مياه وكهرباء، بينما يستأثر الرأسماليون والفئات الضامنة لاستمرار الجنرال في السلطة من جيش وشرطة وقضاة بكل الأرباح والمزايا.

هجوم شرس
وفي ظل هذه الأوضاع خلعت سلطة السيسي برقع الحياء مستخدمة الاتحاد الأمني القابع في 90 شارع الجلاء، لتقضي على حرية التنظيم، وكأن لسان حال السلطة يقول: لكي نستطيع تحدي العمال يجب سلبهم أسلحتهم في التنظيم والاعتصام والإضراب.

وفي هذا السياق الاستبدادي والمعادي للحريات والذي يكتسب شرعية بقوة الأجهزة الأمنية يجري الانقضاض على حق الجماهير في التنظيم والهجوم على النقابات المستقلة.

ولم يكن الجنرال بعيدًا تمامًا عن المشهد، فنزل سريعًا الى أرض المعركة كما ظهر في الكتاب الدوري لمجلس الوزراء، الذي صدر بتوجيهات من السيسي، بعدم التعامل مع النقابات المستقلة التي تثير القلاقل في مواقع العمل، وما تلاه من كتاب مماثل من وزارة لداخلية، وقبله ما اكتشفه نقابيون من رفع الاتحاد الأصفر غير الشرعي لقضية أمام القضاء الإداري للحكم بعدم شرعية النقابات المستقلة التي تثير الزوابع.

وبالطبع المقصود بالقلاقل والزوابع هو تنظيم العمال لاحتجاجات دفاعًا عن لقمة العيش والتثبيت وحق العمل .

وحتى يتم القضاء تمامًا على بدعة النقابات الحرة والمستقلة أعد ترزية القوانين مشروع قانون لتنظيم النقابات من المفترض أن يتم عرضه على البرلمان قريبًا، وهو بالتأكيد ليس القانون الذي انتظر العمال صدوره منذ ثورة يناير، ولكنهم لم يحصلوا في عز انتصار الثورة سوى على إعلان وزاري يعترف بالتنظيمات المستقلة، ولكن المجلس العسكري ثم الإخوان رفضا إصدار قانون للحريات النقابية يسمح للعمال بالتنظيم بالتوحد.

لكن معركة السيسي مع النقابات العمالية ليست محسومة، ليس لأن للعمال اتحاد عمالي مستقل قوى يستطيع الدفاع عن حرية التنظيم، عبر إعلان الإضراب العام ، وليس لأن معركة الحرية النقابية معركة جماهيرية، ولكن لأن مياه كثيرة جرت في النهر منذ انقلاب 3 يوليو 2013.

وبلا شك فإن المجازر والترهيب والاعتقالات، إلى جانب الدعاية الصفراء حول أهمية الوحدة مع الجنرال، والتي طالت نقابات عمالية مستقلة طالبت عمالها بعدم الإضراب لمدة عام تحت شعار الوحدة مع سلطة الرأسمال، ساهمت في تخفيف حدة التحركات العمالية “خوفًا أو انتظارًا”.

ولكن عوامل عديدة غيرت المعادلة، منها تماسك سلطة 3 يوليه ذاتها التي بدأت الشروخ تدب في أوصالها وبات الصراع داخلها مكشوفًا، الى جانب أن الجماهير الشعبية اكتشف قطاع منها، مع وطأة الأوضاع المعيشية وتدهورها، خطأ ما ركنت إليه من تجنب مواجهة الاستبداد والانقضاض على مكتسبات ثورة يناير لتصحو على واقع مؤلم غير مسبوق.

وبالتالي بدأت الاحتجاجات والمظاهرات والاعتصامات والإضرابات تتزايد ببطء رغم القبضة الأمنية والفصل والنقل. كما بدأت لجان نقابية وقيادات عمالية تعيد النظر في مواقفها وترفع صوتها بـ “لا لبلطجة الحكومة لا للفساد” وتوارت صور الزعيم الملهم التي كانت ترفع في كل الوقفات تقريبًا.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، ارتفع صوت المتظاهرين في وقفة الموظفين يوم الأحد 20 مارس الماضي ضد قانون الخدمة المدنية بالهتاف “سيسي بيه يا سيسي بيه، كيلو الأرز بسبعه جنيه”. كما شهدت مصر نحو 1117 احتجاجًا للمطالبة بحقوق العمل عام 2015.

