بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عمال المحلة يطلقون نداءهم مجددًا

عمال المحلة - صورة أرشيفية
عمال المحلة - صورة أرشيفية

إضراب 16 ألف عامل بعد اعتقالات ومحاكمات عسكرية طالت قيادات عمالية في الترسانة البحرية والاتصالات والنقل العام وطرة الأسمنت وإفكو وغيرها، حدث بالغ الأهمية. ولا شك أيضًا أن استمرار هذا الإضراب لما يقرب من أسبوعين يضفي على هذا الحدث أهمية إضافية.

ولكن أن يكون هذا الإضراب في شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة، وأن يأتي بعد محاولات لم تُكلَّل بالنجاح، آخرها كان قبل أشهر قليلة، فهذا حدثٌ يجب التوقف عنده لفهم أبعاده وآفاقه.

لا يمكن الحديث عن أهمية إضراب عمال المحلة في أغسطس 2017، دون الحديث عن الدور الذي لعبته إضرابات المحلة في السنوات العشر الأخيرة في مصر، حتى وإن كان بعض هذا الحديث مكررًا.

شكَّلَت الاحتجاجات التي قام بها عمال غزل المحلة نقطة تحول حقيقية في الحركة العمالية في مراحل مختلفة في السنوات الماضية. فإضراب عمال المحلة في ديسمبر 2006 كان نقطة انطلاق للحركة العمالية، كأول إضراب عمالي ضخم تضطر الدولة للتفاوض مع عماله وتستجيب لمطالبهم دون أن تستخدم الأدوات الأمنية لفضه.

لم يمثل ذلك حافزًا للحركة العمالية، والتي انطلقت بالفعل على نطاق واسع وفي أغلب محافظات مصر، فحسب، ولكنه كان أيضًا اعترافًا ضمنيًا بحق الإضراب والذي ظل محظورًا على عمال مصر لعقود، حتى بعد النص عليه في قانون العمل 12 لسنة 2003.

الأهم أن هذا الإضراب حمل أيضا اعترافًا ضمنيًا من قبل الدولة بالقيادات العمالية المستقلة عن التنظيم النقابي الرسمي الذي ترعاه الدولة، فتفاوض الدولة مع قيادات من خارج الاتحاد في إضراب نُظِّمَ ضد رغبة التظيم الرسمي، دشن مرحلة جديدة من تأكيد حق العمال في العمل النقابي خارج الإطر التي وضعتها الدولة، وهو ما مهد لظهور الحركة النقابية لاحقًا.

تأثير إضراب المحلة في 2006 لم يقتصر على الحركة العمالية فقط، بل امتد بوضوح إلى الواقع السياسي المصري في ذلك الوقت. فبحلول عام 2006، كان نظام مبارك قد تمكن من استكمال كل سيناروهات توريث الحكم، فانتهى من الانتخابات البرلمانية وانتخابات النقابات المهنية، والتعديلات الدستورية التي مهدت للتوريث، وتمكن من السيطرة على حركة التغيير الديموقراطي، وحركة استقلال القضاء، ولم يبدو في الأفق ما قد يربك مسيرة التوريث.

ولكن انفجار الحركة العمالية انطلاقًا من المحلة وكل مصر، دفع المياء مجددًا في طواحين السياسة وحركة التغيير الديموقراطي التي أحيتها الحركة العمالية مجددًا، إذ مثلت الحركة العمالية في المحلة، نقطة التقاء قوية بن الحركة العمالية والاجتماعية والحركة السياسية، وهو ما سنعود إليه لاحقًا.

لم يقتصر دور الحركة العمالية في المحلة فقط على كونها المفجر للحركة العمالية في مصر، بل يمكن اعتبار احتجاجات عمال المحلة هي المركز الذي تطورت فيه مطالب الحركة العمالية في مصر منذ عام 2006.

فإضراب ديسمبر 2006 لم يرفع سوى مطلب المكافأة السنوية بقيمة أجر شهرين محسوب على الأجر الأساسي. وهو المطلب الذي تم تنفيذه في اليوم الثالث للإضراب. ولكن في سبتمبر 2007، تطورت مطالب عمال غزل المحلة، ونظموا إضرابا رفعوا فيه قائمة من المطالب تنوعت بين رفع الحافز وبدل الوجبة وتحسين القطاع الصحي والمواصلات وضخ استثمارات في الشركة وإقالة رئيس مجلس الإدارة الذي اتهموه بالفساد.

