بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المرأة في العمل: بين تمييز القوانين والواقع الأليم

مصانع

مطلوب مدرس فيزباء، مطلوب صنايعي سيراميك ورخام، ومطلوب سائق. مصانع كبرى بالمنطقة الصناعية تطلب عمال إنتاج شباب (فرز – تعبئة – تغليف) بمرتب 1900 ج دوام 10 ساعات، وبمرتب 2400 دوام 12 ساعة. يتوفر وجبات وسكن للمغتربين وتأمين اجتماعي وصحي. مصانع شيبسي الغذائية تطلب عمال (أكتوبر- العبور)، ومطاعم كبرى بالشيخ زايد تطلب كابتن صالة وويتر.. هذه كلها طلبات عمل للرجال فقط.

يتضح، بالطبع، كم هي ظالمة شروط العمل المعلنة، وغير مطابقة لقانون العمل، فهم يعلنون عن 10 و12 ساعة عمل يوميًا بكل أريحية. هل خرج أحدهم ليقول أن الإعلان عن العمل 12 ساعة غير آدمي وسيُضاف إليه 3 ساعات على الأقل مواصلات من المنطقة الصناعية إلى داخل القاهرة؟ هل وزارة القوي العاملة أرتنا أمارة علي وجودها، وقامت بمحاسبتهم طبقًا للقانون الذي يُعتبر تطبيقه هي وظيفتها الأساسية والوحيدة؟

وعلى الرغم من الظلم الذي يتعرض له العمال في مصر، إلا أن الظلم على النساء مزدوج، فهن محرومات أصلًا من التقدم لهذه الأعمال، ذلك كون الإعلانات التي يطلبون فيها نساء للعمل يذكرون أن العمل للجنسين، فقد أعلنت جريدة “الأهرام” في عددها الأسبوعي الصادر بتاريخ 24 فبراير 2017، أنه مطلوب مندوبين مبيعات لتسويق خامات البويات والأصباغ، وأمين مخزن، ومساعدين وعمال إنتاج، وفي نفس العدد مطلوب كيمائيين ومدير موارد بشرية، ومطلوب لشركة زراعية مهندسين زراعيين من الجنسين.

وفي إعلان لـ 25 مصنع يطلبون عاملين اثنين فقط منهما اللذان ذكرا “مطلوب عمال من الجنسين”، مطبعة تطلب عمال للعمل 12ساعة 1200ج ويوجد انتقالات، عمال إنتاج من الجنسين لمصنع مواد غذائية في أكتوبر، مطلوب للعمل في مصنع مواد غذائية في مدينة نصر للعمل 12 ساعة 1100ج. فرصة عمل جيدة بكبرى شركات الاتصالات والمعلومات مطلوب موظفين دعم فني من الجنسين بمرتبات من 3200 حتى 4800 مؤهلات عليا فقط مع إمكانية التدريب والتأهيل للالتحاق بفريق مجهز للخدمة والدعم الفني، ببشرط إجادة الإنجليزية بنسبة 70%.

كما أن أحد المواقع نقلت عن الأهرام إعلان شركة العريش للأسمنت لجهاز الخدمة الوطنية التابعة للقوات المسلحة عن حاجتها إلى عدد من الوظائف منها كيميائيين وجيولوجي، فني إنتاج وفني صيانة وضمن الأوراق المطلوبة صورة شهادة المعاملة العسكرية. وبالمثل طلبت شركة رويال للأسمنت بالمنيا وظائف لديها مؤهلات عليا ومتوسطة وضمن المستندات التي طلبتها شهادة الخدمة العسكرية أو شهادة الإعفاء.

معظم مجالات العمل تطلب للعمل الرجال دون النساء، هذا ما نعرفه ونلاحظه وتؤكده لنا الإعلانات، والغريب في الأمر أنه لا أحد يجرم المعلنين، أو المواقع التي تعلن بما فيها جريدة الأهرام الحكومية. كما أنه لم يقاضيهم أحد لأنهم بشكل واضح يمارسون التمييز ضد المرأة وفي مجال حيوي مما يؤدي لحرمانها من حقها في العمل وذلك بالمخالفة للدستور. كما أن كل مسودات قانون العمل لم توضع فيه مادة واحدة تُجرم أصحاب الأعمال الذين يطلبون في إعلاناتهم عمال طبقا للجنس، ويعد ذلك استمرار لتجاهل القانون الحالي ق 12 لسنة 2003 لنفس المسألة.