معركة الحق في التنظيم
هذه الظروف المعيشية القاسية ستجعل قطاعات واسعة من العمال تحاول من جديد تنظيم نفسها في أشكال نقابية، ومن جهة أخرى تدفع قطاعات من النقابات المستقلة الموجودة بالفعل إلى محاولة إعادة الإحياء من جديد.

وبالتأكيد بعض هذه النقابات سيسعى إلى إصلاح الأخطاء بالنزول إلى القواعد وتمتين العلاقة بها وإجراء انتخابات ومقرطة النقابة، والبعض الآخر سيدافع عن مصالحه الشخصية والانتهازية. وهو ما يجب التمييز بينهما وتوحيد المكافحين في بوتقة واحدة تخوض النضال معًا وتنفتح على المعارك العمالية الأخرى ومعارك المجتمع.

وفي هذا السياق أعربت نقابات عديدة عن غضبها من مقترح القانون المقدم من الاتحاد “الرسمي” الذي لا يخرج عن كونه نسخة معدلة من القانون الحالي منتهى الصلاحية “35 لسنة 1976″، تجافي الدستور الجديد، والاتفاقيات الدولية، وتنتهك الحريات النقابية على نحوٍ فظ.

وقد انتهت نقابات في اجتماعات عديدة عقدت مؤخرًا على التوافق على اتخاذ عدد من الخطوات دفاعًا عن حرية العمل النقابي وديمقراطيته واستقلاليته على الأخص منها توجيه مخاطبة الرأي العام المصري لتبصيره بأهمية النقابات – مستقلة الإرادة وديمقراطية التكوين وتوجيه رسائل بهذا الشأن إلى أعضاء البرلمان والأحزاب السياسية والقوى الديمقراطية وسائر منظمات المجتمع المدني. فضلًا عن تقديم مقترح بقانون يكفل الحريات النقابية ويتماشى مع الدستور والاتفاقيات الدولية والدفع به إلى البرلمان.

وأكدت النقابات تمسكها بمبادئ الحريات وعلى الأخص – حق العمال في تكوين نقاباتهم بحرية دون إكراه، ودون فرض منظمة نقابية واحدة عليهم سواء كان ذلك على مستوى المنشأة أو الصناعة.. حق العمال في الانضمام أو الانسحاب، وحق النقابات في الوحدة أو الانفصال.

كما احتشد نحو600 موظفًا إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني وقوى سياسية أمام مجلس الدولة يوم أثناء نظر القضية المرفوعة أمام مجلس الدولة لإعلان النقابات المستقلة نقابات غير شرعية. ومن المتوقع أن يحتشد مثلهم يوم 3 أبريل المقبل أثناء نظر الجلسة الجديدة.

ومعركة الدفاع عما تبقى من حريات نقابية، ليست محسومة النتائج تمامًا رغم عدم توازن القوى الحالي بين العمال من جهة وبين الرأسماليين من جهة أخرى، وذلك للشروخ البادية في سلطة الثورة المضادة.

ومن الضروري والملح الكفاح لحماية الكيانات العمالية والنقابية المكافحة الموجودة بالفعل – وليست الورقية – الى جانب الضغط للحصول على ضمانات في التشريع الجديد لحماية حرية التنظيم الذي تريد الدولة القضاء عليه قضاء مبرما حيث حظرت، على سبيل المثال، حق التنظيم على العمالة غير المنتظمة التي تشكل تقريبًا 60% من العمالة المصرية وأصحاب المعاشات.

وإذا كان الدفاع عن الحريات النقابية لا ينفصل عن الدفاع عن الحريات العامة بشكل عام، فأن الدفاع عن الحرية النقابية والنقابات المستقلة هي واحدة من قضايا الثورة المركزية فالعمال المتحدون لا يمكن هزيمتهم وهم أحد ركائز مقاومة الثورة المضادة واستعادة الديمقراطية للمجتمع كله.

ويبقى أن حركة العمال ستنتج كما أنتجت في عز طوارئ مبارك نسخة جديدة من النقابات المستقلة يجب النضال لكي تكون ديمقراطية وجماهيرية لتستفيد من ارث الماضي ، نقابات منفتحة على النضال السياسي خصوصًا مع مركزة السلطة والثروة في يد رجال الأعمال، سواء كانوا من المؤسسة العسكرية أو من رجال الأعمال أو الدولة.

   

التعليقات