ظهرت المطالب أكثر تطورًا مدفوعةً بالانتصار الذي حققه العمال في الإضراب السابق. ولكن التطور الأهم في حركة عمال غزل المحلة هي مظاهرة 17 فبراير 2008، والتي نظمها العمال قبل انعقاد المجلس القومي للأجور في 18 فبراير، حيث تظاهر يومها أكثر من عشرة ألاف عامل من شركة غزل المحلة وانطلقوا خارج الشركة، رافعين شعار حد أدنى للأجور 1200 جنيه.
كانت هذه هي المرة الأولى التي ينظم عمال شركة احتجاجا رافعين مطلب لكل الطبقة العاملة المصرية وليس مطلب لعمال الشركة وفقط، والأهم أنه بعد طرح عمال المحلة لمطلب الحد الأدنى للأجور أصبح هو نفسه مطلبا على قائمة المطالب العمالية في أغلب الإضرابات العمالية.

لم تنتقل الحركة العمالية في المحلة بالمطالب من المطالب المصنعية للمطالب الطبقية فقط، فقد كانت الخطوة التالية لعمال المحلة هي انتفاضة 6 أبريل، والتي وإن لم تنطلق من شركة المحلة نفسها إلا أن تأثير الحركة العمالية كان واضحًا خلالها على المدينة التي ضجت من الغلاء والفقر، فكانت انتفاضة 6 أبريل 2008 بحق تتويجا للاحتجاجات المتتالية لعمال المحلة، مثلما كانت الإشارة الأولى لثورة يناير.

ولكن لم تكن انتفاضة 6 أبريل الرابط الوحيد بين الحركة العمالية في المحلة والواقع السياسي، فكما ذكرنا أحيت إضرابات المحلة والإضرابات العمالية التي تلتها حركة الإصلاح الديمقراطي التي كانت تراجعت بقوة، كما ساهم بناء حركات تضامنية مع الإضرابات العمالية في توحيد القوى السياسية وتعاونها والتنسيق بينها، كما كانت الحركة العمالية منفتحة على الحركات السياسية حتى الراديكالية منها، فضمت مقرات الأحزاب والحركات السياسية ومنظمات المجتمع المدني اللقاءات العمالية سواء التحضرية لتنظيم الحركة أو التضامنية أو حتى الاحتفالات بانتصار الاحتجاجات العمالية، ما ساهم بقوة في ربط الحركات السياسية بالحركة الاجتماعية.

مع ذلك فالبعد السياسي للإضرابات العمالية لا يمكن فهمه بشكل بسيط ومباشر من طبيعة المطالب أو علاقة الإضرابات بالحركة السياسية. فإضراب عمال المحلة الذي بدأ في السابع من أغسطس 2017، ولا زال مستمرًا حتى الآن كان المحرك الأساسي له مطلب العلاوة الاجتماعية وعلاوة غلاء المعيشة، ولا يوجد أي دور سواء مباشر أو غير مباشر لأيٍ من القوى السياسية بالإضراب. ومع ذلك فإن تنظيم 16 ألف عامل لإضراب لما يقرب من أسبوعين.

مع ذلك فهذا الإضراب يعني بكل وضوح نجاح هؤلاء العمال في انتزاع حريتهم في التعبير وحقهم في التظيم والاحتجاج والإضراب عن العمل، وهي مجموعة حقوق سياسية وديمقراطية لا تنجح غالبا عشرات الندوات والمؤتمرات السياسية في انتزاعها.

الحقيقة أن أحداث السنوات العشرة الماضية أثبتت أن انتزاع الحقوق الديمقراطية والسياسية قد يكون مستحيلا في ظل غياب قاعدة اجتماعية تناضل من أجل مصالحها المباشرة مستخدمة في ذلك كل أدوات الديمقراطية.

على الرغم من تواضع المطالب التي رفعها عمال غزل المحلة في إضرابهم في ديسمبر 2006، إلا أن التأثير الذي أحرزه هذا الإضراب يتجاوز كثيرًا في قيمته المطالب التي رفعها العمال في إضرابهم، والتي حصل العمال على الكثير منها أيضًا.

القول بأن إضراب عمال المحلة الذي أوشك أن يكمل أسبوعه الثاني للمطالبة بالعلاوة الاجتماعية وعلاوة غلاء المعيشة وزيادة بدل الوجبة، بالإضافة لمطالب أخرى، ستكون له نفس النتائج، أي أنه سيطلق موجة من الحركة العمالية ويكسر حالة الجمود السياسي، سيكون تبسيط مخل، لا يعبر عن بذل أي جهد في فهم الحركة العمالية ومحاولة التفاعل معها. كذلك اعتبار إضراب 16 ألف عامل للمطالبة بالعلاوات وبدل الوجبة حدث عابر لا يمس الأوضاع السياسية والاجتماعية ليس سوى استمرار للتعالي النخبوي على الحركة العمالية، والذي كانت عواقبه وخيمة على مدار السنوات الماضية.