وحتى في حال حصول النساء على مؤهلات عليا، مثل بكالوريوس الهندسة، فإن هذا لن يشفع لهن لقبولهن في العمل بدون تمييز. فقد ذكرت إحدى المهندسات الباحثات عن عمل أنه قد جرى العرف أن لا يتقدمن للعمل في بعض المجالات، مثل صناعات الأسمدة والأسمنت والبترول. ويؤكد كلامها على التمييز، ليس في المجالات التي ذكرتها فقط، بل في معظم الحالات، فالإعلانات تطلب مهندسين مثل مطلوب مهندس موقع، أو مطلوب مهندس كهرباء خبرة، أو مطلوب مهندسين غزل ونسيج، للعمل بشركة غزل ببرج العرب يفضل بدون خبرة. وقد عثرت أثناء البحث على شركة تطلب مهندس/ مهندسة كهرباء مكتب فني لشركة إضاءة ليد في السادس من أكتوبر يفضل من سكان القاهرة والجيزة.

ولعل واقعة رفض تعيين خريجات الحقوق في مجلس الدولة، بالمخالفة للمادة 11 من الدستور، تؤكد على نفس الفكرة، لكن هذه المرة يحدث التعدي من قبل الهيئة القضائية المنوط بها تنفيذ القوانين والدستور.

وهكذا تُسد كل الطرق في معظم الأحيان أمام النساء خاصة الفقيرات اللاتي لم تمنحهن رداءة التعليم الحكومي – إذا كن قد تعلمن – أي مهارات أو مؤهلات للعمل سوى في العمالة الهامشية، ذات الأجور الزهيدة، وبدون أي أنظمة تأمينات صحية أو اجتماعية، لتجد في انتظارها أعمال من نوع الخدمة المنزلية، وما أكثر المواقع التي تعمل في هذا المجال، مثل: نوفر خدم وشغالات ومربيات أطفال وعاملات نظافة وراعيات المسنين.

وبدلا من أن يعمل قانون العمل على حماية حقوق هؤلاء، نجد أن مسودة قانون العمل تستمر في استبعاد عمال الخدمة المنزلية، والبالغ عددهم 148 ألف شخصًا، ضمنهم 96.5 ألف من النساء، من أن يسري عليهم تطبيق القانون لكي يظلوا تحت رحمة أصحاب عملهم بلا أي حقوق.

وتعتبر الممارسات التمييزية ضد النساء مخالفة لنص الدستور بشكل واضح في م 11 منه نصت على إلزام الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، كما نصت على كفالة الدولة لتمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل، كما ألزم الدستور الدولة بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأكثر فقراً.

كما تعتبر مخالفة لاتفاقية السيداو والتي وقعت عليها مصر، والتي ورد في م 11 منها: “تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان العمل لكي تكفل لها، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة، نفس الحقوق ولا سيما لتشجيع توفير الخدمات الاجتماعية المساندة اللازمة لتمكين الوالدين من الجمع بين الالتزامات العائلية وبين مسؤوليات العمل والمشاركة في الحياة العامة، ولا سيما عن طريق تشجيع إنشاء وتنمية شبكة من مرافق رعاية الأطفال”.

قانون الخدمة المدنية: حقوق منقوصة.. ومخالفات في التطبيق
فقد خالفت الحكومة، كصاحب عمل، كل من الدستور واتفاقية السيداو، عندما أصدرت القانون 81 لسنة 2016 حيث ورد فيه حقوق الموظفات في إجازات الوضع ورعاية الطفل وإجازة مرافقة الزوج، وتجاهلت حقوق أخرى تساعد المرأة في التوفيق بين عملها ورعايتها لأسرتها، مثل عدم وضع مواد تلزم المنشآت الحكومية التي يعمل بها 100 عامل أو عاملة فأكثر (وتلزم عدد من المنشآت الحكومية الموجودة في نفس المربع السكني متى كان يعمل بها مجتمعة 100 عامل وعاملة فأكثر) بإنشاء دار للحضانة لرعاية أبناء العاملين والعاملات، خاصة وأن الحكومة تلزم أصحاب الأعمال في القطاع الخاص بمثل هذه الحضانات في ق 12 لسنة 2003.