إضراب المحلة جاء بعد موجة قمع غير مسبوقة للحركة العمالية تضمنت فضًا بالقوة للإضرابات واعتقال للقيادات العمالية وتقديمهم للمحاكمات بما فيها المحاكمات العسكرية، وفصل وتشريد العناصر العمالية المناضلة.

أيضًا جاء إضراب المحلة بعد أن جُرِّفَت الشركة من قياداتها الطبيعية والتي دأبت الإدارة لسنوات على فصلهم ونقلهم حتى أصبحت الشركة خالية منهم تقريبًا. ولكن الملاحظة التي لا يجب أن نفوتها هي أن الإضراب الذي عبر عن تماسك وصلابة استثنائية في ظل تلك الظروف جاء بعد عدة محاولات لتنظيم إضرابات في الشركة نفسها كان أهمها في مارس الماضي، ولكنها فشلت جميعًا بسبب القبضة الأمنية على الشركة.

هذه الظروف التي نظم العمال إضرابهم فيها، أو بالأحرى رغمها، تعني أن الحركة العمالية أقوى وأكثر تماسكًا وإصرارًا مما تبدو عليه.

ورغم غياب التنظيم النقابي الممثل للعمال، وتبعية وعداء التنظيم النقابي الرسمي للحركة العمالية، تتمتع الحركة العمالية بحدس من نوع خاص.

فرغم تزايد القبضة الأمنية والبطش بأي محاولة لتنظيم احتجاج، كان عمال المحلة يدركون أن احتمال استخدام القمع الأمني ضد إضرابهم احتمال ضعيف، بسبب وجود حاضنة للإضراب في المدينة، والتي يعاني أهلها أيضا من موجات الغلاء والبطالة وتهاوي المرافق والخدمات، ما يجعل إضراب المحلة ليس إلا تعبيرا عن أوضاع يعاني منها أهل المدينة، وربما يؤدي الهجوم الأمني على العمال لانفجار يتجاوز انتفاضة السادس من أبريل 2008.

أثبت عمال المحلة على مدار أيام إضرابهم قدرتهم على الصمود والاستمرار رغم الضغوط والتهديدات، والتجاهل الإعلامي الواضح رغم ضخامة الحدث. وأصبحت احتمالات انتصارهم في الإضراب غير محدودة، خاصة مع تطور إضرابهم وتنظيمهم لوقفات يومية داخل الشركة، وانضمام عمال شركة النصر للصباغة والتجهيز إلى إضرابهم.

ولكن ما يعطي إضراب المحلة أهمية خاصة، هي أنه يمكن اعتباره بحق أقوى رد فعل شعبي ضد السياسات الاقتصادية التي أدت لموجات الغلاء المتتالية. فما يطلبه عمال المحلة تحديدا هي علاوة غلاء المعيشة والعلاوة الاجتماعية وهي العلاوات المقررة قانونا لمواجهة الغلاء. وانتصار عمال المحلة في الإضراب سيكون انتصارًا أوليًا ضد تلك السياسات الاقتصادية، وسيكون حافزًا قويًا للمزيد من المقاومة حتى وإن بأشكال أخرى.

والحقيقة البسيطة التي لا يمكن تجاهلها أن المكاسب الاجتماعية والاقتصادية تناسبت دائما مع معدلات الاحتجاج والنضال العمالي والاجتماعي. ففي العام الذي شهد انتفاضة المحلة فضلا عن آلاف الإضرابات العمالية، قررت الحكومة صرف علاوة بنسبة 30%، فضلًا عن صرف مزايا خاصة لعمال المحلة وسكان مدينة المحلة، وعام 2016/ 2017 والذي شهد تراجعًا واضحًا في الحركة الاجتماعية شهد أيضًا أقل نسبة زيادة في مخصصات الأجور فلم تزد على 4.5% بحسب الموازنة العامة، بينما تجاوزت نسب التضخم 20%.

ربما كانت هذه الرسالة الأهم لعمال المحلة: أن مواجهة السياسات الاقتصادية لن تصبح ذات قيمة دون صعود في الحركة العمالية، بدأه بالفعل عمال غزل المحلة.

*المقال منشور بالتزامن مع موقع بالأحمر

التعليقات