كما خلا القانون من أي مواد تجرم العنف والتحرش في أماكن العمل، وحرمها بصفتها امرأة من أي تمثيل سواء في مجلس الخدمة المدنية م 3 أو في لجان الموارد البشرية م 4، على الرغم من أن المرأة تمثل حوالي ربع موظفي الدولة، مما يعني أن مجلس الخدمة المدنية أو لجان الموارد البشرية قد لا ينتبهون للكثير مما يخص النساء وقضاياهم.

وفي التطبيق تظهر مخالفات للقانون نفسه، منها علي سبيل المثال عدم تطبيق بعض مواد قانون الخدمة المدنية على هيئة التمريض في بعض الأماكن، حيث أن القصر العيني يرفض أن تعمل الممرضات بنظام العمل لنصف الوقت – رغم النص عليه في القانون – حتي لو كانت تطلبه بسبب حالتها الصحية التي لا تسمح لها بالعمل كامل الوقت بكفاءة. وبالرغم من نص القانون على أن يأخذ موظفي الدولة إجازاتهم، ولا يرحل منها إلا الثلث فقط في حال حاجة العمل، إلا أن إدارة القصر العيني لا تسمح بأكثر من 3 أيام فقط في الشهر وإلا يتم الخصم من الحوافز أو الحرمان منها، ويكون العامل والعاملة بين أن يأخذ حقه في الإجازات أو أن يأخذ الحافز الذي هو في أشد الحاجة إليه نظراً لضعف الأجور.

قانون العمل: تقنين التمييز.. وضعف العقوبات
وفي قانون العمل الحالي ومسودات القوانين التي ظهرت حتى الآن، هناك مشكلات أخرى تعاني منها النساء العاملات في القطاع الخاص، فعلى الرغم من ورود حقوق المرأة في إجازة الوضع ورعاية الطفل التي يتباهي بها وزير القوى العاملة، كون مسودة القانون قد أوردت حقوق النساء، وأوردت تعريف للتحرش في العمل، والذي سنأتي إليه لاحقاً، إلا أن القانون الحالي والمسودة قد قامت بالتمييز ضد النساء العاملات في القطاع الخاص، ففي الوقت الذي نصت فيه م 52 من قانون الخدمة المدنية 81 لسنة 2016على إجازة الوضع للموظفة 4 أشهر 3 مرات طول مدة خدمتها، ينص القانون الحالي في م 91 والمسودة على أن إجازة الوضع للعاملات طبقًا للقانون فقط 3 شهور 3 مرات.

لعل الميزة الوحيدة في مسودة قانون العمل هو إلغاء الشرط الذي كان موجودًا في القانون الحالي هو عمل العاملة لدى صاحب العمل لمدة 10 أشهر لكي تستحق إجازة الوضع.

وعلى الرغم من مطالبة العديد من المنظمات النسائية وحملة “نحو قانون عادل للعمل” بأن يكون إنشاء دار حضانة ملزم لصاحب العمل الذي يستخدم 100 عامل وعاملة فأكثر، إلا مسودة القانون تسير علي نهج القانون الحالي في شرط إنشاء الحضانة في حال وجود 100 عاملة فأكثر، لتمهد لأصحاب الأعمال طريقًا للتهرب من تنفيذ القانون، كما أنه بهذا الوضع يكرس للثقافة المجتمعية السائدة والتي تحمل المرأة وحدها مسئولية البيت والأطفال حتى في حال عملها، فتجعلها تعمل كل شئ حتى اصطحاب أطفالها للحضانة تصبح مسئوليتها وحدها بدلًا من أن تكون مسئولية الأب والأم معًا.

ناهيك عن العقوبات غير الرادعة لأصحاب الأعمال سواء في القانون الحالي 12 لسنة 2003 أو في المسودة في كل ما يخص حقوق العمال. وما لفت انتباهنا أكثر للعقوبات الغير رادعة، العقوبة التي وضعت لحظر التحرش الجنسي وهي غرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد عن 5 آلاف جنيه.

ذلك في الوقت تنص فيه المادة 306 مكرر (ب) من قانون العقوبات على معاقبة كل مَن تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأية وسيلة، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية، ممن كانت له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه أو مارس عليه أي ضغط تسمح له الظروف بممارسته عليه بعقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز 5 سنين والغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تزيد على 50 ألف جنيه”.

فكما نري كأن وزارة القوي العاملة تريد عندما أوردت تعريف للتحرش في مسودتها أن يفلت صاحب العمل الذي يتحرش بالعاملات لديه من العقوبة الأشد في قانون العقوبات، لتستبدلها بغرامة عُشر الغرامة في قانون العقوبات فقط وبدون حبس.

قانون التأمينات: الانتقاص من الأجر في حالة الوضع
تُحرم المرأة من ربع أجرها حال إجازة الوضع، فقد نصت م 89 ق 79 لسنة 1975 على استحقاق المؤمن عليها في حالة الحمل والوضع تعويضًا عن الأجر يعادل 75% من الأجر المسدد عنه الاشتراك في التأمينات، بشرط ألا تقل مدة اشتراكها في التأمين عن 10 أشهر.

وفي جميع الأحوال فإن الواقع أشد مرارة من القانون خاصة في القطاع الخاص، فكلنا نعرف نساء يتم فصلهن بمجرد الحمل والولادة، أو تكون إجازة الوضع بالنسبة لهن شهر واحد فقط. ونادراً ما نجد أماكن عمل تلتزم بالقانون فيما يخص وجود حضانة لأبناء العاملات. على سبيل المثال القصر العيني الفرنسي والذي يعمل به أكثر من ألفي ممرضة بخلاف الموظفات والإداريات لا توجد به حضانة، على الرغم من أن طبيعة عمل الممرضات تجعلهن يعملن بنظام النوبتجيات ليلًا أو نهارًا لمدة 12 ساعة، مما يتعذر عليها (حتى لو امتلكت القدرة المادية) أن تجد حضانات تضع فيها أبنائها في أي وقت، فماذا تفعل بأطفالها؟!

وعلى الرغم من أن القصر العيني القديم به حضانة إلا أنها تعمل في الفترة الصباحية فقط، ولا تعمل ليلاً كما ذكرت إحدى الممرضات، حتى الأماكن التي يتوفر بها حضانة، تكون في أغلب الأحيان غير ملائمة لرعاية الأطفال وحمايتهم، وكأن لسان حال صاحب العمل الذي يوفر حضانة لأبناء العاملات يقول “يحمدوا ربنا أننا عملنا لهم حضانة”. على سبيل المثال لا الحصر، حضانة أطفال العاملات بمستشفى العجوزة موقعها بجوار محرقة النفايات الخطرة بالمستشفى، وهو ما يعرض هؤلاء الأطفال للعدوى.

وهناك التعدي على حق ساعة الرضاعة بالمخالفة للقانون، وعدم منح العاملة المريضة بسبب الحمل إجازة تحتسب ضمن إجازة الوضع طبقاً للمادة 91 ق 12 لسنة 2003، فقد ذكرت إحدى الممرضات بمستشفى عين شمس التخصصي أنهن يعملن حتى يوم الولادة شفت كامل، حتى أن زميلاتها بدأت عملية الولادة لديها أثناء عملها مما جعل زملائهم الرجال يصطحبونها إلى مستشفى الدمرداش. كما أن الممرضات في العمليات بنفس المستشفى محرومات من الـ “ساعة” لرضاعة أطفالهن، وعندما طالبن بها قيل لهن أن هذا البند لا ينفذ لأن حوافزهن في العمليات أعلى من بقية العاملين بالمستشفى، وفي مقابل ذلك لا يأخذون هذه الساعة.

التعليقات